زغمونت بومان عالم اجتماع بريطاني من أصل بولندي. وهو أحد أهم علماء الاجتماع المعاصرين في العالم، من مواليد مدينة «بوزنان» في بولندا ويقوم بالتدريس في جامعة «ليدز» اعتباراً من عام 1973 وكان قد قام بالتدريس قبل ذلك في جامعة وارسو كأستاذ للفلسفة وعلم الاجتماع. من أهم مؤلفاته: «الكلفة الإنسانية للعولمة»، و«الحياة المجزأة» و«المجتمع المحاصر» و«الحياة المائعة»، و«انحطاط المثقفين»، الخ.
«استهلاك الحياة» كتاب يدرس فيه عالم الاجتماع الشهير آثار الاستهلاك في المواقف وأشكال السلوك التي تبدو وكأنها دون أية علاقة فيما بينها، وذلك على مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية وعلى الديمقراطية السياسية والتقسيمات الاجتماعية وآليات «التنضد» الاجتماعي وإنتاج المعارف واستخدامها وتراتبية القيم في هذا العصر الاستهلاكي. ويتحدث المؤلف بخصوص هذا كله عمّا يسميه «التلفزيون ـ الواقع» كتشبيه مجازي للعالم الشامل «المعولم»، وحيث يتم إبراز ما هو مكرّس للإلقاء في سلة المهملات بعد استخدامه، وما هو قابل للاستبدال بغيره وكل ما يدل على الاستبعاد والتهميش بالنسبة لشرائح تزداد وتتوسع باستمرار.
ويرى المؤلف أنه في «الحياة المجزأة» و«المتشظية» التي تتواكب مع الحياة الاستهلاكية، غدت المشكلات مطروحة على الصعيد الشامل، العالمي، بينما أن السياسات لا تزال محلية. وبالتوازي مع هذا «تراخت الروابط» بين «السلطة» و«السياسة».
وهذا الوضع أنتج المجتمع الذي يسميه «مجتمعاً مائعاً». وكان المؤلف قد أعطى لأحد كتبه السابقة عنواناً يقول: «الحب المائع. دراسة حول هشاشة الروابط بين الناس». بكل الحالات يرى أن المجتمع الاستهلاكي على الطريقة الراهنة هو «مجتمع محاصر»، وهذا عنوان كتاب آخر له.
ويشرح بومان بإسهاب أن قدوم الحداثة «المائعة» أدّى إلى تحوّل خطير في حياة المجتمعات الاستهلاكية المعنية بها ـ بحيث أن «مجتمع المنتجين تحوّل إلى مجتمع مستهلكين». وهذا كله في ظل سيادة قيمة واحدة ينضوي تحتها الجميع واسمها «السوق»، وحيث إن الإنسان نفسه أصبح «مروّجاً» للسلع و«سلعة» في الوقت نفسه.
والأفراد الذين يطمحون بالوصول، بشتى الطرق، إلى ما يطمحون إليه، قد تحوّلوا أنفسهم في إطار مجتمع الاستهلاك الجديد إلى «منتوجات» قادرة على جذب الأنظار إليها. وهذا يتناظر مع وجود عالم «معولم» ولم يعد خاضعاً في هيكليته للضوابط والقواعد السابقة،
وإنما أصبح محكوماً قبل كل شيء بالسوق وقواعده، هذا من جهة، ومن جهة أخرى مع وجود سياسة «غير واضحة المعالم» أكثر فأكثر فيما يخص تسيير الحياة الاستهلاكية ذاتها، وفي ظل فقدان الدول ـ الأمم ذات السيادة لقدر مهم ومتزايد من استقلالها الذاتي.
هذا المجتمع الاستهلاكي الجديد محكوم أيضاً، كما يصفه المؤلف، بعدد من «المعضلات» الجديدة هي الأخرى والخاصة بالعلاقة بين العام والخاص، والحدث العابر والعمق السياسي، وبين ما تفرضه الموضة وما تتطلبه الثقافة ذات العمق التاريخي، الخ.
«الثقافة الاستهلاكية»، هذا العنوان الذي اختاره المؤلف لأحد فصول هذا الكتاب. ويرى أن هذه «الثقافة» تدور عملياً في «حلقة مفرغة» بين المثقفين أنفسهم وبين المسؤولين عن تسيير متطلبات السوق والذين ينظرون في أغلب الأحيان إلى «المشتغلين» في الثقافة على أنهم «أعداء كامنون» ولاسيما أولئك الذين يبدون شيئاً من «المقاومة» حيال لعبة الاستهلاك نفسها،
وذلك على خلفية إدراكهم العميق أن الثقافة الحقيقية تتطلب «الاستمرارية» وليس الاستهلاك «اللحظي» السريع على غرار وجبات «مكدونالد» السريعة. إنها ليست معنية بجدول أعمال اليوم وليست محددة على أنها أحد متطلبات اللحظة،
كما يقول المؤلف ليضيف انها، أي الثقافة الحقيقية، تجهد دائماً من أجل تجاوز «الحدود» الراهنة فـ «الاستخدام والاستهلاك في المكان ـ دائماً على غرار الوجبات السريعة ـ والانخراط في صيرورة الاستهلاك الفوري لا يمثل الوجهة التي تتطلع إليها المنتوجات الثقافية، وليس هو المعيار لمدى قيمتها». ثم إنه يمكن إطلاق صفة «الثقافي» على منتوج ما، كما يرى المؤلف، بمقدار ما يبتعد عن مفهوم الاستهلاك ذاته.
ومن أهم المشكلات التي يؤكد عليها المؤلف في المجتمع الاستهلاكي الجديد ونمط «الحياة الاستهلاكية» التي ينتجها، هناك مشكلة الأمن. وهكذا يتحدث عما يسميه بـ «الاختلاف على قاعدة الخوف»، حيث ان العالم يعيش اليوم على أساس وجود معسكرين، أحدهما «مسكون بالخوف» والآخر «متحرر من هذا الخوف».
ويتم التأكيد في هذا السياق ان إذلال الآخرين وعدم الاعتراف بهم وتهديد هويتهم وجعل شبه الاستبعاد يحوم فوقهم إنما هي عوامل أساسية في نشوب النزاعات وليس الاستغلال المباشر والسيطرة الفعلية «على الطريقة الاستعمارية».
هكذا نجد أن عالم العولمة قد شهد بزوغ نزاعات كثيرة كانت «نائمة» بالنسبة للعديد منها، على أساس النزوع نحو رفض الاعتراف لمجموعة بشرية ما بخصوصيتها أو بما تتطلع أن تصبح عليه أو بفرض نمط من العيش عليها يخالف نمط العيش الذي عاشته وتناقلته جيلاً بعد جيل أو بممارسة نوع من التمييز الاجتماعي حيالها وحرمانها من الحقوق التي يتمتع بها الآخرون.
والنتيجة هي بالتالي فقدان التلاحم الاجتماعي بحيث تبرز قاعدة «بسيطة» تقول ان المهم هو «إزاحة الآخرين قبل أن يتمكنوا هم من إزاحتكم». مسألة «الأمن» أو «غياب الأمن» أصبحت هي بدورها، حسب التحليلات المقدّمة، قابلة لـ «التوظيف».
إذ يمكن استخدامها من أجل خدمة شتى الأغراض السياسية أو التجارية، إنها مشكلة حقيقية في مختلف مجتمعات الوفرة المتقدمة في إطار عالم العولمة ولكنها في الوقت نفسه مشكلة «متحركة» بحيث يمكن تضخيمها أو التقليل منها حسب الغرض المطلوب.
هكذا أصبحت مشكلة الهجرة في صميم الحملات الانتخابية التي قام بها قوى سياسية يمينية متطرفة في العديد من البلدان الأوروبية مثل النمسا وفرنسا. لقد لعبت هذه القوى على مشاعر الخوف من «أجانب الداخل» وعلى شبح الإرهاب لتجمع حولها شرائح واسعة من مواطني بلدانها الذين أصبحوا يوجهون أصابع الاتهام لحكوماتهم نفسها على أساس أنها لا تقوم بواجب حمايتهم إلى درجة كافية.
مثل هذه الأجواء تخدم، من جهة، في تحويل انتباه الجمهور عن العوامل الحقيقية الكامنة وراء ظاهرة نقص الأمن، والمتعلقة بالتمييز والتهميش وعدم احترام مبدأ الكفاءة. لكن هذه الأجواء تدفع المعنيين أنفسهم بـ «هاجس الأمن» إلى اعتماد مبدأ «تحمّل مسؤولية أمنهم بيدهم» والتوجه عندها نحو التجّار، بالنتيجة العامة يغدو «الافتقار إلى الأمن سوقاً واعدة».
في المحصلة العامة أصبحت المجتمعات الاستهلاكية حسب النمط «المعولم» أي التي غدا السوق فيها هو «السيّد» الذي يحدد قيمة كل شيء بما في ذلك «العلاقات الأكثر حميمية»، وكأنها نوع من الشتات ـ الدياسبورا، وبالتالي تواجه فعلياً امتحان إمكانية العيش بانسجام وسلام مع مبدأ «الاختلاف» الذي لا بد من الاعتراف به فزمن تمثّل الآخرين، طوعاً أو قسراً، قد ولّى والعولمة أنتجت قيمة السوق ولكنها لم تنتج قيمة «المواطنة».
كتاب يعالج فيه عالم الاجتماع الكبير ظواهر «غزو الانترنت» للعلاقات الإنسانية وأشكال رؤية العالم وأنماط السلوك في ظل قواعد السوق مع كل ما ينتج عن هذا من «استهلاك الحياة».
*الكتاب:استهلاك الحياة
*الناشر: بوليتي برس ـ لندن 2007
*الصفحات:168 صفحة من القطع المتوسط
Consuming live
Polity Press- London 2007
861.P

