برنار هنري ليفي هو أحد أشهر، إن لم يكن الأكثر شهرة بين الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين، إنه يحتل صدارة وسائل الإعلام وصفحات الجرائد والمجلات خلال العقدين الأخيرين المنصرمين على الأقل. فيلسوف وكاتب سياسي وصاحب أفلام وثائقية ومدافع «مشهور» عن حقوق الإنسان. باختصار إنه «نجم» في فرنسا.

قدّم برنار هنري ليفي عشرات الكتب التي أثارت، بمعظمها، الكثير من النقاشات والجدل. ومن بينها: «مغامرات الحريّة» و«الإيديولوجيا الفرنسية» و«النقاء الخطير» و«البربرية ذات الوجه الإنساني»، هذا الكتاب الأخير بيع بعشرات الآلاف من النسخ.

وبعد ثلاثين سنة من «البربرية ذات الوجه الإنساني» و«الإيديولوجيا الفرنسية» يعود برنار هنري في هذا الكتاب الجديد إلى «هذه الجثة الكبيرة المنقلبة» إلى التعرّض لما عبّر عنه أكثر من مرة إنه «معركته الأبدية»، ويقصد بذلك معركة حرية العقل في مواجهة جميع أشكال الظلامية.

«الجثّة الكبيرة» التي يقصدها مؤلف الكتاب ليست سوى اليسار الفرنسي «الفاقد لأي نشاط» كي لا نقول لأية حياة. أما نقطة الانطلاق وراء تأليف هذا العمل فيحددها برنار هنري ليفي زمنيا في شهر يناير-كانون الثاني الماضي أثناء حديث له مع نيكولا ساركوزي المرشح آنذاك والرئيس الفرنسي الحالي والصديق القديم جدا للمؤلف. كان ذلك الحديث «الشهير» يخص طلب نيكولا ساركوزي من «صديقه» إن يقدم له دعما «معلنا» في المعركة الانتخابية الرئاسية.

ما يؤكده برنار هنري ليفي هو أنه خرج من ذلك الحديث مع الرئيس الفرنسي «القادم» كان عبارة عن قناعة مزدوجة. الشق الأول من تلك القناعة هو أنه لن يعلن أبدا دعمه له كمرشح للرئاسة رغم أن العديدين من أقران المؤلف وزملائه في معسكر اليسار كانوا قد أعلنوا دعمهم الصريح لساركوزي، ولم يتردد ليفي في الإعلان أنه سيعطي «صوته» في الدورة الانتخابية الأولى ثم الثانية لمرشحة اليسار السيدة سيغولين روايال.

أمّا الشق الثاني من قناعته فقد قام على قاعدة إداركه أنه من الصعب اعتبار كل ما قال به نيكولا ساركوزي كان خطأ، لاسيما فيما يتعلق بحالة الجمود والتفسخ السياسي والأخلاقي، بل والانحراف الإيديولوجي الذي يعاني منه اليسار الفرنسي عامة والحزب الاشتراكي بشكل خاص.

إن برنار هنري ليفي يطرح منذ البداية عددا من الأسئلة التي تفصح عن الذهنية التي يعالج فيه موضوع اليسار الفرنسي. مثل ما هو المضمون الذي يمكن أن نعطيه اليوم لهذا اليسار الذي كان الفيلسوف جان بول سارتر قد وصفه منذ ما يقارب 50 سنة، في المقدمة التي كتبها لمؤلّف صديقه بول نيزان الذي حمل عنوان «عدن اليمن السعيد»، إنه كان «جثة كبيرة منقلبة بدأت الديدان تعبث بها»؟ ومن خلال هذه الجملة يفهم القارئ المصدر الذي استقى منه برنار هنري ليفي عنوان كتابه.

وسؤال آخر يطرحه المؤلف هو التالي: «ما هو المرض الذي تعاني منه النزعة التقدمية المعاصرة، وما هي أعراضها وتجلياتها ورموزها وأسبابها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال الثاني تأخذ في الواقع الحيّز الأكثر من شروحات الكتاب وذلك من خلال «التشعبات» التي قادته إليها محاولة الإجابة. وهي تشعبات تخص نزعة العداء لأمريكا وأساطير الإمبراطورية وصعود الحركات المتطرفة ومسائل الحرب والسلام في العالم.

وبشكل إجمالي يمكن صياغة محاولات إجابة المؤلف في نظرية بسيطة، ولكنها لا تخلو من «المفارقة» ومفادها أن اليسار في فرنسا، كما على الصعيد العالمي، كان عليه أن يواجه خلال سنوات العشرين كلها، وتحديدا بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، نوعا من «الإغراء» الذي كان النظام الشيوعي هو أكثر تجلياته بروزا ولكن هذا اليسار استطاع، إلى حد كبير، التخلص من ذلك «الإغراء الشمولي» مع سقوط الشيوعية نفسها. ويرى المؤلف في نفس السياق إلى أن هذا اليسار ، وجد نفسه منذ بدايات القرن الحادي والعشرين أمام «إغراء شمولي» ثاني نشأ وترعرع على أنقاض الإغراء الأول.

ولكن مرجعياته يحددها برنار هنري ليفي لدى أطروحات يقول بها بالأحرى اليمين، هذا إذا لم يكن اليمين المتطرف، بما في ذلك التأكيد على الخصوصيات القومية، أو ما كان المؤلف قد أطلق عليه سابقا تسمية «الإيديدولوجيا الفرنسية»، كما جاء في عنوان أحد كتبه.

وبهذا المعنى يتحدث المؤلف عن «يسار اليمين» الذي تتصاعد قوته أو يعود إلى الساحة من جديد بصيغة «تقدمين جدد» على غرار «المحافظين الجدد». ولا يتردد في الحديث ضمن هذا السياق عن «انحرافات». ويؤكد على ضرورة التمييز بين اللبرالية السياسية التي لا يمكن فصلها، برأيه، عن أفكار عصر التنوير وبين اللبرالية التي تجعل من السوق «القانون الأعلى للحياة الاجتماعية».

ويتحدث برنار هنري ليفي أيضا عن نزعة «العداء لأوروبا»، لدى اليسار، كما في فرنسا عامة ويؤكد أن الفكرة الأوروبية قد تراجعت في فرنسا وبالتالي تخلّفت عن «الموعد التاريخي لإعادة التوحيد الأوروبي» بعد انهيار جدار برلين. ويتهم اليسار، خاصة الحزب الاشتراكي، ب«الكسل الذهني وبتراخي الإرادة».

كذلك يشير ضمن النهج نفسه من التحليل إلى تفشي نزعة العداء لأمريكا في أوساط اليسار، إلى جانب انتقاد مفهوم «الإمبراطورية» وشيء من مناهضة السامية. هذا ناهيك عن «نزعة مناهضة الأفكار الكونية -اليونيفرسال ـ المعاصرة مما يضعف القيم والأفكار باسم احترام الهويات ومفاهيم السيادة.

هنا يفتح المؤلف قوسين ليؤكد أنه يمكن للمرء أن يكون جمهوريا ويتمسك بمفهوم الأمة في الوقت نفسه إنما دون الوقوع في الشوفينية. ويمكن للمرء أن يحب أمريكا ـ وهو يعلن صراحة عن حبه لأمريكا ـ وإنما يشجب في الوقت نفسه جزء من الواقع الأمريكي ـ بوش وغوانتانامو والحرب في العراق. كذلك يمكن للمرء دون الوقوع في »فخ« العداء لأوروبا الموحّدة أن يأسف لأشكال التردد والضعف التي يعاني منها البناء الأوروبي. ويمكن إعلان العداء للتطرف دون تبني مقولات «صدام الحضارات».

باختصار يرسم برنار هنري ليفي لليسار الفرنسي على مدى صفحات الكتاب التي يتجاوز عددها الأربعمائة صفحة صورة لليسار مختلفة عمّا كان عليه سابقا. ولكنه في الوقت نفسه يحاول تقديم مجموعة من المعايير عمّا ينبغي أن يكون عليه اليسار التقدمي الحقيقي.

إن القراءة التي يقوم بها المؤلف للمسيرة التاريخية لليسار الفرنسي تتم انطلاقا من العودة إلى أربع «لحظات» حاسمة من تاريخ فرنسا الحديث وهي بالتتالي الزمني قضية الضابط الفرنسي دريفوس الذي جرت محاكمته في نهاية القرن التاسع عشر بتهمة تسليم أسرار عسكرية للعدو «الألماني» وانقسمت فرنسا حياله، وهو اليهودي، بين معسكرين يطالب أحدهما بإنزال العقوبات القصوى به بينما دافع الآخر عن براءته. وهذا ما جرى إثباته في النهاية وأعيدت له مكانته بعد سنوات.

اللحظة الثانية تخص «حكومة فيشي» التي ترأسها الماريشال بيتان وكانت قد تعاونت مع سلطة الاحتلال النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية. ثم «لحظة» الحرب الجزائرية التي اندلعت في شهر نوفمبر 1954 ولم تنته إلا بحصول الجزائر على استقلالها الوطني عام 1962 وأخيرا «لحظة» 1968، والمقصود هو تلك المظاهرات والمجابهات التي قام بها الطلبة، بمساندة العمال لاحقا، مع رجال الشرطة، وهي معروفة باسم «ثورة الطلبة». حيال هذه «اللحظات» كلها اتخذ اليسار الفرنسي، حسبما يشير المؤلف، مواقف يجدر به أن يفتخر بها.

أما بالنسبة للمستقبل فإن برنار هنري ليفي يدعو في كتابه بوضوح إلى التحالف بين الحزب الاشتراكي وبين الحركة الديمقراطية التي يترأسها زعيم تيار الوسط الفرنسي «فرانسوا بايرو». ذلك أنه يرى بهذا التحالف السبيل الوحيد من أجل العودة إلى السلطة.

بكل الحالات يجد المؤلف أن الخطوة الأولى التي ينبغي على اليسار الفرنسي القيام بها من أجل الخروج من الأفكار والنزعات الطوباوية ومن مختلف أشكال الجمود إنما هي القيام ب«قطيعة» حقيقية قد تسمح له بالخروج من الأزمة التي يعاني منها. تجدر الإشارة إلى أن محتويات هذا الكتاب تتوزع بين ثلاثة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: «ما بقي من اليسار» ثم «بعد ثلاثين سنة» وأخيرا «نقد العقل التقدمي الجديد».

ويبدأ الكتاب بالجملة التالية: «يبدأ هذا الكتاب يوم 23 يناير 2007 بعد حديث هاتفي مع ذلك الذي لم يكن آنذاك سوى الرئيس الممكن المقبل للجمهورية الفرنسية»، أي نيكولا ساركوزي.

*الكتاب:هذه الجثة الكبيرة المنقلبة

*الناشر:غراسيه ـ باريس 2007

*الصفحات:426 صفحة من القطع المتوسط

Ce grand cadavre à la renverse

Bernard Henri Levy

Grasset- Paris 2007

P. 426