تعد رواية «ألعاب مقدسة» للروائي الهندي فيكرام تشاندرا عملاً هائلاً، طموحاً، متعدد الطبقات، متناقضاً، طريفاً، حزيناً، مخيفاً، رقيقاً، معقدا، ولا سبيل إلى مقاومته شأن الهند نفسها، وما أن ينغمس القارئ في هذه الرواية للاستمتاع بهذا الامتداد الهائل الذي أبدعه تشاندرا حتى يجد نفسه وجهاً لوجه أمام فكرة الكيفية.

التي يفلح بها هذا البلد في الصمود والتماسك على الرغم من احتوائه على أحقاد تضرب جذورها في قرون طويلة والمئات من اللغات واللهجات والديانات المختلفة وأنظمة الطوائف والشرائح الاجتماعية الصارمة، وهكذا فإن «اللعبة» تواصل طفوها على السطح.

هناك نصف دزينة من الحبكات الفرعية التي يمكن للقارئ الاستمتاع بها، ولكن الأحداث الرئيسية تجري في إطار الشبكة الهائلة من العلاقات المعقدة بين شخصيات في مقدمتها المفتش سارتاج سينغ وهو عضو من السيخ في قوة شرطة مومباي غايتوندي نوندي رجل العصابات الأكثر بروزاً في الهند.

وبالمعايير العالمية فإن غانيش حقق أقصى قدر من النجاح يمكن الوصول إليه فلديه كل شيء يريده، ولكن ما إن تبدأ الرواية حتى يجد نفسه في ورطة يتعذر عليه الخروج منها وخصمه اللدود، سارتاج، يطرق الأبواب، وعبر العلاقة بين الرجلين تجري مناقشة معنى الخير والشر، وتدور حوارات عاصفة، ويبادر سينغ بإزالة المبنى باستخدام الجرافات، فيجد غانيش ميتاً بفعل رصاص بندقية وإلى جواره في المخبأ العتيد جثة امرأة مجهولة.

كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ لقد أراد سينغ، بالطبع، أن يضع يديه على طريدته التي حاول اقتناصها على امتداد سنوات طويلة، وهي لاتزال حية. ولكن لماذا انتهى الأمر على هذا النحو؟ هذا السؤال هو على وجه الدقة ما تسرد الإجابة عليه في الفصول التالية من الرواية،

عبر القصص التي يرويها الرجلان كلاهما، ولكن بصفة خاصة عبر ما يقوله غايتوندي، الذي يتبدى لنا شيطان بارعاً، تفلح حكاياته في استقطاب اهتمامنا بلا حدود، حيث نجده ضالعاً في كل ما تعرفه الهند الفاسدة حتى النخاع من مؤامرات.

وقد أجرى موقع أمازون الإلكتروني المتخصص في عروض الكتب هذا الحوار مع فيكرام تشاندرا، حيث ألقى الضوء على العالم الذي تنبعث منه هذه الرواية الملحمية الفريدة التي تقترب صفحاتها من الألف صفحة، والتي حصل مؤلفها على دفعة مقدمة من حقوقه عنها قدرت بمليون دولار، على الرغم من أنها لا تعدو أن تكون روايته الثالثة، وفيما يلي نص الحوار:

* هل تخيلت عندما بدأت روايتك أنها ستصل إلى الابعاد الملحمية الهائلة التي انتهت إليها؟

ـ لا، على الإطلاق. عندما بدأت في كتابة «ألعاب مقدسة» تصورت أنني أكتب رواية جريمة تقليدية، تسفر عن جثة أو جثتين، تمضي وفق مسار خطي، وتنتهي بعد 300 صفحة بالوصول إلى حل واضح ومقنع للقارئ. ولكنني عندما بدأت بالفعل في التحقيق في نوعية محددة من الجريمة وجدت نفسي أمام مجموعة من الصلات التي تكشف عن نفسها.

والجريمة المنظمة متصلة، بالطبع، بالحياة السياسية الوطنية والدولية، ولكنك إذا كنت مهتماً بالنشاط السياسي في الهند اليوم، وغيرها من دول آسيا، فإنك ستكون مضطراً بالطبع لمحاولة فهم دور الدين. وهذه الميادين بدورها تتقاطع مع آليات العديد من الحقول والميادين الأخرى ومن بينها صناعات السينما والتلفزيون.

وهذا كله يوجد في سياق «الألعاب المقدسة»، أي الصراع بين الدول ـ الأمم على السلطة والهيمنة، وبعض التنظيمات الإجرامية لها علاقات مع أجهزة المخابرات تعود على كل من الجانبين بالفائدة. وهكذا فقد وجدت نفسي مهتماً بالشبكات المتداخلة من العلاقات بين المنظمات والقوى التاريخية.

وشرعت في تتبع الكيفية التي يجد بها الأفراد العاديون أنفسهم وقد أطيح بهم وأرغموا على اتخاذ خيارات صعبة بفعل أحداث وأشخاص على بعد كبير منهم، وكيف أن طرقهم تتقاطع وتتغير بعمق حياتهم نتيجة لذلك. وإني آمل أنه مع نهاية الرواية سيدرك القراء كيف أن هذه الصلات مترابطة إلى أقصى الحدود. والشخصيات الفردية، بالطبع، لا ترى إلا رؤية جزئية ومتشظية من هذا الكل الواحد.

* لقد قمت بإجراء مقابلات مع العديد من رجال العصابات في مراكز رفيعة ومتدنية لإجراء أبحاث حول روايتك. كيف جرى تقديمك إليهم؟ ما الذي كانوا يعتقدونه إزاء شخص يريد الكتابة عن حياتهم؟

ـ عندما كنت عاكفاً على تأليف كتابي الأخير «الحب والحنين في مومباي» الذي تظهر فيه شخصية سارتاج، اتصلت ببعض ضباط الشرطة والصحافيين الاختصاصين في الجريمة، وقد ظللت علي اتصال بهم، وعندما بدأت في التفكير جدياً في هذا المشروع طلبت منهم القيام بتقديمي إلى بعض الأشخاص الذين يمكنهم إبلاغي ببعض ما يعرفونه عن الجريمة المنظمة.

وكان من بين الأشخاص الذين قابلتهم بهذه الطريقة أناس ينتمون إلى ما يمكن وصفه ب«العالم السفلي» الذي تبين أنه ليس عالماً سفلياً على الإطلاق. فهو عالم شأن أي عالم آخر، يسكنه بشر يشبهون إلى حد كبير الآخرين، وحتى بطريقتهم المميزة كانوا فضوليين فيما يتعلق بي، تماماً كما كنت فضولياً فيما يتعلق بهم.

وهم بالطبع ليسوا من قراء الروايات، ولكنهم لهم آراء محددة فيما يتعلق بمن يمثلونهم ويجسدون حياتهم على الشاشة الفضية، وكانوا يقولون لي: «إن الفيلم الفلاني يخطئ في فهم الأمر تماما، فلا تفعل ذلك!». ولذا فقد أصغيت إليهم، وآمل في أن أكون قد فهمت الأمر فيما يتعلق بهم على الوجه الصحيح.

* بالنسبة لمعظم القراء الذين يتحدثون الانجليزية وحدها فإن الرواية مليئة بالكلمات العامية والموحية بسياق ثقافي يصعب فهمه. ومن المؤكد أن هذا جزء لا يتجزأ من جاذبية المشروع. هل كنت تفكر في جمهور معين وأنت عاكف على تأليف هذه الرواية؟

ـ لقد أردت استخدام انجليزية نتحدثها بالفعل في الهند، اللغة نفسها التي استخدمها لو أنني كنت أسرد الرواية جالساً في مقهى في مومباي يتجاذب أطراف الحديث مع صديق لي. وهذه اللغة سوف تتضمن بالضرورة كلمات من لغات هندية عديدة، وينبغي أن نتقاسم كوناً حافلاً بالإشارات الثقافية، التي قد لا يستوعبها القارئ الذي ينتمي إلى بلد آخر بصورة فورية.

وهذه تجربة يخوضها المرء، بالطبع، في عالم يغلب عليه التنوع الشديد. وأنا أتذكر أنني قرأت في طفولتي قصصاً للأطفال باللغة الانجليزية، وأجريت مناقشات مع أصدقاء لي حول ما الذي يمكن أن تعنيه ألفاظ لها سياقها المحدد في اللغة الانجليزية لكنها في الهند لا تعني لنا شيئاً.

والقارئ الذي يقرأ رواية عن أريزونا لروائي أميركي في دولة خارج أميركا الشمالية قد لا تكون لديه أدنى فكرة عما يعنيه «بويبلو» أو ما هو «سيركل كي» الذي ينبغي أن تمضي إليه للحصول على زجاجة من الحليب الطازج. ولكن السياق يحدثك بشيء ما من دلالة هذه الألفاظ،

والقارئ يستشعر بهجة مميزة في اكتشاف عالم جديد وتخمين أسرار وخبايا هذا العالم الجديد في غمار عملية القراءة، ويحس بأن القراءة يمكن أن ترتحل بك إلى آفاق غريبة عنك لم يسبق لك ارتيادها من قبل. وتلك إحدى الهبات الكبرى للقراءة عندما تقرأ كتباً تنتمي إلى ثقافات وأماكن أخرى، وأنا آمل أن القراء على امتداد العالم سيستمتعون بهذا الجانب في كتابي.

محطات في مسيرة تشاندرا

* ولد الروائي الهندي فيكرام تشاندرا في نيودلهي عام 1961، ودرس في سانت كزافيه كوليج في مومباي ثم بومونا كوليج في كاليفورنيا وفي كلية السينما في جامعة كولومبيا بنيويورك، التي ترك دراسته بها في منتصفها للتفرغ للكتابة.

* صدرت روايته الأولى «أرض حمراء ومطر منهمر» في عام 1995، حيث حظيت بتقدير نقدي كبير ونالت جائزة كتاب الكومنولث لأفضل كتاب أول وجائزة ديفيد هايام للرواية.

* أصدر مجموعته القصصية الأولى بعنوان «الحب والحنين في مومباي» عام 1979 التي أدرجت في القائمة القصيرة للفوز بجائزة صحيفة «غارديان» اللندنية للرواية والقصة القصيرة.

* صدرت له مؤخراً روايته «ألعاب مقدسة» التي حصل على مليون دولار مقدم حقوق ملكية فكرية عنها وسط منافسة محتدمة بين الناشرين العالميين على نيل حقوق نشرها، وهو يقضي نصف العام الآن في بيركلي بكاليفورنيا حيث يعمل بتدريس الكتابة الإبداعية في جامعة كايفورنيا والنصف الآخر في مومباي، حيث يعكف على إنجاز كتابه الرابع.

منى مدكور