مؤلف كتاب «النبوّات» هو الإمام شيخ الإسلام «تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية» الذي ينتمي إلى أسرة عريقة من الفقهاء، ولد سنة 661ه، وفي كنف والده شب الولد بدمشق واستظهر القرآن الكريم، وتعلّم الخط والحساب في حداثة سنه، ثم أقبل على العربية والفقه وعلم التفسير حتى سبق فيه، فأفتى وعمره أقل من تسعة عشر عاماً، وكان يجلس في المسجد الجامع يفسّر القرآن الكريم.

وقد اتجه إلى الحديث الشريف، رواية وحفظاً، فرواه عن أعلامه وكبار شيوخه، وكان دؤوباً على الدرس والمطالعة والبحث والتأليف في مختلف العلوم، وقلما يزاول علماً إلا ويفتح فيه. كان «ابن تيمية» إذا سئل عن فن من الفنون، ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرف مثله،

وكان الفقهاء من سائر الطوائف، إذا جلسوا معه استفادوا في سائر مذاهبهم منه، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه ولا تكلّم في علم شرعي أو غيره، إلا فاق فيه أهله. أما ورعه، فكان من الغاية التي ينتهي إليها في الورع، فما خالط الناس في بيع ولا شراء، ولا معاملة ولا تجارة، ولم يقبل صلة لنفسه من سلطان ولا أمير ولا تاجر، ولا ادخر ديناراً ولا درهماً ولا زاحم في طلب الرياسة...

وقد نشأ «ابن تيمية» في مجتمع خيّمت عليه ظلمات التقليد الأعمى في كل شؤونهم الدينية والدنيوية، فخاض الشيخ معركة ضارية ضد التقليد الأعمى، وما ساد في عصره من مظاهر الوثنية، لم يقف دوره على حد الوعظ والكلام، بل كان إذا ركب الخيل، يجول في العدوّ كأعظم الشجعان،

ويتقدم كتائب الفرسان، ويخوض المعركة خوض رجل لا يخاف الموت، وقد رأوا منه في فتح «عكا» أموراً من الشجاعة يعجز الوصف عن وصفها. يعرّف «ابن تيمية» النبوّة في بداية كتابه، قائلاً: إنها إنباء الله لعبده، ونبي الله من كان الله يوحي إليه وينبئه.

فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك على من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه، فهو رسول، وأما إذا كان يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول ثم يعرض لآراء الفلاسفة في النبوّة، ثم يفندها ويبيّن حقيقة الاختيار الإلهي للأنبياء واصطفائه ـ سبحانه ـ لهم ووحيه وملائكته.

وعند عرضه لآراء المتكلمين في النبوّة، يتسع مجال النقاش حيث تتصل الأفكار عن النبوّة بالآراء في قضية الذات والصفات وقد تابع «ابن تيمية» وكأن الفقهاء قد تحدثوا عنه في معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء،

وقد فرّق بين معجزات الأنبياء والكرامات ومجمل القول في ذلك، أن الآيات -أي المعجزات ـ ثابتة للأنبياء عليهم السلام، وهي خوارق العادة التي تصدر عنهم، كإحياء الأموات وانفجار الماء بين الأصابع، وعدم إحراق النار وغيرها، وتسمى آيات لأن الله تعالى يريد بصدورها عنهم أن تكون علامة ودليلاً على نبوتهم وصدقهم.

أما كرامات الأولياء ـ أي الخوارق التي تصدر عنهم ـ تسمى كرامات، لأن الله تعالى يريد بصدورها عنهم إكرامهم وإعزازهم، والولي في اللغة: القريب، فإذا كان العبد قريباً من الله تعالى بسبب كثرة طاعته وكثرة إخلاصه كان الرب تعالى قريباً منه برحمته وفضله وإحسانه.

تضمن كتاب «النبوّات» فصولاً كثيرة وكلها تشكل بحثاً عن النبوّة ومعجزاتهم وشروط المعجزة، ومعنى الدلائل والآيات، وحكمة الله في اختياره من اصطفاه لرسالته، ومجمل الفروق بين النبوة وغيرها دون أن ينسى الفلاسفة وآراءهم، فيناقشها مطولاً وبخاصة ما يتعلق بالنبوّة، ومعنى الدلائل والآيات وآيات الأنبياء التي هي علامات وبداهية من الله.

ومن قوله في مجمل الفروق بين النبوة وغيرها، فالنبوة لا تنال بكسب العبد، ولا آياتها تحصل بكسب العباد، وهذا من الفروق بين آيات الأنبياء وبين السحر والكهانة، وبينهما أكثر من عشرة فروق منها:

أن ما تخبر به الأنبياء لا يكون إلا صدقا، وان الأنبياء لا تأمر إلا بالعدل، ولا تفعل غير العدل، وان آيات الأنبياء هي الخارقة للعادات، عادات الإنس والجن، بخلاف خوارق مخالفيهم وأن هذه لا يقدر عليها مخلوق.

إن كتاب «النبوّة» هو كتاب مهم لمعرفة آراء ذلك العصر وما تخلله من اجتهادات وهو كذلك يبين منهجاً إسلامياً للحفاظ على الإسلام نفسه.

M _alfahed@yahoo.com