مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الفرنسية اليزابيث بيكار، وهي مديرة بحوث في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية. وكانت قد اشتغلت لمدة خمسة عشر عاما في مركز الدراسات والبحوث الدولية في باريس. كما وأشرفت في بيروت على مركز الدراسات والبحوث الخاصة بالشرق الأوسط المعاصر. وهي الآن أستاذة في جامعة ايكس آن بروفانس بجنوب فرنسا وفي جامعة القديس يوسف في بيروت.

وكانت قد نشرت سابقا كتبا عديدة عن مسائل الأمن والهوية في الشرق الأوسط. وفي تشتغل الآن على موضوع محصور ومحدد تماما: العلاقات السورية ـ اللبنانية عبر التاريخ المعاصر بشكل خاص. من بين كتبها السابقة نذكر: لبنان، حالة من الشقاق والانقسام (1993)، أو دمشق (1998)، أو لبنان حرب الثلاثة وثلاثين يوما (2007)، الخ. وأما في هذا الكتاب الذي نستعرضه حاليا فتتناول المؤلفة موضوعا أوسع من قضية لبنان وسوريا، وذلك لأنه يخص العالم العربي بمجمله. ومنذ البداية تقول المؤلفة بما معناه: لا يزال العالم العربي حتى الآن واقعا تحت هيمنة النظرة الاستشراقية الخارجية عليه فالصورة التي نمتلكها عنه كانت قد تشكلت من خلال رحلات المستشرقين إلى بلدانه وأبحاثهم عنها.

ولهذا السبب فإن الصورة المتشكلة لا تراه إلا من زاوية الدين والطوائف مهملة الجوانب الأخرى: كالحياة الاجتماعية، والنقابية، والطلابية، والسياسية، الخ. ولكي تناقش الباحثة الفرنسية هذه المسائل فإنها تشرك معها في الدراسة العديد من الباحثين الآخرين سواء أكانوا عربا أم أجانب.

ومن خلال هذه الأبحاث المتنوعة نتوصل إلى صورة أكثر واقعية ووضوحا عن العالم العربي ببلدانه العشرين. فهذا العالم العربي شاسع واسع كما تقول المؤلفة لأنه يمتد من المغرب الأقصى وحتى شمال العراق. وتبلغ مساحته الإجمالية (13) مليون كيلومتر مربع، أي ستة وعشرين مرة مساحة فرنسا. كما ويضم ما لا يقل عن مئتين وتسعين مليون نسمة. ولكن العرب، على كثرتهم وأهميتهم، يظلون أقلية داخل العالم الإسلامي الذي تجاوز الآن المليار نسمة بكثير.

ثم تردف المؤلفة قائلة: لا ريب في أن التراث الإسلامي يشكل العصب الحساس والأساسي للعالم العربي، ولكنه ليس الوحيد. فهناك أيضا المسيحيون العرب والتراث المسيحي العربي في بلدان عديدة كمصر وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين، الخ.

وهناك أيضا تراث الحداثة الناتج عن اصطدام العرب بالغرب لأول مرة على يد نابليون بونابرت (1798). فالحداثة أصبحت أيضا من مكونات العالم العربي بالإضافة إلى التراث الديني مسيحيا كان أم إسلاميا.

ولكن الحداثة لم تستطع أن تنتصر حتى الآن بشكل فعلي، وأكبر دليل على ذلك أن الحداثة السياسية، أي الديمقراطية، لا تزال غائبة عن العالم العربي. لا ريب في أنه توجد مجالس نيابية وانتخابات في بعض البلدان ولكنها ليست حرة إلى الدرجة المطلوبة أو المرغوبة.

بل إن العديد من الدول العربية مهددة بالإغراء الثيوقراطي: أي بانتصار الأحزاب الدينية أو الأصولية التي تستطيع أن تصل إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، وبعدئذ تفعل ما تشاء. بعدئذ تطبق تصوراتها الثيوقراطية، على طريقة القرون الوسطى، على المجتمع، فتقمع المرأة، ، وتقيد الحريات الفردية عن طريق سلسلة طويلة من المحظورات والممنوعات.

وبالتالي فالعالم العربي لا يزال يتخبط بين القديم والجديد دون أن يحسم أمره بعد في هذا الاتجاه أو ذاك. إنه يتذبذب بين الماضي والحاضر، بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة. ولكنه سوف يتوصل إلى طريقه الخاص في التطور لاحقا.

ثم تردف المؤلفة قائلة: والدليل على أن الحداثة السياسية لم تنتصر بعد في العالم العربي هو أن العوامل الطائفية والقبلية والعشائرية لا تزال هي المهيمنة على السلطة حتى ولو اختبأت وراء أسماء حديثة. فالأنظمة السياسية في العالم العربي على عكس الأنظمة الديمقراطية الأوروبية، ترتكز على العصبيات القديمة لا على العصبية الحديثة للدولة التي تطبق قانون حقوق الإنسان والمواطن.

والواقع أن الأنظمة السياسية العربية ليست أنظمة شرعية بالمعنى الحديث للكلمة: بمعنى أنها لا تستمد مشروعيتها من التصويت الحر للشعب إلا في أحيان قليلة. كما أنها لا تطبق القانون الحديث على عكس الدول الأوروبية. فالسائد هناك هو علاقات القرابة والمحسوبية والزبائنية ودرجة اقترابك من السلطة أم لا.

كما أن العلاقات الإقطاعية القائمة على الولاء الشخصي لا تزال هي المسيطرة. وسوف يظل الأمر كذلك ما لم تتشكل دولة القانون والمؤسسات الحديثة التي تعامل المواطنين على قدم المساواة أيا تكن انتماءاتهم العرقية أو الدينية.

ولكن إذا كان العالم العربي لم يتوصل بعد إلى تشكيل دولة الحق والقانون كما فعلت أوروبا فإنه سائر حتما على الطريق نفسها. وسوف يتوصل إلى ذلك يوما ما ولكن ليس بين عشية وضحاها. فأوروبا نفسها لم تتوصل إلى النظام الديمقراطي الليبرالي الدستوري إلا بعد معارك طاحنة وجهد جهيد. وقد استغرقت منها هذه العملية قرنين من الزمن.

يضاف إلى ذلك أن العالم العربي لا يزال يعاني من آثار الاستعمار، بل إن المشرق العربي لا يزال واقعا تحت ضغط الاستعمار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. لقد ساهم في تأليف هذا الكتاب باحثون عديدون من عرب وأجانب، نذكر من بينهم فرانسوا بورغا، وكرم كرم، وفانسان جيسير، وفريديريك فيريل، الخ. وكل ذلك تحت إشراف الباحثة اليزابيث بيكار.

وفي الفصل الرابع من الكتاب يتناول فرانسوا بورغا مسألة الحركات الأصولية وقدرتها على تعبئة الجماهير وتجييشها. أما الباحثون الآخرون فيتحدثون عن الحركات النقابية والطلابية والعمالية ومدى قدرتها أو عدم قدرتها على التعبئة والتجييش.

إن الكتاب يطرح مسألة الاستثناء العربي أو الاستعصاء العربي بالأحرى، وهي مسألة تشغل الباحثين العالميين بعد 11 سبتمبر. بمعنى هل حقا أن العالم العربي يستعصي على الحداثة والديمقراطية على عكس بقية المناطق في العالم؟

فالديمقراطية اكتسحت دول أوروبا الوسطى والشرقية بعد انهيار الشيوعية، كما واكتسحت دول أميركا اللاتينية وآسيا بل وحتى إفريقيا السوداء. وحده العالم العربي الإسلامي لا يزال يستعصي على الديمقراطية الحقيقية. فلماذا يا ترى؟ لماذا لا يزال الاستبداد هو السائد وان بصور مختلفة ودرجات متفاوتة من قطر إلى آخر؟

البعض يعيد سبب ذلك إلى البنية القبلية والعشائرية الراسخة للمجتمعات العربية. والبعض الآخر يتحدث عن الدور السلبي للطوائف والمذاهب المتناحرة. والبعض الثالث يلقي بالمسؤولية على العائلة البطريركية والعادات والتقاليد الاستبدادية الموروثة أبا عن جد منذ مئات السنين.

وبالتالي فما لم تتفكك هذه الرواسب القديمة وتحل محلها عادات ديمقراطية جديدة فلا أمل في الخروج من هذا الاستبداد التاريخي المهيمن علينا جميعا. وهذا يعني أن القصة طويلة وأن فجر الحرية ليس غدا. فالعرب مدعوون للتخلي عن الكثير من الأفكار واليقينيات العتيقة الراسخة في العقلية الجماعية

قبل أن يصبحوا حديثين، ديمقراطيين، يقبلون حق الاختلاف ويعترفون بالتنوع والتعددية الفكرية والسياسية والدينية.ولهذا السبب فإن المجتمعات العربية تعاني ما تعانيه حاليا من توترات وصراعات وحروب أهلية. فطريق الحرية ليس مفروشا بالورود والأزهار وإنما بالأشواك والدماء والدموع.

*الكتاب:السياسة في العالم العربي

*الناشر: أرمان كولان ـ باريس 2006

*الصفحات:334 صفحة من القطع الكبير

La politique dans le monde arabe

Armand Colin- Paris 2006

P.334