مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور محمد الأرناؤوط، الباحث والأكاديمي السوري، الذي يعمل كأستاذ في جامعة «آل البيت» في الأردن، ومدير معهد الحكمة في نفس الجامعة. وهو كاتب يهتم بشؤون بلاد البلقان.

صدر له العديد من الكتب في هذا الشأن، منها: «الثقافة الألبانية في الأبجدية العربية، سلسلة عالم المعرفة، 1983»، و«ملامح عربية إسلامية في الأدب الألباني، 1990»، و«الإسلام في يوغسلافيا من بلغراد إلى سراييفو، 1993»، و«دراسات في التاريخ الحضاري للإسلام في البلقان، 1995»،و«كوسوفو م كوسوفا: بؤرة النزاع الألباني الصربي في القرن العشرين، 1998»، و«مداخلات عربية بلقانية في التاريخ الوسيط والحديث، 2000»، و«التأليف في اللغة العربية في البوسنة، 2001»، و«مراجعة الاستشراق: ثنائية الذات والآخر ـ نموذج يوغسلافيا، 2002»، و«من دار الإسلام إلى الوطن ومن الوطنية إلى القومية، 2004»،

ويرصد محمد الأرناؤوط، في كتابه «الإسلام في أوروبا المتغيرة: تجربة ألبانيا في القرن العشرين»، التطورات التي عصفت بألبانيا، سياسياً وفكرياً، خلال فترة تمتد على مدى قرن كامل من الزمن،

ابتداء من عام 1899 الذي شهد ظهور كتاب شمس الدين سامي فراشري الذي قدم صورة مثالية عن ألبانيا حسب الرؤية القومية الألبانية، وانتهاء بحرب كوسوفو في عام 1999 التي حملت معها منعطفاً تاريخياً للألبان في القارة الأوروبية.

والمعروف أن الفضل الأكبر في التمكين بالإسلام في بلاد البلقان يرجع إلى العثمانيين، أولئك القوم الذين اعتمدوا الجهاد سبيلاً لفتح تلك البقاع، وحملوا راية الإسلام إلى شرق أوروبا ووسطها. وقد ارتبط تاريخ منطقة البلقان بالإمبراطورية العثمانية، منذ نشأة الدولة العثمانية، على يد عثمان.

وبعد أن تسلسلت الأحداث في مصلحة العثمانيين، في طورهم المبكر والمتنامي، حيث أحسوا بضعف البيزنطيين، وتطلعوا إلى النزول على الساحل الأوروبي، آملين فتح القسطنطينية، التي استعصت على المسلمين، منذ أيام معاوية، ويحدوهم تزايد الضعف البيزنطي، وتفكك ممالك البلقان، وبروز الأطماع المحلية، واشتعال الأحقاد في أنحاء هذه البلدان.

في حين تضاعفت قوة الجيش الإنكشاري، الذي كان في عنفوان شبابه، ودخل كثير من القبائل المسيحية في الإسلام، بعد أن أفتى الفقهاء، بأن كل من أسلم مع أهله من السكان، صار في جماعة أهل الدولة، ينعم بخيراتها، ويأمن على أملاكه. إزاء ذلك، اندفع العثمانيون نحو أوروبا.

ويجري المؤلف مراجعة للأفكار التي طرحت خلال هذه الفترة من الزمن، حيث شهدت ألبانيا تحولات ومحطات عديدة، انتقلت فيها من الحكم الإسلامي في عهد السلطنة العثمانية، الذي دام حوالي خمسة قرون، إلى دولة قومية تأسست على العلمانية كي تحدث قطيعة مع النظام العثماني.

وكانت بذلك أول دولة علمانية في العالم الإسلامي، الأمر الذي يشكل تجربة سابقة على تجربة تركيا العلمانية، ثم دخل الألبان في تجارب مختلفة مع الفاشية والشيوعية. ومؤخراً دخلت البانيا في تجربة مع الديمقراطية الغربية التي لا تزال تشهد معها مخاضاً جديداً لم يكتمل بعد.

ولا شك في أن تجربة هذه الدولة تتسم بخصوصية شديدة التعقيد، بوصفها أول دولة أوروبية ذات غالبية مسلمة، ومازالت حتى يومنا هذا الدولة الأوروبية الوحيدة بغالبية مسلمة. تاريخياً، ولدت ألبانيا في عام 1913 بعد مخاض عسير في سياق التنافس الشديد على البلقان ما بين الدول الإقليمية والأوروبية القوية.

لكن هذه الدولة ذات الغالبية المسلمة لم يكن مرغوب بها من طرف دول الجوار، ولم تعرف الاستقرار في أوروبا التي يصفها المؤلف بالمتغيرة، حيث بقيت حدودها غير محددة، وتتقاذفها القوى الأوروبية الكبرى.

إضافة إلى أن الحركة القومية الألبانية اعتبرت أن ألبانيا بحدودها التي انتهت إليها في عام 1913 لا تمثل دولتهم القومية المنشودة، والتي خاضوا من أجلها صراعاً منذ الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ومنذ نشأتها بقيت تتقاذفها تجاذبات القوى الأوروبية الكبرى، التي تملك مصالح مختلفة ومتعارضة في المنطقة، لذلك تحولت ألبانيا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى ساحة للابتزاز الدبلوماسي والقتال العسكري، حيث لم تستقر بالفعل ضمن الحدود المعروفة الآن إلا في عام 1920 بعد أن قُبلت في عصبة الأمم.

ويعتبر المؤلف أن رواد النهضة القومية الألبانية انشغلوا بالعلاقة بين الدين والقومية، وبالتحديد بمكانة الدين في الدولة، نظراً لتوزع الألبان على الإسلام والأرثذوكسية والكاثوليكية. لكنهم أدركوا أهمية وجود لغة ألبانية واحدة كمحدد لوجود شعب واحد، فاهتموا بوضع أبجدية جديدة للغة الألبانية، وقاموا بطبع كتب اللغة الألبانية وتنمية الوعي القومي.

كما يعتبر شمس الدين سامي فراشري أوّل من عبّر عن مفهوم الوطن في كتاباته من خلال التمييز ما بين الوطن الصغير (ألبانيا)، وبين الوطن الكبير (الدولة العثمانية)، ومنطلقه في هذا هو أن من حق كل شعب في الدولة العثمانية أن يحافظ على لغته القومية، وأن يعتمدها في التعليم والأدب والنشر.

وفي عام 1899 أصدر سامي فراشري كتاب «ألبانيا الماضي والحاضر والمستقبل ـ آراء في إنقاذ الوطن من الأخطار التي تحدق به»، وحسب المؤلف فإن هذا الكتاب يجمع بين التاريخ والتنظير وبرنامج العمل للمستقبل، ومعه اعتبر فراشري منظر الحركة القومية الألبانية.

غير أنه ومع انهيار السلطنة العثمانية، سارعت دول الجوار والدول الأوروبية الكبرى إلى التدخل في مصير ألبانيا، حيث اجتمع ممثلوها في لندن عام 1912، ليقرروا مصير ألبانيا والألبانيين. واتفقوا بعد مماحكات طويلة على تعيين أمير ألماني على ألبانيا،

ووضعت لجنة الرقابة الدولية «القانون الأساس» للدولة الألبانية، الذي نص على أن «ألبانيا ليس لها دين رسمي، وأن الحرية والممارسة العلنية لكل العبادات مؤمنة»، وأرسى بذلك قاعدة دستورية مبكرة للعلمانية. وستتكرر هذه القاعدة بشكل أو بآخر في كل دساتير ألبانيا خلال القرن العشرين.

ومع سقوط موسوليني دخلت ألبانيا في تجربة أخرى، تميزت بفترة حكم الحزب الشيوعي الألباني التي ابتدأت من نهاية 1944 واستمرت حتى مارس 1992. وتجربة المسلمين الألبان في العيش تحت حكم الحزب الشيوعي لها ما يميزها عن مسلمي الاتحاد السوفييتي،

إذ أن ألبانيا بعد الخلاف الأيديولوجي مع الاتحاد السوفييتي في 1960 انحازت إلى الصين الماوية، وتطرفت في موقفها من الدين حتى أنها «ألغت» الدين بمرسوم في عام 1967، وأصبحت أول دولة ملحدة في العالم، وبات كل وجود أو مظهر للدين غير قانوني، حيث أغلقت كل الجوامع والتكايا والكنائس، وصُودرت ممتلكاتها،

وجرت عمليات تشتيت لرجال الدين ما بين معسكرات العمل والاعتقال والإقامة الجبرية. لكن الألبان تخلّصوا من الحكم الشيوعي في بداية تسعينات القرن العشرين، ودخلوا في تجربة جديدة، هي التجربة الديمقراطية التي عرفوها لأول مرة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. وشهد عام 1992 ما يصفه المؤلف ب«انبعاث الإسلام»،

الذي أخذ مظاهر مختلفة، تزامنت مع التغيير السياسي الذي حمل في طياته تحديات جديدة لم تكن تخطر على بال المسلمين، مثل الترويج للخوف من الإسلام الذي وصل إلى درجة تصويره كخطر يهدد سيرورة اندماج ألبانيا في أوروبا، واعتباره حاجزاً يقف في وجه «الأوربة».

ثم تصاعدت دعوات للارتداد عن الإسلام لأجل «الأوربة»، ووجدت هذه الدعوات استجابة لدى بعض الألبان المسلمين، وخاصة الشباب، تحت مختلف الضغوطات والإغراءات. لكن التغيرات المتسارعة التي حصلت في ألبانيا والعالم، حثّت المسلمين وقيادتهم الممثلة في «الجماعة المسلمة الألبانية» على التكيف مع الواقع الجديد، بوصفهم باتوا جزءاً من العالم الديمقراطي الذي يضمن حرية الاعتقاد للجميع.

عمر كوش

*الكتاب: الإسلام في أوروبا المتغيرة

تجربة ألبانيا في القرن العشرين

*الناشر:الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت 2007

*الصفحات:149 صفحة من القطع الكبير