مؤلف كتاب «تلبيس إبليس» هو الامام «أبي الفرج عبد الرحمن الجوزي القرشي البغدادي» المعروف «بابن الجوزي» المولود سنة 512هـ في بغداد. توفي والده وهو صغير، فلما ترعرع حملته عمته إلى مسجد «أبي الفضل بن ناصر»، وهناك بدأ أولى خطواته في دروب العلم والمعرفة والتأليف والوعظ، وكان يحضر مجالسه أمير المؤمنين والسلاطين والأمراء والعلماء، فضلاً عن عامة الناس وقيل «لقد تاب في مجاله أكثر من مئة ألف».
وقد صنّف «ابن الجوزي» في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره وجمع المصنفات الكبار والصغار نحواً من ثلاثمئة مصنف، وكتب بيده نحواً من مئتي مجلد، وله في أكثر العلوم اليد الطولى والمشاركات في سائر أنواعها، من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنجوم والطلب والفقه، وغير ذلك من اللغة والنحو...
قال «ابن خلكان في ترجمته: «كان علامة عصره، وأمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ»، ومن كتبه: زاد المسير في علم التفسير «أربعة أجزاء، أتى فيه بأشياء غريبة وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله «المنتظم» في التاريخ وهو كبير، وله الموضوعات أربعة أجزاء، ذكر فيها كل حديث موضوع، بالجملة فإن كتبه أكثر من أن تعد.
أما كتابه «تلبيس إبليس» فهو من كتبه المشهورة، والتي كتبها في أواخر حياته، وقد بدأها بمقدمة يقول في بعضها: أما بعد فإن أعظم النعم على الإنسان العقل، لأنه الآلة في معرفة الإله سبحانه، والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل...
ولما أنعم الله على هذا العالم الأنسي بالعقل، افتتحه الله بنبوة أبيهم آدم عليه السلام. فكان يعلمهم عن وحي الله عز وجل، فكانوا على الصواب، إلى أن انفرد قابيل بهواه فقتل أخاه، ثم تشعبت الأهواء بالناس فشردتهم في بيداء الضلال.
ثم يعرفنا بكتابه: هذا كتاب قد وضعته مخدراً من فتنة إبليس ومخوفاً من محنه، وكاشفاً عن مستوره، وفاضحاً له في خفي غروره وقد قسم «ابن الجوزي» كتابه إلى ثلاثة عشر باباً، ينكشف بمجموعها تلبيسه، ويتبين للفطن بفهمها تدليسه.
من الأبواب: في التحذير من فتن إبليس ومكايده، في معنى التلبيس الغرور، في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات، في ذكر تلبيسه على العلماء في فنون العلم، في ذكر تلبيسه على الصوفية، في ذكر تلبيسه على العوام. وهو في كل باب من هذه الأبواب يورد فصولاً متعددة تخدم كلها الغرض الذي وضع الباب باسمه.
في باب «في معنى التلبيس والغرور» قال المصنف: التلبيس إظهار الباطل في صورة الحق، والغرور نوع من جهل يوجب اعتقاد الفاسد صحيحاً والرديء جيداً. وسببه وجود شبهة أوجبت ذلك وإنما يدخل إبليس على الناس بقدر ما يمكنه، ويزيد تمكنه منهم ويقل على مقدار يقظتهم وغفلتهم وجهلهم وعلمهم، واعلم أن القلب كالحصن،
وعلى ذلك الحصن سور، وللسور أبواب وفيه ثلم، وساكنة العقل، والملائكة تتردد على ذلك الحصن وإلى جانبه ربض ـ أي كان ـ فيه الهوى والشياطين، والحرب قائمة بين أهل الحصن وأهل الربض..». وهكذا يستمر ابن الجوزي في تبيان الصراع بين العقل وبين الهوى العقل المحصن بالإيمان، والهوى الذي تجره الشياطين إليها.
ففي باب «ذكر تلبيسه على عبادة الأصنام، قال المصنف: كل محنة لبس بها إبليس على الناس فسببها الميل على الحس، والإعراض عن مقتضى العقل. ولما كان الحس يأنس بالمثل، دعا إبليس ـ لعنه الله ـ خلقاً كثيراً إلى عبادة الصور،
وأبطل عند هؤلاء عمل العقل بالمرة، فمنهم من حسن له أنها الآلهة وحدها، ومنهم من وجد فيه قليل فطنة، فعلم انه لا يوافقه على هذا فزين له أن عبادة هذه تقرب إلى الخالق، فقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا).
ومن الزهاد من يلزم الصمت الدائم وينفرد عن مخالطة أهله، فيؤذيهم بقبح أخلاقه وزيادة انقباضه وينسى قول النبي «صلى الله عليه وسلم» إن لأهلك عليك حقاً «. وقد كان رسول الله يمزج ويلاعب الأطفال ويحدث أزواجه،
فهذا المتزهد الجاعل زوجته كالايم وولده كاليتيم. لانفراده عنهم وقبح أخلاقه لأنه يرى أن ذلك يشغله عن الآخرة.وهكذا نرى أن «ابن الجوزي» لم يكتف في بحوثه بذكر عيوب البعد عن العقل والوعي، بل ينظر فينقد، ويرى في سيرة رسول الله وسلوكه الطريق القويم نحو إيمان قوي مشبع بالإنسانية.