مؤلف هذا الكتاب هو المفكر الإسلامي الشهير محمد أركون. ومعلوم أنه كان أستاذا لتاريخ الفكر الإسلامي في السوربون لمدة ثلاثين سنة قبل أن يتقاعد مؤخرا. وقد أصبح بعدئذ أستاذا محاضرا في شتى جامعات العالم.

ومن أشهر كتبه السابقة نذكر: التيار الإنساني والعقلاني العربي في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي (1970). ثم مقالات في الفكر الإسلامي (1984)، ثم نقد العقل الإسلامي (1984)، ثم الإسلام بين الأمس واليوم (1982)، ثم الإسلام، الدين والمجتمع (1982)، ثم الدين والعلمانية. نحو مقاربة علمانية للإسلام (1989)،ثم الإسلام، الأخلاق والسياسة (1986)، ثم اللامفكّر فيه في الفكر الإسلامي المعاصر (بالانجليزية عام 2002)، ثم من مانهاتن إلى بغداد. فيما وراء الخير والشر (2004)، ثم النزعة الإنسانية والإسلام (2006)، الخ.وفي هذا الكتاب الجديد يتناول محمد أركون عدة مسائل أساسية تخص كيفية تشكل التراث الإسلامي وعلاقته بالحداثة. ويتخذ الكتاب شكل الحوار بين أركون وبعض الصحفيين الفرنسيين والإيطاليين.

وفيه يجيب على تساؤلات الغرب الكبرى عن الإسلام بعد ضربة 11 سبتمبر وما تلاها. فمن الواضح أن الغرب لا يمتلك معرفة علمية حقيقية بتراث الإسلام الحنيف. وإنما كل ما يعرفه عنه هو مجرد كليشيهات وإشاعات خاطئة مستمرة منذ القرون الوسطى. وبالتالي فقد آن الأوان لتوضيح الأمور والإشكاليات، وهذا ما فعله أركون على مدار الكتاب.

فهو يجيب في البداية على السؤال التالي: هل يمكن التحدث عن وجود معرفة علمية موضوعية عن الإسلام في الغرب؟ ثم تحدث أركون بعدئذ عن إشكالية كبيرة تشغل الجميع اليوم ألا وهي: علاقة الإسلام بالسياسة.

فالمستشرقون يعتقدون أن المسيحية فصلت بين الدين والسياسة منذ أن قال المسيح عبارته الشهيرة: ما لقيصر لقيصر وما لله لله. أما الإسلام فلا يعترف بهذا الفصل. على العكس إنه يربط بشكل وثيق بين الدين والسياسة.

ويرى أركون أن الأمور أكثر تعقيدا مما نظن. صحيح أن الإنجيل يقول ذلك ولكن هذا لم يمنع المسيحية من أن تصبح دين دولة منذ أن كان الإمبراطور الروماني قسطنطين قد اعتنقها عام 330م. ومعلوم أن أباطرة أوروبا وملوك فرنسا كانوا يجمعون في شخوصهم بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية على مدار القرون الوسطى تماما كخلفاء المسلمين.

ومع ذلك فإنهم يقولون لك بأن المسيحية تسمح بالفصل بينهما على عكس الإسلام. هذه كليشيهات شائعة لا أساس لها من الصحة. فلو أن المسيحية كانت منفصلة عن السياسة لما اضطر فلاسفة التنوير إلى خوض معارك طاحنة في أوروبا

من أجل القضاء على سلطة رجال الدين أو طبقة الاكليروس المسيحية. ومعلوم أن العلمانية، أي فصل الدين عن السياسة، لم تتحقق في أوروبا إلا بعد نضالات طويلة استغرقت قرنين من الزمن: أي القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر.

وبالتالي يرى المؤلف أن المثقفين العرب أو المسلمين مدعوون أيضا لخوض صراعات فكرية مع رجال الدين المتزمتين لكي يتفرغوا للسلطة الروحية أو الدينية فقط. فللسياسة أهلها، وللدين أهله ولا ينبغي الخلط بينهما في كل شاردة وواردة. وذلك لأن هذا يؤدي إلى تلويث الدين بالمناورات السياسية وهذا لا يجوز.

ثم ينتقل أركون بعدئذ للتحدث عن تجربة مصطفى كمال أتاتورك وتحقيق العلمانية لأول مرة في بلد إسلامي هو تركيا. ويقول بما معناه: لقد شاهد أتاتورك مدى التخلف الذي يعاني منه العالم الإسلامي في عصره ومدى التقدم الذي حققته أوروبا.

وبما أنه درس في الكليات العسكرية الفرنسية والأوروبية فإنه أعجب بالحضارة الحديثة وأراد نقلها إلى تركيا. ولذلك اتخذ عدة قرارات تمشي في اتجاه العلمنة. بل وتطرف في ذلك. وفاته أن الشعب التركي لم يكن مهيئا للعلمانية، وبالتالي فإن هذه العلمانية فرضت عليه فرضا من فوق ولم تكن وليدة البيئة الطبيعية للثقافة التركية.

ولذلك ظلت عبارة عن قشرة سطحية على وجه تركيا. فالطبقات العليا البورجوازية المترفة والمثقفة هي وحدها التي تعيش العلمانية أو تمارسها. أما الطبقات الشعبية، أي أغلبية الناس، فلا تزال تقليدية ومرتبطة بتراثها وجذورها.

وهنا يكمن الفرق بين العلمانية التركية المستوردة من الخارج والملصقة لصقا على المجتمع التركي، وبين العلمانية الأوروبية النابعة من الداخل وبشكل طبيعي. في الحالة الأولى تبدو اصطناعية وفي الحالة الثانية تبدو طبيعية شرعية. ولهذا السبب هزمت العلمانية مؤخرا في تركيا حتى بعد ثمانين سنة من تأسيسها رسميا. ونجحت التيارات الأصولية في الحلول محلها دون أن تنقضها خوفا من غضب الجيش التركي.

ثم يتحدث أركون بعدئذ عن مسائل أخرى عديدة مجيبا على تساؤلات من مثل: ما رأي الإسلام بالمرأة؟ ما هي مكانتها طبقا للقرآن الكريم؟ ما علاقة الإسلام بأديان التوحيد السابقة له: أي اليهودية والمسيحية أساسا؟

وهنا يقول أركون بأن سؤالا كهذا ليس واردا إلا ضمن المنظور التاريخي، أي الذي يقرأ التراثات الدينية بشكل تاريخي ومن خلال تطبيق المنهجية العلمية الحديثة. ولا ريب في أنه توجد علاقات واضحة بين التراثات الثلاثة.

ولكن هذا لا يعني أن الإسلام يقلّد ما سبقه بشكل حرفي كما يزعم بعض المستشرقين. فللإسلام عبقريته الخاصة ومرجعياته الذاتية المتمايزة عن سواه. ولكن لا ريب في أن جميع الأديان تدعو إلى القيم الروحية والأخلاقية نفسها على الرغم من اختلاف طقوسها وشعائرها. ولهذا السبب فإن الحوار بين الأديان ممكن وينبغي أن يحصل.

فجميعها تلتزم بالمبادئ الأخلاقية والوصايا العشر: لا تقتل، لا تسرق، لا تزني، لا تكذب، الخ. إن الإسلام كبقية الأديان يركز كثيرا على هذه القيم الأخلاقية ويدعونا إلى اتباعها وإلى محبة الآخر والجار والفقير واليتيم وابن السبيل، الخ. وبالتالي فالدين الإسلامي هو دين القيم الأخلاقية الرفيعة.

ثم يتحدث أركون بعدئذ عن الدور الكبير الذي لعبه الإسلام في نقل التراث الفلسفي والعقلاني اليوناني إلى الغرب الجاهل المتعصب إبان القرون الوسطى. ويقول بأن العرب لم ينقلوا إلى أوروبا فقط التراث الفلسفي وإنما أيضا التراث العلمي من طبي وفلكي وعلم بصريات وفلاحة وسوى ذلك.

وبالتالي فإن فضل العرب والإسلام على الغرب كبير وباعتراف علماء الغرب أنفسهم. وعيب على السياسيين والجماهير الغربية أن تنسى ذلك اليوم وتتهم الإسلام بالتعصب والعنف على طول الخط. فهم بذلك ينسون أو يتناسون كل ذلك العطاء الحضاري العربي الإسلامي الذي أدى إلى نهضة أوروبا وتشكيل حضارتها الحديثة.

وأخيرا يتناول أركون قضايا عديدة يصعب حصرها والتحدث عنها كلها في مقالة واحدة. ولكنه يدعو المسلمين عموما إلى الأخذ بالمناهج العلمية الحديثة من أجل تحقيق النهضة المقبلة إن شاء الله.

*الكتاب:ألف باء الإسلام

لكي نخرج من الانغلاقات الدوغمائية

*الناشر:غرانشيه ـ باريس 2007

*الصفحات:365 صفحة من القطع المتوسط

ABC de l'Islam, pour sortir des clôtures dogmatiques

Grancher- Paris 2007

P.365