مؤلف هذا الكتاب هو المفكر الانجليزي كليفورد ميلز الذي يعمل مستشاراً دولياً لعدة شركات ومؤسسات عالمية. وهو يقدم هنا لمحة تاريخية عامة عن إحدى أهم الشخصيات السياسية على المسرح الدولي في الوقت الحاضر: المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
فمن هي هذه المرأة يا ترى؟ وهل يمكن تشبيهها بالمرأة الحديدية التي حكمت بريطانيا أكثر من عشر سنوات: مارغريت ثاتشر؟ أم أنها ذات شخصية أخرى مختلفة تماماً؟ عن هذه الأسئلة وكثير غيرها يجيب المؤلف في هذا الكتاب. وهو يقول منذ البداية بما معناه: إن مستشارة ألمانيا الحالية هي قائدة شابة لا يتجاوز عمرها الثالثة والخمسين عاماً. وهي أول امرأة تحتل هذا المنصب الرفيع في كل تاريخ ألمانيا منذ توحيدها عام 1871. فكل المستشارين السابقين كانوا رجالاً. وفي عام 2006 صنفتها إحدى الجرائد الأميركية المختصة بصفتها أقوى امرأة في العالم، وذلك قبل كوندوليزا رايس، ثم أعادت تصنيفها في المرتبة نفسها عام 2007.
والواقع أن انجيلا ميركل هي بنت قس بروتستانتي يدعى هورست كاسنير ومعلمة مدرسة تدعى هيرلند كاسنير. ولكن اسم ميركل أخذته من زوجها على عادة الأوروبيين في تغيير اسم المرأة بعد زواجها.
وقد ولدت في مدينة هاربورغ بألمانيا الغربية. ولكن العائلة انتقلت مباشرة بعدئذ إلى ألمانيا الشرقية لأن والدها عين هناك في وظيفة دينية. وبالتالي فهي تربية ألمانيا الشيوعية في الواقع لا ألمانيا الغربية.
ومع ذلك فقد استطاعت أن تصل إلى رأس السلطة في كل ألمانيا وهذا أكبر دليل على مدى الميزات والكفاءات الشخصية التي تتمتع بها. وكانت متزوجة للمرة الأولى من عالم فيزياء ألماني يدعى اورليش ميركل. وقد عاشا لمدة خمس سنوات (1977ـ 1982) في شقة ببرلين الشرقية.
والغريب في الأمر هو أنها احتفظت باسمه حتى بعد طلاقها منه علم 1982، وهذا شيء نادر. نقول ذلك وبخاصة انها تزوجت مرة أخرى من رجل آخر يدعى: جواشيم ساوير. وكان من المفترض أن تأخذ اسمه ولكنها فضلت الإبقاء على اسم زوجها السابق.
وزوجها الجديد هو عالم كيمياء معروف. وقد تزوجها عام 1998. وميركل عاقر على ما يبدو لأنها لم تنجب الأطفال أو ربما فعلت ذلك عن خيار متعمد؟ لا أحد يعرف. ثم يضيف المؤلف قائلاً: على أية حال فإنها كرست نفسها للسياسة. وربما كانت الحياة السياسية بكل تقلباتها وصعوباتها لا تسمح لها بتربية عائلة كما ينبغي. فالسياسة تمتص كل وقتك وجهدك عادة.
وقد كانت انجيلا ميركل فتاة متفوقة منذ نعومة أظفارها، فقد كانت الأولى في المدرسة الابتدائية والثانوية. وتفوقها كان واضحاً في مجال الرياضيات واللغات الأجنبية. ومعلوم أنها تتقن بشكل كامل الروسية والانجليزية وتتكلمها بطلاقة.
وبين عامي 1973ـ 1978 تابعت دراساتها الجامعية في قسم الفيزياء بجامعة كارل ماركس بألمانيا الشرقية في مدينة لاينبرغ. ثم نالت شهادة الدكتوراه في الفيزياء عام 1986 بعد أن قدمت أطروحة مهمة وناقشتها أمام كبار الأساتذة. وقد اشتغلت في أفضل مراكز البحوث العلمية في ألمانيا الشرقية بدءاً من عام 1990. وكانت عضوة في تنظيم الشبيبة الألمانية الحرة القريبة من السلطات الشيوعية.
ولكن هذا لا يعني أنها كانت شيوعية. فالواقع أن تقرير المخابرات المكرس لها يقول انها ضد ألمانيا الديمقراطية وكارهة للشيوعية. ولكن كمعظم الشبيبة الألمانية آنذاك كانت مضطرة للانخراط في هذا التنظيم.
وقد عرضوا عليها عام 1978 منصباً رفيعاً في وزارة أمن الدولة ولكنها رفضته. وعرفوا عندئذ أنها معارضة للنظام فعلاً. نقول ذلك وبخاصة انها عبرت عن تأييدها لمنظمة التضامن البولونية المعادية للنظام الشيوعي هناك.
والغريب في الأمر أن عائلتها لم تكن يمينية على الإطلاق، فبعد التوحيد انخرطت في صفوف الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. وأما والدها فعلى الرغم من تدينه إلا أنه لم يدخل الحزب الديمقراطي المسيحي الذي ستصبح ابنته زعيمته لاحقاً قبل أن تصعد إلى القمة وتصل إلى منصب مستشارة ألمانيا كلها.
والواقع أنها لم تنتسب إلى الحزب اليميني إلا بعد سقوط الشيوعية في ألمانيا الشرقية. وكان ذاك عام 1990. وهو نفس العام الذي أصبحت فيه نائبة في البرلمان لا وحتى وزيرة في حكومة هيلموت كول. فقد أعجب بها المستشار وعينها فوراً وزيرة للمرأة والشبيبة، ثم انتخبت بعدئذ نائبة لرئيس البرلمان الألماني.
ثم انتخبت أنجيلا ميركل زعيمة للحزب الديمقراطي المسيحي عام 2001 وأعيد انتخابها عام 2004. وأصبحت بذلك زعيمة للمعارضة الألمانية في مواجهة غيرهارد شرويدر. والشيء الغريب اللافت للانتباه هو أن انجيلا ميركل اتخذت موقفاً مخالفاً لحزبها تجاه حرب العراق.
فالحزب أعلن معارضته للغزو الأميركي في حين أنها هي ساندته قائلة: إنه لموقف لا مسؤول أن نستبعد الحرب كآخر وسيلة لحل أي صراع مستعص. وقد قررت السفر إلى الولايات المتحدة آنذاك من أجل إظهار تأييدها للموقف الأميركي. ولكنها ألغت الزيارة بسبب الانتخابات التي قررت عام 2005.
وفي عام 2004 زارت تركيا لإقناع القادة الأتراك بقبول الشراكة المتميزة مع أوروبا والإقلاع عن فكرة الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي. فهذا شيء مستحيل وغير مرغوب فيه من قبل الشعوب الأوروبية. وبالتالي فموقفها من هذه الناحية يشبه تماماً موقف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.
وفي عام 2005 أعلنت انجيلا ميركل لأول مرة ترشيح نفسها لمنصب مستشارة ألمانيا محل شرويدر. وبالفعل فقد فازت في الانتخابات التشريعية وإن كانت نسبة تقدمها على حزب شرويدر ضعيفة: 2. 35 مقابل 2. 34، أي نقطة واحدة.
ومع ذلك فقد أصبحت هي المستشارة على الرغم من أنف شرويدر. ولكنها اضطرت إلى إقامة تحالف مع حزبه لحكم البلاد لأن حزبها وحده لا يمتلك المقاعد الكافية في مجلس النواب لحكم ألمانيا.
ثم يضيف المؤلف قائلاً: وبالطبع فقد كانت فرنسا أول بلد تزوره أنجيلا ميركل بعد انتخابها مستشارة. وقد أصبحت هذه عادة عند قادة كلا البلدين لكي يؤكدا على متانة التحالف الفرنسي ـ الألماني الذي يعتبر النواة القوية للوحدة الأوروبية. فساركوزي أيضاً زار ألمانيا والتقى بها في اليوم نفسه الذي تم تنصيبه رئيساً للجمهورية في قصر الاليزيه.
وبالتالي فالعلاقات الفرنسية ـ الألمانية أصبحت أساسية، بل إن كلا البلدين أصبحا يعقدان من وقت لآخر مجلس وزراء مشتركاً سواء في باريس أو برلين. يحصل ذلك كما لو أنهما بلد واحد. وهذا من عجائب الأمور أيضاً. فالذي يعرف تاريخ الصراع والحروب الدموية بين فرنسا وألمانيا لا يملك إلا أن يبدي إعجابه بهذه المصالحة التاريخية التي تجاوزت كل الحدود والتوقعات.
هذا وقد برهنت المستشارة الألمانية العتيدة على قوة شخصيتها أمام كل رؤساء دول العالم. ولم تخش من أن تنبه القادة الصينيين إلى ضرورة احترام المعارضة السياسية وحقوق الإنسان في بلادهم.
وكان ذلك أثناء زيارتها للصين مؤخراً. وفي حين أن القادة الغربيين الآخرين يجاملون المسؤولين في الصين وغيرها من بلدان العالم الثالث لكي ينالوا الصفقات التجارية عندهم فإن أنجيلا ميركل اتبعت طريقاً آخر هو طريق الوضوح والصراحة.
وهذه سمة رائعة يتمتع بها الشعب الألماني عادة وكذلك كبار مسؤوليه السياسيين. أخيراً يمكن القول ان السيدة ميركل هي الآن أهم شخصية سياسية في أوروبا لأن بلادها تعد أكثر من ثمانين مليون نسمة بعد التوحيد ولأن اقتصادها هو أقوى من الاقتصاد الانجليزي أو الفرنسي بكثير. إنه ثالث اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان.
*الكتاب: أنجيلا ميركل
*الناشر:مطبوعات تشيلسي هاوس - لندن 2007
*الصفحات:120 صفحة من القطع الكبير
Angela Merkel
Chelsea House Publications London 2007
P.120

