مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ الأميركي ستانلي وينتروب، وقد شغل منصب البروفيسور المختص في عدة جامعات أميركية. واشتهر بأنه أحد كبار العارفين بحياة برنارد شو وأعماله الأدبية. كما واشتهر بانخراطه في كتابة سير العظماء من انجليز وأميركان، من سياسيين وأدباء ومفكرين.

وهو هنا يقدم صورة تاريخية حية عن ثلاثة من كبار شخصيات أميركا في القرن العشرين: الجنرال دوايت ايزنهاور، والجنرال ماك آرثر، والجنرال جورج مارشال. وهم جميعاً من أبطال الحرب العالمية الثانية بل وحتى الأولى. والأول أصبح رئيساً للولايات المتحدة لمدة ولايتين متتاليتين، أما الثاني فقد كان بطل أميركا في الحروب الثلاثة المتتالية: الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، وحرب كوريا. وقد أبلى بلاءً حسناً في ساح الوغى إلى درجة أنه حصل على ميدالية الشرف، وهي أعلى وسام أميركي.

وأما الثالث فقد ألقى خطاباً شهيراً في جامعة هارفارد وبتاريخ 5 يونيو 1947 شرح فيه خطته لإعادة بناء أوروبا التي دمرت أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد اشتهرت هذه الخطة باسمه إلى درجة أنهم عندما يقولون «خطة مارشال» فإن الجميع يفهم المقصود من ذلك.

ومعلوم أن أميركا كانت بعيدة عن ساحة العمليات العسكرية ولم تصب بأي أذى من جراء الحرب لأن طائرات هتلر لم تكن تستطيع الوصول إليها فيما وراء المحيطات. ولذلك خرجت سالمة تماماً على عكس دول أوروبا التي دمرت كلياً أو جزئياً: كفرنسا، وألمانيا، وانجلترا، الخ.

وكان الاقتصاد الأميركي قوياً جداً آنذاك بل ويشكل نصف اقتصاد العالم. ولذلك استطاعت أميركا أن تعمّر أوروبا وتنعش اقتصادها من جديد عن طريق ضخ عشرات المليارات أو ربما مئات المليارات من الدولارات فيها. ولكن كان هناك ثمن سياسي لذلك أيضاً.

وعلى الرغم من ذلك لا يزال الأوروبيون يشعرون بالجميل تجاه الجنرال جورج مارشال وخطته لأنه لولاها لما استطاعوا الوقوف على أقدامهم بعد كل تلك الكارثة الكبرى. فقد كانوا محطمين نفسياً ومادياً ومعنوياً.

وقد وقّع الرئيس هاري ترومان على خطة مارشال وأصبحت سارية المفعول بدءاً من ذلك التاريخ. وصرفت أميركا ما لا يقل عن ثلاثة عشر مليار دولار على ست عشرة دولة أوروبية لإعادة إعمارها. وهذا المبلغ يساوي اليوم أكثر من مئة مليار دولار.

ولكن الاتحاد السوفييتي بزعامة ستالين رفض هذه المساعدة الأميركية خوفاً من أن تؤدي إلى الهيمنة السياسية لأميركا على الدول الشيوعية. نقول ذلك على الرغم من أن ستالين كان بحاجة ماسة إلى هذه الأموال لأن الاتحاد السوفييتي خرج أيضاً مدمراً من الحرب. ولكنه فضل أن تتم إعادة البناء بالوسائل المحلية الخاصة والاعتماد على القوى الذاتية.

ثم يضيف المؤلف قائلاً: ينبغي العلم أن أوروبا خرجت منهكة تماماً بعد الحرب العالمية الثانية. وذلك لأن هتلر نهب ثروات وخيرات البلاد التي احتلها وبخاصة فرنسا، ودول اسكندنافيا، ودول أوروبا الشرقية. يضاف إلى ذلك أنه استباح معظم البلدان وقصفها قصفاً شديداً.

ولكن ألمانيا أيضاً دفعت الثمن باهظاً. فالقصف الانجليزي ـ الأميركي دمر إلى حد كبير مدناً عديدة كدريسدين، وكولونيا، وبرلين. ولندن تعرضت للقصف الجوي النازي الذي دمر مئات الآلاف من المساكن. وقل الأمر ذاته عن وارسو في بولونيا، أو مدينة الهافر في فرنسا وكذلك مدينة بريست، الخ. وبالتالي فإعمار لندن كان بحاجة إلى مساعدة ضخمة وعاجلة.

باختصار فإن أوروبا الغربية كانت عاجزة أن تنهض على قدميها بقواها الخاصة فقط. كانت بحاجة إلى إعانة خارجية عاجلة لمساعدتها على تأمين الحد الأدنى من حاجيات السكان. وهذا ما كان. ولذا فإن الجنرال جورج مارشال خلّد اسمه أبد الدهر إذ صمم تلك الخطة الشهيرة ونفذها. فعن طريقها تم إنقاذ أوروبا بدولها الكبرى كفرنسا، وألمانيا، وانجلترا، وإيطاليا، الخ.

وأما الجنرال ايزنهاور فهو الذي أنقذ أوروبا عسكرياً من براثن هتلر. فقد كان القائد العام لقوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية. وهو صاحب الإنزال الشهير على الشواطئ الفرنسية، هذا الإنزال الذي أدى لاحقاً إلى تحرير فرنسا والقضاء على الاخطبوط الهتلري. وقد فعل ذلك بالتعاون والتنسيق التام مع الجنرال ديغول قائد جيش فرنسا الحرة. ولذا فإن الصداقة بين الرجلين كانت وطيدة.

ولد ايزنهاور عام 1890 مثل ديغول ومات عام 1969 مكللاً بالمجد بعد أن أصبح الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة الأميركية. وقد ظل رئيساً لأميركا من عام 1953 إلى عام 1961: أي لمدة ثماني سنوات متواصلة.

واشتهر بأنه كان حكيماً وعاملاً في سياسته الخارجية. فهو الذي أوقف العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بعد أن وجه إنذاراً مشتركاً مع الروس إلى الانجليز والفرنسيين والإسرائيليين لإيقاف عدوانهم وسحب جنودهم من مصر. ومعلوم أنهم كانوا قد وصلوا إلى الضفة الأخرى من القناة بل واحتلوا قسماً من مدينة السويس.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد اتبع ايزنهاور سياسة الحزم تجاه ستالين والاتحاد السوفييتي. صحيح أنه رفض فكرة شن الحرب على ستالين ولكنه اتبع سياسة الردع التي أجبرته على أنه يلزم حده وإلا يتوسع كثيراً في أوروبا. ولولا هذه السياسة الصارمة لحصلت مشكلات كثيرة في أوروبا الغربية.

ثم حصل نوع من الوفاق أو الهدنة داخل الحرب الباردة بعد موت ستالين عام 1953. ووضعت أميركا عندئذ حداً لحرب كوريا ورفضت أن تنخرط إلى جانب فرنسا في حربها الاستعمارية ضد الهند الصينية. وأثبت الرئيس ايزنهاور مرة أخرى أنه رجل عاقل وحكيم ومضاد للنزعات الاستعمارية البغيضة التي عفا عليها الزمن.

ولكن حصلت بعض الأشياء المزعجة في عهد ايزنهاور والتي لا تليق ببلد ديمقراطي. ففي عهده قامت المخابرات المركزية الأميركية بتدبير انقلاب لئيم على الزعيم الوطني الإيراني محمد مصدق. واستطاعت قلبه بالفعل وإحلال الشاه محله.

وبدءاً من تلك اللحظة حقد الشعب الإيراني على أميركا وسياستها. هذا وقد عاش ايزنهاور بعد اعتزاله للسياسة فترة كافية لكي يشهد انتخاب نائبه ريتشارد نيكسون رئيساً للولايات المتحدة. وشهد أيضاً زواج حفيده بابنة نيكسون. وعندما مات ايزنهاور عام 1969 توافد معظم رؤساء إلى العالم إلى أميركا لحضور جنازته.

وأقيم له مأتم مهيب يليق بأحد أبطال الولايات المتحدة الكبار. والواقع أنه لعب دوراً حاسماً ليس فقط على الصعيد الأميركي وإنما على الصعيد العالمي أيضاً طيلة أكثر من نصف قرن. ولا يقارن به إلا زعماء كبار من أمثال تشرشل وديغول.

ثم يضيف المؤلف قائلاً: وأما الجنرال دوغلاس ماك آرثر فقد ولد عام 1880 ومات عام 1964 عن عمر يناهز الرابعة والثمانين. وربما كان يعتبر بطل أميركا العسكري الأول في القرن العشرين بالإضافة إلى ايزنهاور. بل هو حتماً أحد أبطالها الكبار على مر العصور. ولا يزال الأميركان يفتخرون به حتى الآن.

وقد أبلى بلاءً حسناً أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث كان قائداً لفرقة عسكرية كبيرة في فرنسا ذاتها. وهناك دافع عن بلاد فولتير ضد القوات الألمانية الزاحفة. ومعلوم أن الفرنسيين يخشون الألمان كثيراً لأنهم في معظم الحروب معهم كانوا ينهزمون أمامهم. فالجيش الألماني لا يقاوم.

ولهذا السبب فإن الفرنسيين يشعرون بالجميل والامتنان تجاه الأميركان لأنهم أنقذوهم من براثن الألمان مرتين: المرة الأولى أثناء الحرب العالمية الأولى، والمرة الثانية أثناء الاجتياح الألماني الذي حصل إبان الحرب العالمية الثانية وأدى إلى احتلال باريس.

وفي أثناء الحرب العالمية الثانية لعب الجنرال ماك آرثر أيضاً دوراً عسكرياً كبيراً. فقد أصبح قائد القوات الأميركية في منطقة الفلبين والشرق الأقصى. وكلف لمواجهة اليابانيين ودحرهم.

وبالفعل فقد تصدى لهم بكل شجاعة وبسالة حتى سحقهم. بل وكان على وشك أن يغزو اليابان عندما سمع بخبر استسلامها. ولذلك أقلع عن عملية لم تعد بذات جدوى.

*الكتاب:النجوم ايزنهاور، ماك آرثر، مارشال ثلاثة رجال أنقذوا القرن الأميركي

*الناشر: فري بريس ـ نيويورك 2007

*الصفحات :560 صفحة من القطع الكبير

Stars: Eisenhower, Mac Arthur, Marshall: three men who saved the american century

Free Pres- New York 2007

P.650