مؤلف هذا الكتاب أستاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة اليرموك في الأردن وقد نُشرت له من قبل دراسات حول «الوطن العربي والتحديات المعاصرة»، و«مصر والحل السياسي وآثاره»، و«مستقبل قضية القدس من المنظور الإسرائيلي»، وغيرها.
ويحاول المؤلف من خلال كتابه الجديد أن يثبت من خلال دراسة أكاديمية موثقة خطورة المشروع الصهيوني، وأنها تتعدى فلسطين لتمسّ الأمن القومي للبلدان العربية، وأن المشروع الصهيوني غير معني فقط بإنشاء دولة يهودية في فلسطين، وإنما يُعنى أيضاً بإضعاف العالم العربي وتمزيقه وتجزئته وإبقائه في دائرة التبعية والتخلف.
ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، يتحدث الفصل الأول عن المطامع الصهيونية في تمزيق العالم العربي، ويربطها بالمصالح الاستعمارية الغربية، في ضوء الرؤية التي تقوم على أن توحيد اليهود في دولة واحدة ومضمونة البقاء، لا يتحقق إلا بتمزيق المحيط العربي والإسلامي في دويلات مجزأة.
ويعود المؤلف إلى الخلفيات التاريخية للمشروع الصهيوني في فلسطين ويربط ذلك بالخلفيات الدينية والثقافية والإستراتيجية والسياسية الغربية وخصوصاً الفرنسية والبريطانية. ويشير إلى دعوة نابليون بونابرت سنة 1799 لليهود بالعودة إلى فلسطين، وكيف تطور الاهتمام البريطاني بفلسطين من مواجهة محمد علي ومشاريعه في الوحدة في الفترة 1831 ـ 1840،
إلى وثيقة كامبل بنرمان سنة 1907 التي تحدثت عن إنشاء حاجز بشري قوي وغريب في المنطقة التي تربط آسيا بأفريقيا، بحيث يكون معادياً لأهل المنطقة، ومعتمداً على الغرب، وصولاً إلى وعد بلفور سنة 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
ثم يتطرق المؤلف إلى تناول خلفيات الدعم الأميركي للكيان الإسرائيلي إلى حد التطابق الاستراتيجي في المخططات والمشاريع بينهما. ويعرض المشروع الخطير الذي اقترحه المؤرخ الصهيوني الأميركي الشهير برنارد لويس ونشرته مجلة «إكسكيوتف إنتلجنت ريسيرش بروجكت» والتي تصدرها وزارة الدفاع الأميركية في يونيو سنة 2003، واقترح فيه تقسيم الشرق إلى أكثر من ثلاثين دويلة اثنية ومذهبية لحماية المصالح الأميركية وإسرائيل.
ويتضمن المخطط تجزئة العراق إلى ثلاث دويلات، وإيران إلى أربع، وسوريا إلى ثلاث، والأردن إلى دويلتين، ولبنان إلى خمس دويلات، وتجزئة السعودية إلى عدة دويلات.. الخ. ويرى برنارد لويس أن كل الكيانات ستشلّها الخلافات الطائفية والمذهبية، والصراع على النفط والمياه والحدود والحكم، وهذا ما سيضمن تفوّق إسرائيل في الخمسين سنة القادمة على الأقل.
وتوقف المؤلف عند الرؤية الصهيونية الإسرائيلية للعرب التي تأثرت بفلسفات التفوق العرقي، حيث تم تصوير الإنسان اليهودي الأوروبي بأنه «متفوق» على العربي «المتخلف»، وأنه متحضر قياساً بالعربي «المتوحش»، حتى إن هرتزل ذكر أن «قيام دولة صهيونية في فلسطين، يشكل عنصراً أساسياً ومهماً من عناصر مواجهة الروح الوحشية بأشكالها المختلفة السائدة في آسيا ومقاومتها».
وعرض المؤلف الأدبيات اليهودية الموجودة في التوراة المحرفة والتلمود والتي تتحدث عن التفوق والتميز اليهودي، وعن احتقار الآخرين، وكيف أن الصهيونية تعدُّ العربي ممثلاً للأغيار «الجوييم أو غير اليهود» الذين وُصفوا في الأدبيات الصهيونية بأنهم «ذئاب، قتلة، متربصون باليهود، معادون أزليون للسامية».
ويتتبع المؤلف الأطروحات الصهيونية حول العرب بعد إنشاء الكيان الإسرائيلي وكيف يعكسها الإعلام الإسرائيلي ومناهج التعليم في المدارس. ويذكر مثلاً دراسة أجراها دانيال بارتال الأستاذ في جامعة تل أبيب وشملت 124 كتاباً مدرسياً،
حيث وجد وصف العربي بأنه «قاسٍ، ظالم، مخادع، جبان، كاذب، متلوّن، خائن، طماع، لص، مخرّب، قاتل..». ولاحظ المؤلف أن هذه النظرة لم تتغير حتى بعد أن دخلت إسرائيل في عملية التسوية مع مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ويناقش الدكتور أحمد سعيد نوفل في الفصل الثاني موقف «إسرائيل» والحركة الصهيونية من الأقليات في الوطن العربي، حيث سعت «إسرائيل» إلى تضخيم مشكلة الأقليات العرقية والدينية واستغلالها ضد أي مشروع وحدوي، وحضّها على التمرد والانفصال.
وحسب المؤلف فإن العرب يشكلون 88% من سكان العالم العربي، أما الأقليات الأخرى فتتوزع على الأكراد والبربر والزنوج والتركمان، وهناك أقليات دينية مسيحية ويهودية. ويذكر المؤلف أن 91% من سكان العالم العربي من المسلمين (84% منهم من السُنّة)، و5% من مجمل السكان من العرب المسيحيين.
ويلاحظ أن الجميع يتحدث العربية ويشعر بانتمائه الحضاري والثقافي للمنطقة. ويشير إلى ما تذهب إليه الكثير من الكتابات والدراسات الإسرائيلية المبنية على أساس «شد الأطراف ثم بترها»، بمعنى مد جسور العلاقة مع الأقليات،
ثم جذبها خارج النطاق الوطني، ثم تشجيعها على الانفصال. وفي هذا الخصوص أشار إلى دراسة إستراتيجية مهمة وضعها الباحث عوديد ينون، وقدّمها لوزارتي الخارجية والدفاع الإسرائيليتين، ونشرت في فبراير 1982.
ويرى ينون أن اتفاق كامب ديفيد مع مصر كان «خطيئة ارتكبتها إسرائيل»، وقال إن إصلاح ما تسبب به الاتفاق من ضرر لإسرائيل يأتي من خلال السعي الحثيث لتجزئة مصر إلى أربع دويلات: قبطية في الشمال وعاصمتها الإسكندرية، ونوبية عاصمتها أسوان في الجنوب، ومسلمة عاصمتها القاهرة، ورابعة تحت النفوذ الإسرائيلي.
وتحدث ينون عن تقسيم لبنان إلى سبعة كانتونات، والسودان إلى ثلاث، وسوريا إلى أربع. ودعا إلى تفتيت العراق لأن قوته تشكل على المدى القصير خطراً أكبر من أي خطر على إسرائيل. كما تحدث ينون عن تفتيت الخليج، وإذابة الأردن. وفي عام 1985 صدر كتاب عن رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، يتضمن المخططات نفسها التي جاءت في دراسة ينون.
وتحدث الدكتور أحمد سعيد نوفل عن المساعي الإسرائيلية لضرب العراق وتفتيته، ودورها في تشجيع ومساندة أميركا في التخطيط وفي الهجوم على العراق وإسقاط النظام الحاكم في ربيع 2003. ثم يعود ليستعرض بشكل أكثر تفصيلاً المشاريع الإسرائيلية لتفتيت سوريا ولبنان والجزائر والسودان والخليج العربي.
ويناقش المؤلف بعد ذلك في الفصل الثالث موقف الحركة الصهيونية وإسرائيل من الوحدة العربية. ويذكر أن الفكر الصهيوني القائم على إنشاء دولة إسرائيل الكبرى ذات الهوية اليهودية النقية يستلزم بقاءها الأقوى والمتفوق حضارياً في المنطقة، ويستلزم إعادة تعريف المنطقة العربية، وتقديم مشروع الوحدة العربية باعتباره مشروعاً يستهدف إبادة غير العرب على الأراضي التي تسكنها الشعوب العربية.
ونبّه المؤلف إلى أن الموقف الصهيوني الإسرائيلي من الوحدة العربية يتلاقى عضوياً مع الاستعمار الغربي، ويتسم بخلفية دينية تؤمن بالتفوق اليهودي على الجانب العربي، كما ينبع من اعتقاد إسرائيل بخطورة مشروع الوحدة العربية على وجودها واستمرارها.
ويستعرض المؤلف موقف إسرائيل من الوحدة بين مصر وسوريا 1958 ـ 1961، وشعورها بالخطر عليها بسبب ذلك. ويشير بناء على ذلك إلى أن موقف إسرائيل من العرب في مرحلة التسوية لم يتغير،
وأنها غير مؤهلة ولا مستعدة لتغيير موقفها، مؤكداً على أن مفهوم إسرائيل للتسوية يستند أساساً إلى ضمان أمنها، وبناء علاقات طبيعية مع الدول العربية، مع حرمان الفلسطينيين من معظم أرضهم وحقوقهم، بما في ذلك حقهم في العودة إلى الأرض التي طردوا منها سنة 1948.
كما ينبه المؤلف إلى أن إسرائيل لم تغير إستراتيجيتها في ضمان التفوق العسكري وهزيمة الدول العربية مجتمعة في أي حرب محتملة، وامتلاكها للسلاح النووي. ويشير إلى أنه في سنة 2003 كان معدل الإنفاق العسكري الإسرائيلي بالنسبة لعدد السكان هو 1499 دولاراً للشخص الواحد، بينما كان 34 دولاراً للشخص الواحد في مصر،
و150 دولاراً في الأردن، و89 دولاراً في سوريا. ويتحدث المؤلف حول مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومحاولات إسرائيل من خلاله اختراق المنطقة، وتذويب هويتها، والهيمنة الاقتصادية عليها.
ثم يتطرق بعد ذلك في الفصل الرابع إلى شرح الإمكانات والقدرات العربية التي تؤهلها لمواجهة المشروع الصهيوني الإسرائيلي، ويستعرض القدرات الاقتصادية العربية والإمكانات البشرية والعسكرية.
ويُفرد مبحثاً خاصاً حول أهمية فلسطين في الصراع مع الكيان الإسرائيلي، كما يُفرد مبحثاً آخر حول الرفض العربي للتطبيع مع إسرائيل، ويشير إلى اتساع حملات مقاطعة البضائع الإسرائيلية والأميركية، وإلى فشل إسرائيل في اختراق المجتمعات والشعوب العربية، وأن القطاعات الشعبية لا تزال تعدُّ إسرائيل عدوها الأكبر والأخطر،
ويتوقع المؤلف أن تستمر حالة العداء هذه ضد إسرائيل لأنها كيان قائم على الظلم واغتصاب حقوق الآخرين. وعلى هذا المنوال يتجول القارئ بين كمية هائلة من المعلومات والأدلة الموثقة حول المواقف والبرامج والأنشطة الصهيونية لتفتيت الوطن العربي.
مستدركا بالإشارة إلى أنه لا يوجد تعارض في ذلك مع ما قد يذهب إليه البعض من أن المشروع الصهيوني لا يستهدف العرب وحدهم، وإنما يستهدف المسلمين أيضاً، ومشروع النهضة الإسلامية في المنطقة. ويعتبر أنه وعلى أي حال، لا يجب أن يكون في الأمر تعارض لأن العرب بشكل عام هم مسلمون، وهم المحيط الطبيعي الملاصق لفلسطين والمستهدف أولاً بالتجزئة والإضعاف.
ألفت عبد الله
*الكتاب:دور إسرائيل في تفتيت الوطن العربي
*الناشر:مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ـ بيروت 2007
*الصفحات: 197 صفحة من القطع الكبير
