كانت آني جيل مؤلفة هذا الكتاب رئيسة التحرير الأصغر سنا في فرنسا خلال سنوات السبعينات المنصرمة.ومنذ ذلك الحين كان هواها الأول هو الأدب. هكذا استكتبت في مجلّتها«بلاي بوي» اشهر المبدعين آنذاك. ثم أسست مجلة« نساء» مع روبير دوانو، أحد أشهرالمصوّرين«الفوتوغرافيين» في القرن العشرين.

سبق للمؤلفة وقدّمت العديد من الروايات من بينها « ملامح حب مذنب» و» امرأة عاشقة» و» امرأة في طريق الانقراض». فرانسواز ساغان موضوع هذا الكتاب هي أديبة فرنسية ذات شهرة كبيرة في العالم أجمع، بما في ذلك في العالم العربي حيث عرفت روايتها الشهيرة« هل تحبين براهمز؟« نجاحا كبيرا.

ومن أعمالها المعروفة أيضا« مرحبا ايها الحزن». كانت صديقة قريبة من الرئيس الفرنسي الأسبق الراحل فرانسوا ميتيران ؛ وقد توفيت قبل ثلاث سنوات. وصفها بعض النقّاد انّها احدى الظواهر الأدبية النادرة في فرنسا في نهايات القرن الماضي (العشرين).

ما تؤكّده مؤلفة هذا الكتاب هو أن فرانسواز ساغان كانت، وسوف تبقى لفترة طويلة أيضا، أحد أكثر الكتّاب رواجا من حيث عدد الذين يقرأون أعمالها داخل فرنسا وخارجها. هذا ما تثبته الإحصائيات خلال النصف الثاني من القرن العشرين. تجدر الإشارة الى أنها لم تحصل طيلة حياتها على أية جائزة أدبية كبيرة ،لا نوبل ولا حتى«الغونكور».

تقول مؤلفة هذا الكتاب» التقيت فرانسواز ساغان ذات مساء من شهر أكتوبر. كنت قد طلبت منها قبل فترة وجيزة قصّة قصيرة للمجلة التي كنت أديرها. ولم نفترق بعدها لمدة طويلة. لقد خصصت لي حجرة في منزلها وكنت أرتدي عند الصباح ثوب حمّامها».

إن مؤلفة هذا الكتاب تروي من خلال سيرة حياة فرانسواز ساغان تاريخ حقبة من أكثر حقب الأدب الفرنسي ازدهارا، أي نهاية عقد الستينات الماضي. الملامح الرئيسية التي ترسمها لمؤلفة«مرحبا أيها الحزن» هي أنها كانت لا تعبأ بالقواعد الاجتماعية التي فرضتها الأخلاق البورجوازية السائدة. وتقول ان«كلمة السر» عندها كانت هي ( قتل الكوميديا الاجتماعية).

ولم تكن فرانسواز ساغان، كما يتم تقديمها، تولي أية أهمية للمال ؛ بل انها كانت تسخر منه حيث كانت تردد باستمرار قولها :( المال ليس له أية قيمة. وينبغي أن يتم تداوله). وتنقل المؤلفة عنها قولها : إنه ـ أي المال ـ خادم جيّد وسيّد رديْ .

وتعيد المؤلفة عدم اهتمامها بالمال وكرمها الكبير الى تربيتها بشكل خاص. وتروي أن فرانسواز ساغان طلبت ذات يوم من والدها أن ينصحها بالكيفية التي ينبغي عليها إنفاق الأموال الطائلة التي كسبتها من نشر رواياتها. وكانت الإجابة صريحة وواضحة وهي أن تنفقها دون أي حساب. كان عمرها آنذاك 19 سنة فقط.

ومن السمات الأساسية التي تؤكد المؤلفة عليها في شخصية فرانسواز ساغان هي أنها كانت ذات تربية عالية جدا. ورغم نمط حياتها« القلق» بحثا عن مغامرة الحياة، فإنها لم تكن تتفوه أبدا بكلمة نابية.

وتنفل في هذا السياق عن محاميها وصديقها (فرانسوا جيبو) قوله : كان يسري الاعتقاد انها هشّة بساقيها النحيلتين كساقي عصفور، ولكنها كانت تمتلك قوة وهبتها لها الطبيعة. ولو لم تكن صلبة لما استطاعت ان تتحمل إيقاع الحياة التي كانت تعيشها كانت ذات شخصية قوية ولم تكن تتفوّه أبدا بأية حماقة ، وكان أكثر ما تخشاه هو الابتذال.

وتتحدّث المؤلفة أيضا عن تلك المسحة من الحياء التي كانت ساغان تتسم بها عندما توجه الحديث الى الآخرين ؛ وهي التي كانت قد أثارت فضيحة حقيقية عام 1954 عندما نشرت روايتها« صباح الخير أيها الحزن» والتي وصفها بعض النقّاد آنذاك أنها«لا أخلاقية»،

بل ألصقوا آنذاك بها أوصافا شتى لم يكن لها غالبا أية علاقة بالواقع. لا شك أن الصورة التي يتم رسمها تخص الفترة الذهبية من حياة» بطلتها». ذلك أنها لم تكن قد دخلت بعد منطقة الزوابع« القضائية» والملاحقات القانونية.

وكانت فرانسواز ساغان تردد دائما، كما تنقل المؤلفة عنها، أنها ذات حظ كبير. ذلك أنها عاشت في فترة استثنائية ،أي تلك الفترة التي جاءت بعد أجواء الحريّة التي أعقبت خاصة ما سمي بـ «ثورة الطلبة» في شهر مايو من عام 1968 ؛ وأيضا الفترة التي جاءت بعد انتشار مرض نقص المناعة المكتسب« الايدز».

وترى مؤلفة هذا الكتاب أن فرانسواز ساغان قد جسّدت حالة ذهنية كاملة في عصرها. ذلك أنها أرادت أن تكون امرأة حرّة تتحمّل مسؤوليات ما تفعله. بل وأنها أرادت عبر نمط حياتها أن تعطي بعض«الدروس»، لكن دون الدخول في جلد المعلّمة.

الدرس الأول عدم القبول بأن ننقاد لأحد فالإنسان حر وينبغي أن يبقى حرا. الدرس الثاني هو أن لا يضيّع الإنسان وقته مع الحمقى فذلك لا يقدّم المتعة ولا يقدّم الفائدة. لقد عاشت فرانسواز ساغان، كما تؤكد المؤلفة وصديقتها التي عايشتها عن قرب، في حالة تصالح قصوى مع ذاتها. وكان اخلاصها الكبير هو للكتابة.

لقد كانت تدرك تماما أنها لم تكن في المصاف الأدبي نفسه لستاندال او بروست. كانت على الأقل تعترف بذلك وملكت بالتالي ملكة التواضع. لم تكن تقول سوى ما تفكر به. لذلك لم تعرف الكثير من لحظات الندم. وتعيد المؤلفة هذه السمة الى كون أنها كانت متأثرة كثيرا بفلسفة نيتشه.

لكن فرانسواز ساغان كانت الى جانب هذا كله امرأة تحب المغامرة بكل أنواعها وتناقضاتها، هكذا عرفت السرعة ( حتى 180 كيلو مترا في الساعة وعرفت حادثا خطيرا كاد أن يودي بحياتها) والكسل والكحول والمخدرات والكازينوهات (خسرت ثروة كبيرة وهي تراهن على الرقم 7) والسأم. لكن رغم هذا كلّه كانت دائما أمّا مسؤولة وقريبة من ابنها الذي أنجبته من زوجها الثاني« بوب ويستهوف»..

ذلك النمط من الحياة و«التطرف في السلوك أبرز شخصية المرأة إذ أصبح«جموحها« ،بل وتسريحة شعرها ولفافة التبغ التي لا تغادرأصابعها موضوع أحاديث لا تنتهي. لكن في الوقت نفسه جرى طمس صورة الأديبة التي قدّمت ما يزيد على أربعين عملا. ما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب هو أن فرانسواز ساغان أنتجت أسلوبا أدبيا حقيقيا.

عرفت فرانسواز ساغان الكثير من شخصيات عصرها المشاهير من أمثال مارلون براندو وارسون ويلز وافا غاردنر وجان بول سارتروغيرهم. وكانت على صداقة وطيدة مع الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران الذي أثار إعجابها بمدى عمق ثقافته الكبيرة بالتاريخ والأدب والفلسفة.

إن الفترة التي تركز مؤلفة هذا الكتاب على دراستها من حياة فرانسواز ساغان هي سنوات الرئيسين الفرنسيين السابقين فاليري جيسكار ديستان وفرانسوا ميتيران. كانت تكتب آنذاك كثيرا.

ولم يكن ذلك بعيدا عن حاجتها الكبيرة للمال بسبب ملاحقة مصالح الضرائب لها. وكانت أوقاتها موزعة الى جانب الكتابة بين الأصدقاء والمقرّبين الدين لم تكن تستطيع الاستغناء عنهم. ولا تتردد المؤلفة في القول أنها كانت شبه مسحورة بتلك الأجواء الفريدة من نوعها آنذاك.

ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب أنه يقدّم توصيفا حيّا لفترة من تاريخ فرنسا الأدبي كانت تتفاعل فيها الأفكار التحررية وتظهر في سلوكيات البعض من أمثال فرانسواز ساغان التي تقول عنها انها« وضعت الأدب فوق البشر» وفرضت على الجميع«قانون» رغائبها المتبدّلة.

ولهذا لا يزال الكثير من الفرنسيين ينظرون اليها على أنها كانت« نقطة علاّم» في المسيرة الثقافية الفرنسية المعاصرة و« نقطة» تتناغم مع تلك التي مثّلها جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار. توفيت فرانسواز ساغان في مستشفى مدينة«هونفلور» الواقعة على بحر المانش يوم 24 سبتمبر من عام 2004، أي بعد 50 سنة من صدور روايتها« مرحبا أيّها الحزن».

لا تزال روايات فرانسواز ساغان تلقى رواجا حتّى الآن ويقدّر انه قد بيع من هذه الرواية أكثر من ثلاثين ألف نسخة خلال عام 2007. وتلقى كتبها في الحقبة الراهنة اهتماما كبيرا لدى القرّاء في المانيا وروسيا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية.

*الكتاب:حبا في ساغان

*الناشر:بوفيرـ باريس 2007

*الصفحات:376 صفحة من القطع المتوسط

UN AMOUR DE SAGAN

PAUVERT - PARIS 2007

P. 376