عن المجمع الثقافي (أبوظبي) صدر كتاب (الحماسة) للشاعر العباسي الشهير أبي عبادة البحتري: (ولد 206 ـ توفي 284) وهو الكتاب الوحيد الذي ألفه هذا الشاعر، إضافة إلى ديوان من أضخم دواوين شعراء العرب.

ويعد كتاب حماسة البحتري حلقة في سلسلة مؤلفات عرفت باسم كتب الحماسة بدأها أبو تمام الطائي (ولد 188 هـ ـ توفي 231 ه) فكان هو أول من سمى كتاباً بهذا الاسم، ودرج المؤلفون على متابعته، أو الاقتداء بفكرته إلى العصر الحديث.

ولهذا الكتاب أثر في تاريخ الشعر العربي بما قدمه للقارئ من نصوص لشعراء مختلفين أكثرهم من العصر الجاهلي، والإسلامي، والأموي، وبإيراده نصوصاً لشعراء مغمورين، أو شعراء ضاعت آثارهم الشعرية.

سبق حماسة أبي تمام، وحماسة البحتري كتابان اثنان، فيهما اختيارات شعرية: في ما نعرف: هما كتاب المفضل الضبي (توفي 178 ه) وكتاب الأصمعي (توفي 215 ه)، ولم يضعا لهما اسماً خاصاً فاشتهر بكتاب المفضليات، وكتاب الأصمعيات. فلما تصدى أبو تمام للتأليف في هذا النوع من الكتب سمى أحد كتبه ـ ولعله أشهرها ـ باسم (الحماسة)، وتابعه صاحبه وتلميذه البحتري، وسمي كتابه باسم كتاب سابقه.

ولم يغير العنوان لأنه تابع فيه منهج أستاذه في غرضه العلمي وتوجيهه التربوي. وإن اختلف معه في الأسلوب. ولابد من تعليل العنوان، وتبيان المقصد منه، والربط بين العنوان والنصوص المختارة فيه. والباب الأول من كتاب البحتري يحمل عنوان (الحماسة) مماثلة للباب الأول من كتاب أبي تمام. ومن ثم سمي الكتاب كله باسم الباب الأول منه: (كتاب الحماسة).

والحماسة كلمة تشتمل في طيها على معان كثيرة: فهي تدخل في معاني الشجاعة ومنازلة الأعداء، والصبر على الحرب، والإقدام دون الاحجام، وهي تصور شخصية المحارب الفارس، وحامي الديار، وآبي الضيم،

وهي تتغنى بالخصال الكريمة المطلوبة في المواقف الصعبة: في حالي الهجوم على العدو أو مواجهته في حال الدفاع عن النفس والأرض والعرض، والحماسة تتسع للكلام في صبر النفس على الشدائد، والامتناع من الفرار، وإغاثة الملهوف، والذود عن الجار، ومداومة السهر على حماية الذمار؛ واقتحام الأهوال وإن تزايدت الأخطار.

وأضرب مثلاً من القطعة الأولى في الباب من أبواب كتاب الحماسة لأبي تمام، وقد وضع له عنواناً هو «الباب الأول في ما قيل في حمل النفس على المكروه عند الحرب» قال عمرو بن الإطنابة الخزرجي:

أبت لي همتي وأبى بلائي

وأخذي الحمد بالثمن الربيح

وإعطائي على المعسور مالي

وضربي هامة البطل المشيح

وقولي كلما جشأت وجاشت

مكانك تحمدي أو تستريحي

لأدفع عن مآثر صالحات

وأحمي بعد عن عرض صحيح

والشاعر جاهلي قديم من يثرب (المدينة المنورة)، وكان على رأس قومه (الخزرج) في قتال (الأوس). وكان شاعراً. وللأبيات خبر مشهور يذكر كثيراً معها، وهو أن معاوية (رض) قال: لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين وهممت بالفرار فما منعني إلاّ قول ابن الإطنابة:

أبت لي عفتي وأبي بلائي

وأخذي الحمد بالثمن الربيح

(الأبيات...)

فهذا الخبر يبين معنى مهماً من معاني (الحماسة) التي قصد إليها أبو تمام أوّلاً وتابعه عليها تلميذه البحتري بعد ذلك. ويسأل بعد ذلك لماذا اختار المؤلفان معاً عنوان الحماسة وبدآ بالشعر الذي يتناول قضايا الحماسة؟ والذي يعطي السؤال وجاهته أن العصر هو عصر رخاء وبناء، وكثر فيه العناية بالفنون والموسيقى والغناء وجبيت لبغداد الجبايات من أقصى الأرض إلى أقصاها.

ولاشك في أن الحضارة توسعت في القرن الثالث (عصر الشاعرين المؤلفين)، ويظهر ذلك في ديواني أبي تمام والبحتري من المدائح، ووصف المباني والمصانع والحدائق، ومن بلوغ العلوم والفنون غاية عالية في الحياة الاجتماعية..

ولكن شيئاً مهماً كان ينغص على الدولة العباسية هدوءها، ويستثير فيها جانب اليقظة، والاستعداد المستمر، هو نمو قوة الدولة البيزنطية (الروم) التي كانت تجاور العباسيين لمسافات شاسعة حدودية عرفت باسم الثغور..

ولو رجعنا إلى دواوين هذه المدة (وخصوصاً إلى ديواني أبي تمام والبحتري لوجدنا قصائد تتحدث عن الحرب القوية بين الدولة الإسلامية، ودولة الروم، واقتحام كل طرف أراضي الطرف الآخر، ومن أشهر الحوادث اقتحام البيزنطيين منطقة (زبطرة) وما جرى فيها من قتل وسلب واحراق وتشريد، واستنجاد الثغور بالمعتصم وخروجه إلى عاصمتهم (عمّورية) وهي المعركة التي خلّدها قصيدة:

السيف أصدق إنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

ونجد صدى لمثل هذه الأحداث في ديوان البحتري أيضاً.

إذن: كان بدء كتاب (الحماسة) بباب الحماسة أمراً مقصوداً ونحن نعرف أن حماسة الأستاذ كانت كالكتاب المقررّ في حلقات المدرسين. وفي جلسات المعلمين، وفي ندوات المثقفين. ومن هنا كثرت شروح (الحماسة) من القديم إلى العصر الحديث. وقد خصص البحتري في كتابه سبعة وعشرين باباً لأغراض الحماسة المختلفة. وهو عدد يساوي عشر أبواب الكتاب تقريباً.

ولاشك في أن هذا الالتفات من الاستاذ، ومن ثم من التلميذ يهدف إلى إيصال رسالة توجيهية تربوية للصغار والكبار، لتبقي النفوس متحفزة متوثبة وليبقى الجميع في حال استنفار دائم لعدوّ يدبر المكايد المتواصلة. ولقد كانت تلك الهجمات البيزنطية القاسية أحياناً مقدمه لحرب الإفرنج، في ما تلا من الزمان حين انقضت قوات هائجة مائجة من أوروبا على «الشرق» واجتاحت بلاد الشام وأطراف مصر في حملات مشهورة.

حين ألف البحتري (جمع واختار وصنف وعنون) كتابه الذي سماه (الحماسة) كانت الثقافة الشعرية في أعلى درجات تألقها. لقد وضع رواة الشعر، وشارحو الدواوين، والنقاد وغيرهم مؤلفات شاملة: لدواوين الشعراء (كل ديوان على حدة)

مثل امرئ القيس وطرفة وزهير وجرير والفرزدق الخ، ولدواوين القبائل، كل ديوان يجمع أشعار قبيلة مثل اشعار هذيل وأسد وقشير، وعقيل.. الخ.. لكن الذي صنعه البحتري، ومن سبقه مثل أبي تمام والمفضل والأصمعي كان يهدف إلى أمور:

ـ تقديم نصوص مختارة محدودة مأخوذة من مصادر شتى.

ـ التوجه بهذه النصوص إلى القارئ العام لغرض تثقيفي عام.

ـ والتوجه بها إلى الدارسين لغرض تعليمي قاصد

ـ والاستفادة منها في التوجيه الشامل: ويدخل فيه التنبيه على ضرورة الاستعداد للعدو الذي يتربص بالبلاد والعباد. لقد مرّ زمان على الدولة الإسلامية كانت آمنة نسبياً من هجمات الأعداء شرقا وغرباً منذ أواسط القرن الهجري الأول إلى نهاية القرن الثاني. ثم عاد الخطر ثانية بظهور أباطرة عساكر في دولة بيزنطية التفتوا إلى الشرق لتحقيق انتصار، وبدعوى استعادة الشرق الذي كان محتلاً للبيزنطيين زماناً طويلاً قبل الإسلام.

وقد دخلت النصوص المختارة من العصر الجاهلي تحت هذا الباب دون صعوبة، لأنها كانت واسعة الإطار في الحماسة لا تذكر في تلك الاختيارات أحوالاً خاصة في الغالب، فإن ذكرت أحوالاً أو أسماء فلم تكن محجوبة عن الفهم العام والحماسة الشاملة.

ومن أقدم شعراء الحماسة هذه شاعر اشتهر بلقبه:

الفند الزماني، واسمه شهل بن شيبان، ومن شعره

كففنا عن بني هند

وقلنا القوم إخوان

عسى الأيام أن ترجع

قومي كالذي كانوا

ورواية هذا الشعر في غير حماسة البحتري هكذا:

صفحنا عن بني ذهل

وقلنا القوم إخوان

عسى الأيام أن يرجعن

قومي كالذي كانوا

فذكر هند أو ذهل إشارة إلى فئة شاركت في حرب البسوس ولا تمنع خصوصية الشعر من إطلاقه في مقاصد الشعر العامة. ولقب الشاعر الفند يعني: القطعة العظيمة من الجبل، وبه لقب فقد كان رجلاً ضخم الجسم، وكان بسبب فروسيته وبأسه يلقب أيضاً بـ «عديد الألف» أي هو واحد بألف فارس أو مقاتل!

وأكثر أشعار حماسة البحتري من الشعراء غير المشهورين «والقضية أصلاً نسبية» ومن المقلين. وهذا الملمح كان قبل البحتري، لمحه أبو جعفر المنصور، في نصيحة «أو رغبة ملكية» لمؤدب ابنه «المهدي»، وهو اللغوي الراوية: المفضل الضبي.

فقد قال له «لو عمدت إلى أشعار المقلين واخترت لفتاك «تلميذك» لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صواباً» ففعل المفضل. وكان أبو تمام ـ وهو القدوة للبحتري ـ قد ألف كتاباً من المختارات الشعرية يحقق هذا الشرط هو «الوحشيات» الذي يعرف أيضا باسم الحماسة الصغرى «مطبوع».

وقد يكون اسم الشاعر ـ أو الشاعرة ـ مجهولاً. بقي الشعر لأهميته وصدق معناه، وضاع اسم القائل، وفي القطعة 163 . بيتان لامرأة من بني عبدالقيس «ويروى الشعر لغيرها» قالت تصف قومها وقد صمموا على حماية حقيقة القبيلة، فمات منهم فرسان دون ذلك:

أبوا أن يفروا والقنا في نحورهم

ولم يبتغوا من رهبة الموت سلما

ولو أنهم فروا لعاشوا أعزة

ولكن رأوا صبراً على الموت أكرما

وهذا الشعر لم يكن صوت امرأة من القوم، ولكنه كان صدى حال مجتمعها وقومها الذين يقولون بهذا القول ويفعلون هذا الفعل. والشعر من أحد أبواب حماسة البحتري، وهو الباب الرابع عشر «في ما قيل في ذمّ الفرار والتعيير به» ص 103 ـ 106.

كانت القطع المختارة في حماسة البحتري في زمانه، من الشعر المفهوم جملة، وإن أعوز القارئ كلمة، أو معنى من المعاني فإن كتب المعاجم كفيلة بإيضاحه ومجالس العلماء عند اسطوانات المساجد كانت مجالاً للإجابة عن تساؤلات القراء والدارسين والهواة. لقد كانت الثقافة اللغوية عالية، فساغ للبحتري ولغيره أن يقدّموا نصوصهم المختارة هكذا صماء «دون شرح لغوي أو شرح للمعاني والمقاصد» تاركين المسألة:

ـ للقارئ نفسه يبحث عن الغريب والغامض لو كان ذلك صعباً عليه.

ـ وللمعلمين والمؤدبين الذين كان لهم أثر عظيم في نشر الثقافة والحفاظ على اللغة.

ـ وللشراح الذين سيجيؤون بعد ذلك.

وكان من اللافت حقاً أن الشراح عنوا بشرح حماسة أبي تمام «الكبرى» وأهملوا شرح حماسة البحتري، ومن شراح حماسة أبي تمام المرزوقي والتبريزي والأعلم الشنتمري «وقد طبعت» وغيرهم من الشراح. فكأنهم اكتفوا بذلك الأصل عن متابعة الفرع.

محمد رضوان الداية

*الكتاب:الحماسة

*تحقيق:د. محمد حور، محمد أحمد عبيد

*الناشر: المجمع الثقافي - أبوظبي 2007

*الصفحات:740 صفحة من القطع الكبير