مارسيل غوشيه مؤرخ وفيلسوف فرنسي، هو الآن مدير دراسات في العلوم الاجتماعية بمركز الأبحاث السياسية «ريمون آرون» كما أنه مدير تحرير مجلة «نقاش ـ ديبا». له العديد من المؤلفات منها «ثورة حقوق الإنسان» و«دور الدين في الديمقراطية» و«ديمقراطية عصرنا»، الخ.

«قدوم الديمقراطية» هو عنوان عريض لمشروع يؤرخ من جهة للقرن العشرين من منظور فلسفي كما يقدم، من جهة أخرى، نظرية عامة للديمقراطية. اختار المؤلف للجزء الأول من عمله عنوانا يقول «قدوم الديمقراطية: الثورة الحديثة» ثم «قدوم الديمقراطية: أزمة اللبرالية» بالنسبة للجزء الثاني.

ومع «قدوم الديمقراطية» يحلم البشر بعالم «يحكمون فيه أنفسهم بأنفسهم». ولا يتردد المؤلف في وصفه بأنه «العالم الأكثر صعوبة فيما يتعلق بالسيطرة عليه». وفي محاولة للتأريخ لمسيرة ظهور الديمقراطية وإيجاد مرتكزات لها في هذا المجتمع الإنساني أو ذاك يحدد المؤلف القول أن «الثورة الحديثة» التي عرفتها المجتمعات الغربية ما بين بداية القرن الخامس عشر وحتى نهايات القرن الثامن عشر والتي كانت المعركة الحقيقية فيها هي معركة حصول الفرد على «استقلاله الذاتي».

وتتمثل خصوصية الديمقراطية الغربية، كما يقدمها المؤلف، في الجمع بين الأبعاد السياسية والقانونية والتاريخية. هذا الجمع بالتحديد هو أيضا مصدر «المشكلة الدائمة» في الديمقراطية الغربية.

وفي الجزء الثاني من «قدوم الديمقراطية» الخاص بـ «أزمة اللبرالية» يقدّم المؤلف عملية توصيف معمّقة للسيرورة الديمقراطية الغربية ما بين عام 1880 وعام 1914، أي حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى التي استمرّت حتى عام 1918.

ويعتبر المؤلف أن هذه الفترة عرفت الصيغة الجنينية لما سيكون عليه القرن العشرين التالي بكل مآسيه وإنجازاته الكبيرة. كما عرفت أيضا وضع الأسس الأولى للديمقراطية اللبرالية مع النظام التمثيلي والاقتراع العام المباشر.

إن المؤلف يُبدي منذ الصفحات الأولى لهذا العمل قدرا كبيرا من التشاؤم حيال الحقبة الراهنة التي تتميز بوجود «انسدادات سياسية» في المجتمعات ذات السمة الديمقراطية اللبرالية. وهو يصيغ تشاؤمه عبر السؤال التالي: «هل نحن مدانون حقا، ودون أي أمل بالخلاص، بنوع من الاحتضار المزمن»؟

وما يؤكده المؤلف هو أن البشر في المجتمعات الحديثة أصبحوا يفتقرون إلى «الأفكار الواضحة». وبنتيجة هذا الغموض غابت إلى حد كبير قيم أساسية مثل تلك التي تخص «التقدم» و«التضامن». أما النتيجة العامة لمثل هذه الحالة كلها فهي مجموعة من التغيرات التي تصيب البنى الداخلية للمجتمعات المعنية.

وتتمثل إحدى الأفكار التي يتم التأكيد عليها في القول بوجود حالة من «الهروب إلى الأمام» في شتى مشارب النشاط والتحرك. الشواهد التي يقدمها المؤلف كثيرة وليس أقلها بروزا عملية «الهرب إلى الأمام» التي قام بها الأميركيون عندما شنّوا حربهم الأخيرة في العراق وعندما رفعوا مشروعهم الشهير بإعادة صياغة الشرق الأوسط، أي مشروع «الشرق الأوسط الكبير»،

بل «وهروب إلى الأمام» عندما أرادوا صياغة العالم كله حسب التصور الذي حددوه لهذا العالم. وليس الأميركيون وحدهم هم الذين يمارسون مثل هذا «الهروب إلى الأمام» فالأوروبيون أنفسهم يفعلون الأمر نفسه من خلال مشروعهم لـ «التوحيد الأوروبي».

ويرى المؤلف أنهم يقومون بالتوسيع بعد التوسيع لإطار الاتحاد الأوروبي دون أية دراسة حقيقية مثل «العميان» الذين لا يرون معالم الطريق التي ينبغي عليهم أن يسلكوها. ونفس «العماء» كان فيما يتعلق بصياغة الدستور الأوروبي، أو «الاتفاقية الدستورية» كما شاعت التسمية.

هذه الاتفاقية التي رفضها الفرنسيون وبعدهم الهولنديون عام 2005 بصيغتها الأولى جرى عمليا تبنّي جوهرها في «اتفاقية مبسّطة»، ولكنها «غير قابلة للتطبيق أيضا»، حسب الرأي المقدّم. التفسير الوحيد الذي يتم تقديمه لمثل هذا «التخبط» هو أن أولئك البيرقراطيين الذي يشيدون البناء الأوروبي هم أيضا في حالة «هروب إلى الأمام».

أمام مثل هذه الحالة يرى المؤلف أنه لا بد من «إعادة نظر» شاملة بهدف إعادة الاعتبار لقيم مثل التقدم والتضامن والتوازن الاجتماعي ومفاهيم القوة ودور العلوم. بل يرى أن المطلوب هو أكثر من «إعادة نظر» وإنما هو «وعي» بالمعطيات التي يتكون منها العالم. ومسألة البيئة وحمايتها تشكل أحد «رموز» هذه المخاطر، أحدها ولكن ربما ليس آخرها. ولكنه «رمز قوي جداً».

«الوعي» الذي يطالب فيه المؤلف يجد فيه مقدمة من أجل التصرف بـ «طريقة أخرى»، وليس اختراع طرق جديدة. ذلك أن «زمن الثورات» قد ولّى بنظره إلى غير رجعة. ولا بد اليوم برأيه من الحديث عن «إعادة تأسيس» بالاعتماد على المعطيات المتوفرة.

وتتمثل إحدى الخطوات الجوهرية الأساسية المطلوبة في إعادة إعطاء «الشأن السياسي» السلطة الضرورية من أجل مرافقة بالإدراك بـ «العمل». ذلك أن أكبر صعوبة تتم مواجهتها هي «فرض ما هو مطلوب».

هكذا مثلا يشير المؤلف أن مفاهيم حقوق الإنسان «لا أهمية لها» إذا لم تتوفر البنى السياسية التي يمكن أن تعطيها معناها. وبهذا المعنى يعمم المؤلف تحليله وصولا إلى القول إن السياسات التي تنتهجها البلدان الديمقراطية الأوروبية «التي لا تدعمها القوة والسلطة»، لن يمكنها أن تؤدي إلى أية غاية من الغايات المعلنة مهما كانت درجة ديمقراطيتها.

ويحدد المؤلف أكبر مثالب الديمقراطيات الراهنة في كون أن المعنيين بها من أبناء مجتمعاتها لا يعنيهم سوى أمر واحد هو أن يسير الاقتصاد بشكل جيد «هنا والآن. ولم يعد مهما بالنسبة لهم أن يساهم هذا الاقتصاد في صياغة المستقبل الإنساني على أساس أن لهذا المستقبل «استمراريته» التاريخية.

ثم إن افتقار هذا البعد «الإنساني» يجعل الديمقراطية نفسها «غير مفهومة» بشكل جيد، وتحت لافتة «الديمقراطية» هذه يتم التأكيد على الحرية، مع نسيان أن «إعطاء الحرية للأفراد لا يكفي، إذ ينبغي أيضاً إعطاؤهم السلطة وقدرة التصرف».

وفي مثل هذا السياق يكتسي «التاريخ» نفسه أهمية خاصة، فإذا كان من المهم جدا «الفعل» و«سلطة الفعل»، فإنه لا بد من تحليل الأسباب التي أدت إلى وصول الأمور لما وصلت إليه، كذلك لا بد أيضا من «استشراف» الوجهة التي يراد دفع الأمور باتجاهها.

لا يكفي إذن «الفعل من أجل الفعل»، وإنما لا بد من أن يكون لكل فعل «غاية». إن المؤلف يكرس أحد فصول عمله لدراسة «الإمبريالية» وتجلياتها منذ الإمبريالية الاستعمارية «الكولونيالية» وحتى الأشكال الجديدة للإمبريالية التي تمثلها القوة العظمى الوحيدة الأميركية في عام اليوم.

ويشير أولا إلى أنه يتم الحديث كثيرا عن «العولمة الأولى التي سادت في ظل «السيطرة الأوروبية» على العالم في نهايات القرن التاسع عشر، ولكن لا يتم ربطها مع «العولمة الجديدة» التي نعرفها اليوم. ا

لعولمة الأولى كانت العولمة الحالية فهي مختلفة تماما ذلك أن «أوروبا»، القوة المسيطرة السابقة، تشهد حالة من «انحلال الشأن السياسي» في السوق العالمي. هذا ما يراه المؤلف ثم يشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية وحدها هي التي تلعب دور إمبريالية فيها بعض ملامح العولمة السابقة.

لكنه ينتهي في تحليله إلى القول إن الولايات المتحدة يمكن أن تكون «مشكلة القرن الحادي والعشرين» من حيث إنها ذات حلم إمبريالي في عالم لم يعد قابلا لقيام إمبراطوريات.

*الكتاب:قدوم الديمقراطية

*الناشر:غاليمار ـ باريس 2007

*الصفحات:314 صفحة من القطع المتوسط

L'avènement de la démocratie

7002 siraP - dramillaG

413.P