مؤلفة هذا الكتاب هي عضوة في الأكاديمية الفرنسية التي يدعى أعضاؤها ب«الخالدين». تجاوزت التسعين من عمرها وفقدت البصر بصورة كاملة تقريبا لكنها لا تزال تكتب وتعطي وتنتج أعمالا تشدّ إليها النقاد والقرّاء. قدّمت المؤلفة العديد من الأعمال حول العالم اليوناني، مجال اهتمامها الأول الذي كرّست له سنوات طويلة من حياتها، ولكنها لم تقتصر عليه، ومن بين كتبها«التراجيديا اليونانية» و«كنز المعارف المنسية» اليونان القديمة ضد العنف» الخ.
و«في حديقة الكلمات» تقدم جاكلين دو روميي مرافعة عميقة من أجل إنقاذ اللغة الفرنسية التي تفقد الكثير من مواقعها في العالم. وهي في الوقت بنفسه مرافعة من أجل الاحتفاظ بتعليم اللغتين القديمتين اليونانية واللاتينية حتى نهاية المرحلة الثانوية، ذلك أنهما تشكلان جذرين أساسيين في الثقافة الفرنسية المعاصرة. ما تؤكده المؤلفة في البداية هو أن اللغة الفرنسية تعيش في الفترة المعاصرة أحدى أكبر أزماتها «المصيرية». وهذا يترتب عليه مباشرة «أزمة» في الفكر، إذ لا يمكن التفكير بأي شيء بشكل واضح إذا لم يكن أيضاً من الممكن التعبير عنه بشكل واضح أيضا. هذا شرط ينطبق، كما ترى على الجميع، لكنه ينطبق بدرجة خاصة على رجال السياسة باعتباره أيضاً لا بد منه من أجل نجاحهم.
إن مؤلفة هذا الكتاب لا تفعل هنا، في الواقع، سوى أنها تعيد ما لم تتوقف عن قوله على مدى ما يزيد على ثلاثين كتابا عندما أفصحت، بطرق مختلفة، عن إيمانها العميق بقدرة الكلمات على أن تكون أحد أسباب مواجهة العنف في المجتمعات. كيف؟ إنها تساعد البشر على التواصل فيما بينهم وفهم ما يقوله الآخر وما يريده وإفهامه ما يريده منه الآخرون أيضا. وهذا ما ترى به المؤلفة «الأساس الذي تقوم عليه جميع العلاقات» السليمة.
ثم إن للكلمات معناها ومدلولاتها، وبمقدار ما يتم التقيّد بالقواعد الصحيحة واحترام التباينات في المعاني مهما كانت هذه التباينات طفيفة يتم أيضاً تجنب «أشكال سوء الفهم». وبهذا المعنى أيضاً يمكن للغة أن تكون وسيلة بل «الوسيلة» من أجل تجنب العنف.
ثم إذا لم يتمكن البشر من التفاهم فيما بينهم بواسطة الكلمات، فإنهم قد يلجأ ون إلى «التفاهم» بواسطة الضربات والكلمات. بل لا تتردد المؤلفة في القول إن «الإخلاص للغة يمثل دليلا على حرية العقل واستقلاليته»، هذا فضلا عن أفكار صاحبها. ولا يختلف اثنان أيضاً على أن استخدام اللغة في أي بلد مؤشر على استقلاله.
وتؤكد جاكلين دو روميي على ضرورة أن تستعيد بعض الكلمات «المهجورة» اعتبارها. وهي تسميها كلمات «نادرة» لم تخرج من اللغة وإنما خرجت من الاستخدام الشائع. ولكنها لم تفقد أبدا موسيقاها، وهي تذكّر مثلا ببيت «بسيط» للشاعر الكبير فكتور هوغو ما مفاده: «رائحة ندية خرجت مألوفة كثيرا لاسيما بالنسبة للزنبق إذ دلّ على زهور كانت مكرّسة للموتى».
وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تركز على ضرورة حماية اللغة والتعليم والثقافة كركائز تقوم عليها البنية الاجتماعية. وإن هذه من مهمة السياسيين أساسا، فإنها تشير بالمقابل إلى أهمية الكلمات في كل يوم وكل لحظة وليس فقط في السياسة.
ويمكن لكل إنسان، وليس للسياسي فقط، أن يواجه متاعب لأنه استخدم كلمة مكان كلمة أخرى. وتقول هنا بنوع من «الدعابة» على لسان «صديق انكليزي» إن أشكال سوء الفهم بين أشخاص ورجال ونساء ـ من جنسيات مختلفة ـ يمكن إعادتها غالبا إلى «الفقر في القاموس اللغوي». هكذا قد يرغب الشاب مثلا بقول كلمة لطيفة ودون أي غرض بعيد وراءها فيؤدي به عدم فهمه الجيد لـ «تباين المعنى» إلى الزواج.
وتعلن المؤلفة في سياق حديثها عن لغة العصر المتمثلة في الرسائل الالكترونية والهاتفية السريعة أنه من «حسن حظها» أنها قد تجاوزت «سن التألم من هذه اللغة مباشرة». ولا تخفي أن لها رأيا سلبيا جدا بهذه «اللغة» التي ترى بها «لهوا» و«لعبا» وليس لغة تواصل حقيقي. هذا لاسيما وأن اللغة «الجديدة» تفتقر إلى بعد «الاستمرارية» بكثير من الأحيان.
وتتحدث المؤلفة في هذا الإطار أيضاً عما تعتبره ظواهر خطيرة في مجال استخدام اللغة مثل «شق» الكلمات أو «اختزالها» أو «دغمها» فيما بينها أو صياغة «اشتقاقات» جديدة «ما أنزل الله بها من سلطان» برأيها. مثل «المتننة»، والمقصود بذلك الحديث على طريقة الحكومة التي مقرها في قصر «ماتينيون».
ثم هناك كلمات قد يمكن للمرء استخدامها كما ترى جاكلين دو روميي، في الأحاديث مع الأقرباء والمقرّبين من الأصدقاء ولكن ليس في الخطاب العام. الإطار هو الذي يفرض الحديث المستخدم ولعل هذا ما تعبّر عنه الجملة العربية الشهيرة «لكل مقام مقال».
كذلك تناقش المؤلفة على مدى العديد من الصفحات مشكلة تواجهها اللغة الفرنسية في السنوات الأخيرة وتتعلق ب«تأنيث» الكلمات. فمثلا كلمة وزير هي «مذكّرة» في اللغة الفرنسية الكلاسيكية وهناك اليوم جدل حول «تأنيثها» أو «عدم تأنيثها» إذا كانت امرأة هي التي تتولّى منصب الوزارة المعنية. المؤلفة لا تبدي «ترددها» حيال تأنيث الكلمات وإنما هي بالأحرى ترفضه «جملة وتفصيلا».
لكن هذا لا يعني أنها ترفض تطوير اللغة، بل إنها تؤيد إيجاد كلمات جديدة عندما تقتضي الضرورة ذلك. ثم إن قاموس الأكاديمية الفرنسية التي هي عضوة فيها يحتوي دائما على كلمات جديدة. إنما بكل الحالات هناك دائما قواعد لا بد من احترامها وعدم خرقها بواسطة إجراءات تعسفية، مثل تلك التي اتخذتها الحكومة الفرنسية عندما قررت «تأنيث» بعض الكلمات في الوقت أن هذه مسألة «لغوية» هي من اختصاص أصحاب الشأن وليس من اختصاص الحكومة.
وعلى غرار المؤرخين والمحللين الذين يقولون من لا ماضي له لا حاضر له ولا يمكنه أن يحلم بمستقبل، فإن جاكلين دو روميي تطالب بالمصالحة والتوفيق بين لغة اليوم ولغة الأمس التي هي لغة الأدب الفرنسي كله الذي تربت عليه أجيال بكاملها.
ثم إن هذا الأدب يحمل قيما كونية ـ يونيفرسال ـ وبالتالي يمكن للجميع الولوج إلى عمق ما تحمله من مفاهيم، هذا فضلا عن أنها تساعد الشباب، وحتى المهمّشين من أبناء الضواحي الذين يتم وصفهم أنهم «الأكثر جهلا» في الدخول إلى عالم اليوم.
وتكرس المؤلفة فصلا كاملا في كتابها لكلمة واحدة هي «عدم التأدب» والتي يتم استخدامها اليوم للتدليل على «أعمال العنف» بينما كان يتم استخدامها في الماضي من أجل مجرد انزياح بسيط في السلوك عن قواعد اللباقة المتبعة مثل الدخول من أحد الأبواب قبل شخص آخر «من المفروض احترامه»، أو حتى استخدامه حيال مجرد «المقاطعة في الكلام».
في المحصلة ترى المؤلفة أن هناك أخطارا كبيرة تهدد اللغة الفرنسية وأنه ينبغي على الحكومة أن تكون أكثر فاعلية في حمايتها عبر التربية والتعليم ومختلف المؤسسات. وإذا كانت القاعدة السائدة تقول إنه لا يمكن لأية لغة أن «تشع» أكثر من مكانة بلادها في العالم، فإن المؤلفة تشير إلى أن اللغة اليونانية قد انتشرت في أصقاع واسعة من العالم بينما لم تكن اليونان تمتلك أية قوة باستثناء إشعاعها الثقافي. وهذا شيء آخر غير رغبة الفتح.
*الكتاب:في حديقة الكلمات
*الناشر:دوفالوا ـ باريس 2007
*الصفحات:318 صفحة من القطع المتوسط
Dans le jardin des mots
De Fallois- Paris 2007
P.318

