قبل عصر ال«غيم بوي» والـ «بلاي ستيشن» سُئل طفل في الثالثة أيهما يحب: ماما أم التلفزيون؟ فاختار التلفزيون دون تردد. لقد كشف ببراءته عن السر الذي يجعل من هذا الجهاز في مقام أعلى بالمقارنة مع أحد الأبوين، سر ينطوي على حقيقة الإعلام وقوة تأثيره المرئية على جميع الأجيال.
إذاً هل المطلوب من المحطة الفضائية أن تقدم ثقافة صرفة، كأن تقرأ الكتب وتقابل المفكرين وتعرض أمسيات الشعر وتدير حوارات تنظيرية في شأن من شؤون الثقافة التي يتخيلها الإنسان، حتى يعوض للأجيال ما ينقصهم معرفيا؟ أم ان نقدم لهم برامج تناصر الهوية الوطنية وتقدم الشخصية الثقافية بجغرافيتها وتاريخها؟
تجربة تعميم الثقافة العربية لم تجد نفعاً في ظل انتشار كل هذه المحطات الفضائية. والنفع الذي كان متوقعاً من خلال ثورة الاتصالات لم ينعكس إيجاباً على حال الثقافة العربية، فقد وُظِفَتْ تلك المحطات في مجالات لا علاقة لها بالثقافة فأنتجت التسلية والترفيه ولم تنتج ثقافة تعمم وتتداول بين الناس وان كل ما فعلته المحطات العربية في شأن الثقافة أنها قدمت خطاباً إعلامياً مرئياً مشوهاً بدلاً من الخطاب الإذاعي المشوه (سابقا) وبذلك تحقق عدم نفعية ثقافة ثورة الاتصالات عربياً!
قطعاً ليس هذا ما نقصده من مفهوم الثقافة على المحطة المرئية، الثقافة تعني عدم التشويه وقلة التغريب وتوحيد الفكرة والمنهج والرؤية وكذلك الهدف، وربما قبل هذا وذاك توحيد اللغة وليس اللهجة، حيث تصر بعض المحطات على الذهاب بعيداً في عاميتها إلى درجة تقليل شأن أهم رابط جذري من روابط العرب.
الثقافة لا توصف ولا تحصر في برنامج أو موضوع معين فكل ما يتصل بنبض المعرفة هو ثقافة، حيث برامج العلوم وبرامج المعرفة العامة وبرامج التثقيف الذاتي ومواعيد بثها تحسب إيجابا لصالح المشاهد، كما ان كل ما يتصل بالحقائق هو ثقافة وكل ما يتصل بكشفها وتحليلها هو أيضا ثقافة.
لكن ما نسبة تلك البرامج على مساحة بث واسعة تعيد ما هو معروف أو تزجي الوقت برقصة من هنا أو أغنية من هناك وتهريج جماعي يصل إلى درجة الابتذال أو الإسفاف ووسط كل هذا الركام يطل إعلان في أي برنامج ويحبذ أن يكون شديد الابتذال حتى يحقق مردودية أكثر، لأن عدد مشاهدي تلك البرامج لا يمكن عدهم، إنهم بالملايين أو بعشرات الملايين يتحلقون حول شاشة صغيرة كطقس اجتماعي يومي لمشاهدة ما يبث سلباً كان أو إيجاباً.
إن الطفل الذي يتعلم من هذا الجهاز الخطير كل ما يخطر على بال المرء من عادات أو تقاليد أخرى ليصبح الإنسان مشوهاً لن يعرف طريقاً إلى الكتاب بل عرف طريقاً أسرع إلى الريموت كونترول فأصبح مصدر ثقافته وسط عالم مرئي لا يسلب الكتاب حقه فقط، بل يسلب حق الأطفال في المعرفة الصحيحة وبموافقتنا ومعرفتنا نحن الآباء مدركين للضرر الذي يحدث بعد ذلك.