يرصد هذا الكتاب (حوارات في لغة الشكل) للفنان التشكيلي والنحات المصري د. فاروق وهبة ما وصلت إليه الاتجاهات الفنية المعاصرة لفن التصوير الذي يعد الأساس الأول لكل المنطلقات التي أرست أصولها وانطلقت في نهايات القرن الماضي للبحث عن لغة جديدة.

كما يتوقف عند أبرز أطروحات لقضايا تشكيلية تشغل بال هذا المجال من الفكر الفني وتزيدنا تدقيقا له وتحتوي على قدر من الإثارة الفنية ومن السرد التشكيلي الذي يفيد في التعرف على أغلب خبايا هذا المجال استنادا إلي المعلومة والحدث. ويضم بنهاية كتالوج فيما يزيد على خمسين صفحة يضم صور لوحات لفنانين كان لهم دور بارز في الحركة الفنية التشكيلية العالمية والعربية. والفنان د.فاروق وهبة تخرج في كلية الفنون الجميلة عام 1998 ثم حصل على الماجستير والدكتوراه والتحق بسلك التدريس في الكلية نفسها، ولقد أقام العديد من المعارض الجماعية والخاصة منذ تخرجه، كما حصل كذلك على العديد من الجوائز داخل مصر وخارجها كان آخرها وسام الدولة للعلوم والفنون من الطبقة الأولى من رئيس جمهورية النمسا عام 2000.

ويري د.وهبة أن التجارب في الفن الحديث قد تخطت الفلسفات والمعايير الجمالية القديمة، فهي تنبع أصلا من صميم طبيعة العمل الفني وليست من مخططات ومبادئ خارجية مفروضة، فالفن المعاصر يصنع جمالياته الخاصة سواء في ذلك ما يتعلق بالشكل أوالمضمون،

وهو في تحقيقه لهذه الجماليات يتأثر بحساسية العصر وذوقه ونبضه ومجمل القول إن دعوى العصرية والتجديد في الفن بالذات لو خرجت عن حدود القيم المطلقة التي لا تخضع لحكم الزمان والمكان، فهي باطلة ولن يسمح التراث بانتمائها إليه مهما كانت الظروف.

ويتساءل د.فاروق وهبة عن تصورات المستقبل لشكل الفن التشكيلي ويجيب قائلا: إن الاحتمال قائم ويدلل عليه ما دار في السنوات العشر الأخير من تجارب، فالفن التشكيلي يمر بفترة تغير كبيرة وفترة بحث عن لغة ومفردات جديدة، معتمداً أساساً على فكرة تغير القيمة وعدم ثباتها،

وعليه فيمكن هدم أية أفكار لها خاصية الثبات أوالارتكاز بغية رفض الجمود والتوقف، ويلعب التجريب دورا كبيرا في صياغة التجارب الفنية في المعارض، وأحيانا ما يصل عبث الفنان إلي إقصاء القيمة جانبا واختيار الخامات والمثيرات التي تعد فاقدة للمعايير الفنية فيما يدعي (الكتش Kitch Art) فما هو التصور لفن المستقبل ؟ الهدم لإعادة البناء، فقد الاعتداد بالقيمة،

وتفوق مبدأ البحث، التجريب كدعامة أساسية في تحديد شكل المستقبل الفني، والتجربة الفنية إضافة للفكرة، وليس لها صفة البقاء، نبذ فكرة الخلود، هذا هو مسار الفكر فيما يحدث سواء اتفقنا معه أو لم نتفق، ولكن علينا الانتظار للغد لعلنا نتفق أو نختلف.

أيضا يتساءل د.فاروق وهبة: هل فن بيكاسو وحده هو الذي به إلى هذه المكانة؟ ويقول: إذا استعرضنا مرحلة من أعمال فنان واحد من المعاصرين لبيكاسو مثل جورج براك مثلا لترددنا كثيرا في أن يكون الرد بالإيجاب، حقيقة أن ظروف العصر ساعدت بيكاسو لأن يسير بفنه على هذا المنوال، فإن ذلك العصر هو عصر انتقالي في كل شيء خاصة في الفن،

ولكن إلى أي حد يمكن اعتبار التجريب نوعا من التراث، ولكن الذي نستطيع أن نقوله إن لبيكاسو يرجع الفضل في الهدم، هدم ما قبله، وهدم القوالب أينما كانت، ولكن لم يقم بيكاسو بإعادة البناء بالصورة التي تؤكد ملامح حضارة لها رسوخ معين،

وإذا كنا نشير بالاتهام لبيكاسو بالذات، فذلك لأنه استمر قرابة اثنين وتسعين عاما، وهي حياته يطبع العالم بطابع بيكاسو وبيكاسو فقط، وبالرغم من كل تلك التجارب الوافرة، فإنها لا تخلو من نوايا بيكاسو في العبث والدعوة إلى الدهشة والاستغراب.

وبعد أن يستعرض د.فاروق وهبة الاتجاهات الفنية في فن التصوير طوال القرن العشرين يخرج بعدة استنتاجات منها:

أولاً: القرن العشرين هو زمن استخدام وتطبيق النظريات العلمية والاستفادة منها في تطوير الفن التشكيلي،

ثانياً: أثرت الحروب على البنية النفسية لفنان القرن العشرين،

ثالثاً: أثرت الصناعة وتطورها في القرن العشرين على تطور الخامات والأدوات المستخدمة في التجربة الفنية،

رابعاً: تأثر الفن التشكيلي بالفلسفة وعلم النفس،

خامساً: يحاول فنان القرن العشرين البحث عن لغة تعادل العصر،

سادساً: إعادة الصياغة الفنية هو التنقيب عن لغة جديدة،

سابعاً: الفن في القرن العشرين ينحو نحو وحدة الفنون بغرض إحلال مميزات كل الفنون في التجربة الواحدة،

ثامناً: ينتهي القرن العشرين برسائل فنية ترسل تباعا إلى القرن الحادي والعشرين كما حدث في القرن التاسع عشر،

تاسعاً: فن القرن العشرين يرسم باتجاهاته المتعددة صورة الفن التشكيلي في المستقبل.

يؤكد د.فاروق وهبة أن الحرية المتاحة للفنان المعاصر في اختيار أنسب الخامات وأنسب الظروف التي تساعد في إظهار الفكرة الفنية، جعلته يخضع لكل الأفكار المتاحة في عصره من خبرات علمية وصناعية وفنية، لإضافتها إلى عمله لتحقق الشكل الذي يرضاه والذي يعادل ظروف العصر،

ففي مجال التلوين وجدنا إمكانية استبدال اللون المدهون بالفرشاة والذي يكسو جزئيات التصميم، باللون الضوئي الصادر عن توصيل كهربي، والذي يخضع لنفس ظروف التحكم في كمياته بما يختم العمل ولا يزيد عن المطلوب في توصيله.

محمد الحمامصي

*الكتاب:حوارات في لغة الشكل

*الناشر:الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2007

*الصفحات:240 صفحة من القطع المتوسط