حققت الروائية الأميركية الصينية الأصل آمي تان شهرة واسعة في مختلف بلدان العالم، مع أول رواية نشرت لها بعنوان «نادي الحظ السعيد» عام 1989 التي ترجمت إلى ما يزيد على 17 لغة وتربعت على قائمة أفضل الكتب مبيعاً في صحيفة «نيويورك تايمز» لمدة تسعة أشهر.

كما حولت إلى فيلم سينمائي عام 1993 حيث قامت الروائية بإنتاجه وكتابة السيناريو في حين أخرجه وين وانغ، وأسوة بالرواية حقق الفيلم بدوره نجاحاً كبيراً. وتعتبر تان من رواد الكتاب الأميركيين الذين تناولوا في أعمالهم البعد الإنساني الشمولي العميق، وتتميز بمزجها بين حضارتي الشرق والغرب ورؤيتها لكل منها بمنظور الأخرى على التناوب بموضوعية وصدق. ولدت تان في أوكلاند في كاليفورنيا عام 1952 وتعيش حالياً مع زوجها المحامي الأميركي في سان فرانسيسكو. نشرت العديد من الروايات مثل «زوجة رب المطبخ» و«أسرار الحواس المئة» و«ابنة مجبر العظام»، وتوضح بأن مواضيع رواياتها مستمد من حياتها الواقعية ومن قصص أقربائها ومعارفها والتي تقوم بتوليفها في إطار الأدب الروائي.

وتبين الروائية بأن تأثير والدتها السلبي والإيجابي والمعاناة التي عاشتها معها في طفولتها لا يزالان يهيمنان على حياتها حتى الآن.وبأنها سعت من خلال شخصيات أعمالها إلى ترجمة تساؤلاتها وحيرتها وبالتالي فهم جذور الصراع الكامن سواء بينها وبين جيل والدتها أو الفارق بين الحضارة الصينية التي تحمل التطير والغيبيات والحضارة الأميركية التي تعيشها.

وبعد وفاة والدها وأخيها بورم في الدماغ، قررت والدتها أن ترحلا إلى سويسرا بدافع تطيرها. وقد قررت تان بالاتفاق مع زوجها عدم الإنجاب وذلك لخوفها من ذكريات طفولتها البائسة، ولعدم ثقتها بقدرتها على تجاوز عوالم والدتها أو تلافي أخطائها خلال تربيتها لأطفالها. حصدت تان عدة جوائز منها جائزة ريفيوورز والجائزة الذهبية لنادي كومنويلث، مع مبلغ 23. 1 مليون دولار لحقوق طبع الكتاب من دار نشر فينتيج.

وتتناول رواية «نادي الحظ السعيد» التي بيع منها ما يزيد على ثلاثة ملايين نسخة، قصة جيلين على صعيد الأحداث وجيل ثالث على صعيد السرد، وجنسيتين وديانتين وحضارتين متباعدتين والعلاقة بين الأم والابنة والبحث عن الهوية، مع اختلاف الراوي والقص من وجهات نظر مختلفة. ويضم نادي الرواية أربع سيدات صينيات في خريف العمر، ولدى كل منهن عائلة وحكاية بطلتها كل من الأم والابنة. وتشمل الحكايات الأربع ست عشرة حكاية.

تبدأ الأحداث من سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة حيث مقر النادي، أما السرد فيبدأ بوفاة جون التي أسست النادي للمرة الثانية إنما هذه المرة في المهجر. وتأخذ المؤلفة القارئ إلى العوالم الداخلية لكل سيدة ليتراوح السرد بين الماضي والمأساة التي عاشتها كل منهن مع تسليط الضوء على الحضارة الصينية والتقاليد والعادات وتمايز اللغات والأصول في كل منطقة.

ويتقاطع السرد مع الحاضر الذي تعيشه كل ابنة وما تواجهه من صراع بين جيلها وجيل والدتها والحضارة الجديدة التي نشأت فيها، وتعايشها مع ديانتين الديانة التي حملتها المهاجرات والديانة المسيحية الجديدة التي تحولن إليها بعدما لقين الدعم والرعاية من الكنيسة لدى وصولهن الأرض الجديدة.

وهكذا تتشعب الحكايات وتتشابك الصراعات لتتقارب وتتباعد، مما يتطلب من القارئ التركيز والمتابعة للاحتفاظ بخيوط الأحداث ومسارها. والحكاية الأولى التي تبدأ الرواية وتنتهي بها هي شخصية جينغ ماي ووز البالغة من العمر 36 عاماً ابنة جون التي يتعرف عليها القارئ بعد وفاة الوالدة في الفصل الأول، والتي يطلب منها أن تحل مكان والدتها في النادي.

تخبر السيدات الابنة بأن شقيقتيها التوأمتين من والدتها التي فقدتهما الأم في الصين لدى هروبها من اليابانيين عند غزوهم لقريتها في الحرب عام 1949 حيث اضطرت إلى تركهما تحت شجرة في الطريق، لإصابتها بالحمى وعدم تمكنها من حملهما، قد تم العثور عليهما وبأن وصية أمها تتضمن زيارتها للصين للتعرف على شقيقتيها وأخبارهما بوفاة الوالدة.

أما الحكاية الثانية بعنوان «الشمعة الحمراء» فتخص ليندو جونغ التي منذ ولادتها وتبعاً للعادات الصينية خطبت لابن عائلة هوانغ. وحينما داهم الطوفان منزل عائلتها، يضطرون إلى الانتقال إلى شنغهاي بعد ترك ليندو البالغة الثانية عشرة من عمرها في بيت عائلة هوانغ.

وحينما تبلغ السادسة عشرة تزف إلى ابنهم الذي لا يقربها بعد الزواج ويدعي أمام والدته بأن زوجته غير قادرة على الإنجاب، وللتخلص من المأزق والتحرر من هذا الزواج تلجأ ليندو بذكائها الفطري إلى الطقوس الدينية وتدعي بأنها شاهدت حلماً مفاده أن استمرار زواج ابنهما سيكون كفيلاً بموته. وعليه تبطل العائلة الزواج وتمنح ليندو بعض المال الذي يكفيها للهجرة إلى أميركا وبناء حياة جديدة.

أما الحكاية الثالثة، فتروي قصة ينغ ينغ سانت كلير بعنوان «سيدة القمر»، وتتناول فيها الكاتبة نموذجاً آخر من الطقوس والأعراف حيث أثر ضياع ينغ حينما كانت في الرابعة من عمرها عن عائلتها ثم اكتشافها بأن الاحتفال الديني الخاص بسيدة القمر التي تحقق الأماني لم يكن يقوم بدورها سوى رجل، على نفسيتها وتسبب في فقدانها الأمان طيلة حياتها مع خوفها وتطيرها الدائم الذي ينسحب على تفاصيل حياتها اليومية وبالتالي حياة ابنتها لينا.

أما حكاية آن ماي هسو الرابعة فتتناول جانباً آخر من الحياة في الصين، حيث تربت آن في كنف جدتها بوبو التي طردت والدتها من المنزل لزواجها بعد ترملها مما يتعارض مع الأعراف السائدة، وبذا تفقد اسمها ووجودها وتتحول إلى شبح، وإن لم يمنع ذلك من عودة الأم لرعاية والدتها حينما اشتد عليها المرض.

تلك الأم التي أخذت الابنة معها بعد وفاة جدتها والتي انتحرت ليتمكن أولادها من الحصول على ميزات أفضل لمستقبلهم لكونها الزوجة الرابعة. وتنتهي الرواية بعدما تسرد تفاصيل حياة كل ابنة والصراع الذي تعيشه سواء مع والدتها أو التأرجح بين الثقافتين، ليصلن جميعاً إلى نوع من التصالح مع الذات والفهم العميق لفكر وعالم أمهاتهن.