إن نظرة سريعة على لائحة الكتب الأوسع انتشاراً في لندن أو نيويورك أو باريس تدلنا إلى مؤلفات عن صناعة الأزياء الراقية، وسيرة شخصية عامة وحياة نجم وقصة محاكمة أحد المشاهير إلى جانب كتب ساخرة تنتقد أداء الحكومات والرؤساء وزعماء الأحزاب، بالإضافة إلى كتب الانتصارات الشخصية التي تحكي شأنا من شؤون النجاح.
هذه نوعية المواضيع المطروقة في الغرب التي تدفع القارئ إلى إنشاء حالة صداقة مع الكتاب تبدأ من الكتب اليومية وتنتهي عند الكتب الذاتية كالمذكرات والسير الحياتية وغيرها، وذلك مروراً بما يشكل مواضيع تشغل بال ذلك القارئ، وهي مواضيع ذات صلة مباشرة مع محيطه. إنها فروقات تصالحية مع الحياة تعني القارئ العام بشكل مباشر.
ليس هذا الكلام تقليلاً من شأن الكتاب العربي، أبداً، إنها دعوة إلى النظر فيما ننتجه من كتب يعاد إنتاجها على شاكلة المعرفة المعروفة إلى درجة أن الكتاب العربي يتطرق إلى المواضيع ذاتها التي كان يناقشها منذ سنوات طويلة، وقليلة هي المحاولات الفردية التي تخرج عن هذا الإطار والتي يضيع صداها وسط كم هائل من كتب مألوفة ومعروفة تحجب الضوء عن الكتاب الجيد، بالإضافة إلى أن غياب الدعاية التسويقية للكتاب الجيد يجعله في مؤخرة اهتمامات القارئ.
لقد شكلت بعض التحولات الاجتماعية فاصلاً في حياة الأمم عبر طعام معين، حيث تلعب بعض المنتجات الزراعية دوراً في تغيير البنية الانثروبولوجية للمجتمعات، وهذا كان محور كتاب أميركي حول التاريخ الاجتماعي للفوشار «البوب كورن» والذي حقق مبيعات هائلة لجدة موضوعه وأهميته الاجتماعية من خلال تناول موضوع نبات الذرة الذي ساهم في حماية الاقتصاد الأميركي من الانهيار في الثلاثينات من القرن الماضي.
إن مساهمة الكاتب في قراءة الحياة تأتي عبر مواضيع تعني الناس وتصادقهم ولا تستعلي عليهم أو تستعرض مخزونها الهائل من المصطلحات والتعاريف التي لا تعني القارئ بشيء، وهذا ما يدفع للسؤال حول كتب عربية عن ثقافة يريدها الناس وعن كتب من صميم مجتمعهم،
ولن نذهب بعيداً إذا قلنا إن التمر يشكل مخزوناً هائلاً من الثقافة الانثروبولوجية للعرب تحديداً، وان هذه الثمرة ساهمت في دفع الجوع عن الناس مطلع القرن الماضي حيث جرت تحولات عالمية كثيرة نتجت عنها مجاعات كان العرب من ضحاياها.
أين تلك الكتب التي تعقد تصالحاً مع القارئ عبر ما يريده هو لا ما تريده دار النشر. وأين دور المؤسسات الوطنية التي عليها تشجيع هذا النمط من التأليف وإعطائه الأولوية خدمة للكتابة البحثية والتوثيقية ، لان هذه النوعية من الكتابة نادرا ما تحظى بباحث مغامر لديه الوقت للسؤال والتنقيب والمتابعة.
إنها مهمة وطنية.