يعمل دوغلاس ب. فراي أستاذا للعلوم الاجتماعية في جامعات فنلندا ويساهم في البحث العلمي ضمن إطار مركز البحوث التطبيقية، في ميادين الانثروبولوجيا بجامعة اريزونا، وهو أحد الأخصائيين الدوليين المعروفين في البحث بشؤون النزاعات والاعتداءات وسبل حلّها حيث يتابع أبحاثه في هذا الميدان منذ أكثر من عشرين سنة ونشر العديد من الأعمال والدراسات حول هذا الموضوع.

شاعت كثيراً مقولة أن الإنسان ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان، أو إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب. حالة العنف التي عرفتها الإنسانية خلال تاريخها الطويل، وما يشهده العالم اليوم في المرحلة الراهنة «يؤكد» مثل هذه المقولة.

لكن في هذا الكتاب يذهب المؤلف في اتجاه آخر، اتجاه معاكس كي يؤكد أن الطبيعة الجوهرية للإنسان ليست شريرة وإنما يمكن أن تكون «قوة كامنة»، من أجل نشر السلام والخروج من دورة العنف.يذكّر المؤلف قارئه في مطلع تحليلاته بذلك المشهد الذي يبدأ فيه فيلم «أوديسر الفضاء» الذي نال شهرة عالية.

في ذلك المشهد يبدو «إنسان بدائي» وهو يمسك بيده «عظم» بغية استخدامه في قتل منافسه. الرسالة التي تنمّ عنها هذه الصورة وكما يترجمها المؤلف، هي القول إن البشر ميّالون إلى العنف ب«طبيعتهم».انطلاقا من هذه الملاحظة، ومن الأفكار السائدة، بل ومن «الأحكام المسبقة»،

يحاول المؤلف أن يقدّم براهينه على خطأ مثل هذه المقولة ويبيّن على أن «أجدادنا القدامى» لم يكونوا بطبيعتهم «ميّالين إلى الحرب» بل «وفيما وراء الحرب»، كما جاء في عنوان هذا الكتاب، إنهم بالأحرى كانوا يسعون للحياة في سلام. ويعتبر المؤلف أن هذه «سمة» استمرّت مع الإنسان طوال مسيرة التاريخ.

ويذكّر المؤلف قارئه أن فترة تقارب ال90 بالمئة من حياة البشر، أي لفترة تزيد على مليون سنة، كان بنو الإنسان يعيشون رحّلا ويؤمنون غذاءهم عن طريق الصيد وقطف الثمار، وذلك عبر مجموعات متساوية الحقوق وقلّما كانت تنشب الحروب بينهم.

كانت الحروب نادرة، وليس معدومة، كما يؤكد المؤلف أيضاً اعتمادا على دراسات الآثار ـ الاركيولوجيا ـ كما إن الحرب ارتبطت إلى حد كبير بتدخل عناصر خارجية. هكذا مثلا لم يعرف السكان الأصليون لاستراليا، الذين كان يبلغ عددهم 000 750 نسمة قبل وصول الأوروبيين وحيث كانوا يعيشون على الصيد وجمع الثمار جماعيا، الحروب.

ويبيّن «فراي» أن الحرب ليست تعبيرا «طبيعيا» في علاقات البشر، بل إنها لم تظهر في تاريخهم إلا منذ فترة قصيرة نسبيا من الزمن، إذ إنها تزامنت مع حدوث تغييرات جوهرية في التنظيم الاجتماعي، ولكن خاصة مع بروز الدول وتضارب مصالحها.

وهنا أيضاً يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى أنه حتى في الحقبة الراهنة وحيث الحرب حاضرة بقوة (على الأقل حسبما نرى على شاشات التلفزة) فإن السواد الأعظم من البشر يعيشون حياتهم اليومية بشكل سلمي بعيد عن مختلف أشكال العنف، الأمر الذي يدل في الواقع، حسب التحليلات المقدّمة، طبيعتهم الحقيقية التي هي أقل «حربية» بكثير مما يبدو، ومما يراد تصويره.

ولا يكتفي مؤلف هذا الكتاب بالتأكيد أن طبيعة البشر هي «مسألة» في جوهرها، بل يذهب إلى حد التأكيد أنه يمكن للأجيال الحاضرة أن تستفيد كثيرا من تجربة الأجداد، والمضي إلى «ما هو أبعد من الحرب» بحثا عن قدر أكبر من العدالة الحقيقية ومن الأمن بالنسبة لمختلف شعوب العالم.

ولا يخفي المؤلف أن دافعه الحقيقي للاهتمام بمسألة العلاقة بين الحرب والطبيعة الإنسانية إنما هو الاهتمام ب«مستقبل الإنسانية» نفسه. ولا ينسى أن يذكر في هذا السياق مدى التأثير الذي مارسه عليه ـ عندما كان طفلا- التوتر الذي شهده العالم وصولا إلى حافة حرب كان يمكن لها أن تكون مدمّرة لو قامت،

ولذلك أثناء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 حيث قامت الولايات المتحدة في ظل رئاسة جون كندي بتفتيش السفن السوفييتية القادمة إلى كوبا أو الخارجة منها بعد اكتشاف الأقمار الصناعية لمنصّات صواريخ منصوبة في تلك الجزيرة برئاسة فيدل كاسترو، العدو اللدود آنذاك لواشنطن. حالة الرعب آنذاك جعلت الكثيرين يفكرون ببناء ملاجئ في منظور العيش لفترة من الزمن ك«الفئران» تحت الأرض.

تلك الصورة من «الطفولة» جعلت الباحث المتعمّق في «الانثروبولوجيا» لاحقا ينظر إلى الحرب من منظور شمولي ومنظور المقارنة بين الثقافات في الزمن الراهن والمقارنة بينها في تعاقبها التاريخي.

ومن خلال المقارنة بين واقع الحرب والطاقة الإنسانية الكامنة من أجل إمكانية خدمة السلام يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها أن البشر يمكنهم أن يكونوا «عنيفين» ولكن يمكنهم أيضاً أن يكونوا «مسالمين».

وإذا كان «من الممكن» لأي فرد أن يقوم ب«عملية قتل» فإن أغلبية البشر في الواقع لا يفعلون ذلك. وهكذا يبدو ارتكاب القتل بمثابة «الاستثناء» الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها. ويتم التأكيد في هذا السياق على أهمية «التربية» و«الثقافة» على أساس أن «لهما تأثيرا كبيرا على السلوك الإنساني».

لكن في الوقت نفسه الاستفادة من التجارب الإنسانية السابقة، ذلك أن أولئك الرحّل في زمن القطف والصيد يمكنهم أن يلقنوا أبناء الزمن الحاضر دروسا مهمة فيما يتعلق ب«إدارة النزاعات» بطرق سلمية.

والنتيجة النهائية الرئيسية التي يصل إليها المؤلف من خلال دراسته للمجتمعات القديمة هي أن الشكل الأكثر بساطة والأكثر قدما في التاريخ كان يميل إلى أن لا يكون ذا نزعة حربية. هذا في ظل واقع أن الخلافات التي كانت تعرفها مجتمعات القطف والصيد إنما كانت ذات طبيعة «شخصية» في حين وقوعها، ولم تكن إلا في حالات نادرة جدا تشبه الحرب.

ويشير المؤلف إلى رصده لما لا يقل عن 70 مجتمعا يمكن تسميتها «ذات نزعة بعيدة عن الحرب» كما أثبتت مسيرتها التاريخية مما يقدم برهانا على أن الحياة «بلا حروب» ممكنة حقا. ومن خلال ملاحظة ما يسميه ب«ثقافات الحرب» يربط بين خطر وقوعها وبين تعاظم التعقيد الاجتماعي.

وكذلك تزايدت إمكانية الحروب مع «تعقيد» المنظومة الدولية، لكن مثل هذه الحالة ليست سوى «تفصيل صغير» في مسيرة إنسانية تاريخية هائلة. ويرى المؤلف أنه من الخطأ الكبير استنتاج أن الإنسانية تنزع ب«طبيعتها» إلى الحرب من خلال استقراء ما تعرفه البشر في عصر الدول-الأمم فقط، وتعميم الاستنتاج على الإنسانية كلها.

ويتحدث المؤلف عن العديد من «المفاجآت»، الصغيرة منها والكبيرة، وتمثّلت إحدى المفاجآت الكبرى اعتمادا على الدراسات الأثرية -الأركيولوجية- في دحض الفرضية القائلة إن الحروب قديمة قدم البشرية نفسها، ذلك أن أول «العناصر» الاركيولوجية تدل على أن الحروب هي «اختراع» عرفته العشرة آلاف سنة الأخيرة فقط من التاريخ الإنساني.

وكانت المفاجأة الأخرى المهمة هي أن البشر في عصر «القطف والصيد» قد أظهروا «قدرة إبداعية» كبيرة في حل خلافاتهم. ويذكر المؤلف في هذا السياق حادثة خصومة قامت في عهد قديم بين «عصابتين» في منطقة «الاسكيمو» من أجل الصيد.

وكان رئيسا العصابتين يحضّران ل«حرب عصابات» غير معروفة النتائج، لكن زوجتيهما استطاعتا إقناعهما بالدخول في «مباراة» عن الذي يجيد الغناء أكثر من الآخر. ومفاجآت أخرى عديدة يسوقها المؤلف بالاعتماد على أعمال باحثين معروفين في ميدان الثقافات الإنسانية.

ومع التأكيدات التي يسوقها مؤلف هذا الكتاب بأشكال مختلفة أن الصورة الراهنة للأوضاع القائمة في العالم اليوم، لاسيما الحرب الدائرة عمليا في العراق منذ ربيع عام 2003 والتي تملأ أخبارها الصحف ومختلف وسائل الإعلام كل يوم وكل ساعة تؤدي إلى «خيبة الأمل» إنما «على المدى القصير».

لكن على المدى الطويل، لا يرى المؤلف سوى سبيل واحد ل«ضمان أمن حقيقي بالنسبة للأميركيين» في القرن الحادي والعشرين، وفيما يليه، وليس للأميركيين فقط، وإنما للمعمورة كلها، وهذا السبيل هو أن توظف البشرية «طاقاتها الكامنة» من أجل السلام و«فيما هو أبعد من الحرب».

*الكتاب: ما وراء الحرب القوة الإنسانية الكامنة من أجل السلام

*تأليف :دوغلاس ب. فراي

*الصفحات :352 صفحة من القطع المتوسط

Beyond War, the human potential for peace

7002 sserP ytisrevinU drofxO

253.P