أشرف على تأليف هذا الكتاب كل من جان فرانسوا هوشيه الأستاذ في جامعة رين الثانية بفرنسا، وكزافييه ريشيه أستاذ علم الاقتصاد في جامعة جان مونيه وجويل روي الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد وفي كلية المعادن بباريس. وعلى الرغم من أن الجميع فرنسيون إلا أن الكتاب ألف بالانجليزية، لغة العولمة حاليا. وذلك لكي ينتشر ويذيع صيته أكثر، ثم لأن الانجليزية أصبحت لغة الباحثين الدوليين.

ومنذ البداية يقول المؤلفون بما معناه: شهدنا منذ نهاية السبعينات تسارع عملية العولمة في الصين. وقد ترافق ذلك مع الإصلاحات التي انخرط فيها هذا البلد تحت قيادة دينغ هسياوبينغ وكذلك مع الانفتاح على الخارج بعد طول انغلاق إبان حكم ماوتسي تونغ.

والواقع أن الصين انفتحت على العالم الخارجي في الوقت الذي أوشك فيه الاتحاد السوفييتي على الانهيار وكذلك الكتلة الشيوعية بأسرها، وفي الوقت الذي ابتدأت فيه العولمة الأميركية تفرض نفسها على العالم بأسره.

وعندئذ حاول دينغ هسياوبينغ أن يقنع القادة الصينيين بأن عامل القوة والإشعاع الدولي لم تعد الثقافة ولا حتى السياسة كما كان عليه الحال أيام الإمبراطورية ثم الماديّة، وإنما الاقتصاد. فمن يملك الاقتصاد القومي، الحيوي، الناجح يفرض نفسه على العالم.

وقال لهم: على الصين أن ترتفع إلى مستوى التحدي الذي توجهه أميركا لها. وهذا التحدي هو القوة الاقتصادية والتكنولوجية والمصرفية بالدرجة الأولى. فإما أن تنجح الصين في أن تصبح إحدى قوى العولمة الكبرى وإما أن تفقد مكانتها على المسرح العالمي.

وعلى هذا النحو استطاعت الصين خلال عشرين سنة فقط أن تصبح ثالث اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان. وقريبا سوف تصبح ثاني اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة واليابانز وقريبا سوف تصبح ثاني اقتصاد بعد عشرين أو ثلاثين سنة سوف تصبح الاقتصاد العالمي الأول.

فقد جذبت الصين إليها الاستثمارات الخارجية بمئات المليارات من الدولارات. وبنت الشركات الكبرى وسيطرت على العلم والتكنولوجيا وأصبحت تصدر السلع المصنعة إلى قارات العالم الخمس. وبالتالي فإن العصر المقبل هو عصر الصين من دون شك، وسوف ينتقل مركز الثقل العالمي من أميركا إليها حوالي عام 2040-2050 وربما قبل ذلك.

ثم يردف المؤلفون قائلين: أما العملاق الآسيوي الآخر فهو الهند بطبيعة الحال. فهي أيضاً تتجاوز المليار شخص من حيث عدد السكان، وهي أيضاً انطلقت في مجال العولمة الاقتصادية بشكل موفق وناجح. فقد أصبحت خلال سنوات قلائل المصدّر الأول لأجهزة المعلوماتية في العالم.

وقد حققت الهند إنجازات اقتصادية ضخمة في عصر العولمة وبفضلها. كما وسيطرت خلال فترة قصيرة على التكنولوجيا العليا التي كانت قبل ذلك حكرا على الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان. وقد انخرطت الهنذ منذ بداية الثمانينات في سياسة العولمة على أوسع نطاق، فراحت تدرب المهندسين والباحثين بعشرات أو مئات الألوف في شتى المجالات لكي يخططوا للنموّ الصناعي والاقتصادي للبلاد.

ويقال بأنه تخرّج سنويا ما لا يقل عن نصف مليون مهندس وخبير تكنولوجي أو اقتصادي. وأصبحت الهند، كالصين، تمتلك الشركات العملاقة المتخصصة في المجال الزراعي أو الصناعي. ينبغي العلم بأن الهند كانت حتى أمد قريب بلدا زراعيا متخلفا وفقيرا جدا.

أما الآن فقد حدّثت القطاع الزراعي إلى حد كبير وحولته إلى قطاع منتج على أوسع نطاق. صحيح أن الفقر المدقع لا يزال يصيب نسبة كبيرة من سكان الهند. ولكن الأمور في طور التحسن والتغير والتطور. وربما أصبحت الهند قريبا ثالث اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. ربما أصبحت أقوى من اليابان خلال العشر سنوات القادمة. فمن كان يصدق ذلك؟

ينبغي العلم بأن الهند أصبحت أول منتج ومصدر للأدوية الطبية في العالم. وكل ذلك بفضل شركاتها ومختبراتها الكبرى. ويبدو أن عاصمة الصناعة الخاصة بالأدوية والصيدلة هي مدينة حيدرآباد ذات الاسم الإسلامي العريق، وأكبر شركة للأدوية هناك تدعى رانباكسي.

وهي توظف ما لا يقل عن مئة ألف عامل وخبير وصيدلي. ويقول الخبراء بأن معدل النمو الاقتصادي للهند سوف يتجاوز معدل النمو في الصين بين عامي 2010-2015. وبالتالي فالمنافس الأكبر للصين على زعامة العالم ليس إلا جارتها الجنوبية: الهند. فما الذي سيحصل إذا ما اصطدم هذان العملاقان الآسيويان يوما ما؟ سوف يهتز العالم.

ولكن لا يتوقع ذلك قريبا، فكلاهما منخرط في بناء نفسه وتقوية عضلاته الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية. والهاجس الأكبر لكلا البلدين هو أميركا: متى يلحقان بها ويسبقانها لأول مرة في التاريخ. وعندئذ ستنتقل زعامة العالم الاقتصادية والسياسية إلى القارة الآسيوية لأول مرة في التاريخ.

ينبغي العلم بأن معدل النمو الاقتصادي للهند حاليا يصل إلى 2,9 بالمئة، هذا في حين أنه في الصين يتجاوز العشرة بالمئة. أما في فرنسا فلا يتجاوز 5,2 بالمئة. وهذا يعطينا فكرة عن مدى تسارع التطور العلمي والاقتصادي في الهند والصين. وكل ذلك من أجل أن تلحقا بالعالم المتطور.

أما عدد سكان الهند فقد بلغ عام 2006 مليار ومئة مليون نسمة. هذا في حين أنه يتجاوز قليلا المليار ومئتي مليون لدى جارتها الشمالية: الصين. أما روسيا فلم تحقق النجاحات الاقتصادية نفسها في عصر العولمة كالصين والهند. نقول ذلك على الرغم من أنها تمتلك ثروات معدنية وطبيعية لا يستهان بها.

فهي أول بلد في العالم من حيث إنتاج الغاز الطبيعي، كما أنها بلد بترولي من الدرجة الأولى. وبما أن أراضيها شاسعة واسعة (أكثر من سبعة عشر مليون كيلومتر مربع) فإنها تحتوي أيضاً على معادن أخرى كالحديد، والفحم، والنيكل، والألماس، الخ. روسيا أكبر بلد في العالم من حيث المساحة.

ولكن لم تستطع حتى الآن أن تستغل ثرواتها المعدنية كما ينبغي. ولذلك فهي لا تزال تاسع اقتصاد في العالم، وكان بإمكانها أن تصبح رابع أو خامس اقتصاد. فهي أكبر بلد في العالم من حيث المساحة الجغرافية، كما ذكرنا. ولكن عدد سكانها قليل بالقياس إلى مساحتها. فهو لا يتجاوز المئة وخمسين مليون على أكثر تقدير. بل إنه أقل من ذلك.

وهي تعاني من نقص في الولادات على عكس العملاقين الآسيويين. وبالتالي فلا يمكن مقارنتها بهما من هذه الناحية. ولكن إذا ما نجحت روسيا في الانتقال من مرحلة الاقتصاد والاشتراكي الموجه إلى مرحلة الاقتصاد الرأسمالي الحر فإنها ستصبح قوة عظمى يحسب لها الحساب. والسبب هو أن روسيا سبقت الصين والهند إلى السيطرة على التكنولوجيا العليا المدنية والعسكرية. وفيها مصانع ثقيلة ضخمة منذ أيام الاتحاد السوفييتي.

مهما يكن من أمر فإن روسيا سوف تظل بلدا مهماً على المسرح الدولي. نقول ذلك وبخاصة انها تعتبر صلة الوصل بين القارة الأوروبية والقارة الآسيوية. وتمتلك روسيا بعض الشركات الكبرى التي تستطيع أن تنافس شركات الغرب،

ولكنها لم تستطع الاستفادة من العولمة حتى الآن كما ينبغي. و يقول الخبراء بأنها لا تزال تتخبط في أمورها الاقتصادية ومشاكلها الإدارية، والسبب هو أن عملية الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية ليست بالأمر اليسير.

*الكتاب:العولمة في الصين والهند وروسيا صعود الجماعات القومية والإستراتيجيات الشمولية للشركات الكبرى

*الناشر: المؤسسة الأكاديمية

* لندن ـ نيويورك 2007

*الصفحات:346 صفحة من القطع الكبير

Globalisation in China, India and Russia: emergence of national groups and global strategies of firms

Academic Foundation- London New York 2007

P.346