مؤلف كتاب «اقتضاء الصّراط المستقيم: مخالفة أصحاب الجحيم» هو شيخ الإسلام: العلامة إمام المجاهدين الصادقين الصابرين في وقته «أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني»، المولود سنة 661هـ في «حرّان» والمنتقل مع والديه وأخوته إلى «دمشق» سنة 667ه، فسمع من شيوخها، وتلقّى علوم العربية والتفسير والحديث والفقه وأصولها.

وكان خارق الحفظ والذكاء، حتى كان آية في ذلك وبرع في هذه العلوم جميعها، ثم لم يبرح في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبيل الخير، حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والأناة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد.

أما ورعه، فكان من الغاية التي ينتهي إليها في الورع فما خالط الناس في البيع والشراء، ولا معاملة ولا تجارة، ولم يقبل صلة لنفسه من سلطان أو أمير أو تاجر، ولا ادّخر ديناراً ولا درهماً، ولا زاحم في طلب الرياسة.

وقد نشأ «ابن تيمية» في مجتمع خيّمت عليه ظلمات التقليد الأعمى في كل شؤونهم الدينية والدنيوية، فخاض الشيخ معركة ضارية ضد التقليد الأعمى، وما ساد في عصره من مظاهر الوثنية. ولم يقف دوره على حد الوعظ والكلام، بل كان إذا ركب الخيل، يجول في العدوّ كأعظم الشجعان، ويتقدم كتائب الفرسان، ويخوض المعركة خوض رجل لا يخاف الموت، وقد رأوا منه في فتح «عكا» أموراً من الشجاعة يعجز الوصف عن وصفها.

ويجيء كتابه هذا «اقتضاء الصّراط المستقيم» ليكون قنبلة من أقوى ما ألقى شيخ الإسلام ابن تيمية على حزب الشيطان من قنابل الحق والهدى ـ كما كان يقال ـ حشوها كل ما أهداه الله إليه، وما أتاه من حجج وبراهين: قرآنية وحديثية، وعقلية وتجاربية: وأزاغهم بها عن صراط الله المستقيم.

يقول المؤلف في الباعث على تأليف الكتاب: ثم بلغني بآخره أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده، لمخالفة عادة قد نشأوا عليها، وتمسكوا في ذلك بمعلومات وإطلاقات اعتمدوا عليها، فاقتضاني بعض الأصحاب أن أعلّق في ذلك ما يكون فيه إشارة إلى أصل هذه المسألة لكثرة فائدتها وعموم المنفعة بها ولما قد عمّ كثيراً من الناس من الابتلاء بذلك حتى صاروا في نوع من الجاهلية، فكتبت ما حضرني الساعة.

يبدأ المؤلف كتابه بعد ذلك بفصل: في حال البشر قبل البعثة المحمدية، قائلاً اعلم أن الله سبحانه وتعالى، أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الخلق، وقد مقت أهل الأرض، عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، ماتوا ـ أو أكثرهم ـ قبل مبعثه...».

ويناقش بعد ذلك ما بعث الله به نبيه، مستشهداً بآيات من القرآن الكريم مرة، وبالحديث الشريف مرة أخرى. وهو في كل عنوان من العناوين الكثيرة يفعل ذلك، فمثلاً في «التحريف الذي ابتلى به طوائف من الأمة: يقول: فأما تحريف التأويل فكثير جداً، وقد ابتليت به طوائف من هذه الأمة، وأما تحريف التنزيل: فقد وقع فيه كثير من الناس يحرفون ألفاظ الرسول ويرون أحاديث بروايات منكرة..« ثم يورد أمثلة على ذلك مستشهداً من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

ونلمس قوة الحجة والحافظة المدهشة فيما يقدم، فمثلاً يناقش أمور الصراط المستقيم وارتباطها ببعضها فيقول: ثم إن الصراط المستقيم: هو أمور باطنة في القلب : من اعتقادات وإرادات وغير ذلك، وأمور ظاهرة: من أقوال وأفعال، قد تكون عبادات.

وقد تكون أيضاً عادت في الطعام واللباس والمسكن والاجتماع والافتراق والسفر والإقامة والركوب وغير ذلك، وهذه الأمور الباطنة والظاهرة: بينهما ولا بد ارتباط ومناسبة فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال، يوجب أموراً ظاهرة وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال، يوجب للقلب شعوراً وأحوالاً. وبعد ذلك يبدأ بتنفيذ ذلك، متبعاً المنهج ذاته، في الاستشهاد بالقرآن الكريم والسنة النبوية ليقدم لنا كتاباً مرجعاً في رؤية فقهاء ذلك العصر.

M _alfahed@yahoo.com