مؤلف هذا الكتاب جيرار فرانسوا دومون هو أستاذ في جامعة السوربون ومدير لحلقة بحث عن «الجيوسياسات» في معهد الدفاع التابع لقيادة أركان الجيوش الفرنسية، كما إنه مدير مجلة «السكان والمستقبل» وعضو في مجالس عدة مجالات مختصة في ميدان اهتمامه.
ألّف جيرار فرانسوا دومون العديد من الكتب من بينها: «جذور الهوية الأوروبية» و«سكان العالم» و«جغرافية فرنسا» و«المستقبل الديمغرافي للأديان الكبرى» و«الهجرات الدولية»، الخ. تتولّى التحليلات السياسية مهمة شرح الآليات التي تنتظم وتتطور على أساسها السلطات داخل المجتمعات الإنسانية. أمّا البحوث الديمغرافية فتتفحّص «ديناميات» دور السكان وآفاق تطورهم. جيرار فرانسوا دومون، مؤلف هذا الكتاب: «الديمغرافيا السياسية» يجمع بين المشربين كي يبيّن مكامن التداخل بين الأبعاد الديمغرافية والجيوسياسية للمجتمعات الإنسانية، وذلك وصولا إلى تحديد بعض «قوانين جيوسياسة السكان».
تتوزع مواد هذ الكتاب بين تسعة فصول تبدأ بطرح السؤال التالي: «ما هي الديمغرافيا السياسية»؟ كي ينتقل المؤلف بعدها إلى دراسة ما يسميه بـ «قانون العدد» و«قانون المجموعات البشرية» و«قانون النوع» و«قانون الاختلاف» و«قانون الجذب» و«قانون الدفع» و«قانون الشتات ـ الدياسبورا».
ومن خلال البحث في مجمل هذه «القوانين» يحاول جيرار فرانسوا دومون صياغة نظرية عامة لجيوسياسة السكان اعتمادا على طريقة «تجريبية» في البحث وعلى معرفة عميقة وعامة بتاريخ الشعوب وبجغرافيتها أيضا. هكذا لا تقتصر المعلومات المقدمة على المجتمعات المتقدمة، في أوروبا وغيرها وإنما تتعداها إلى مختلف بلدان العالم ومناطقه وذلك في الحقب المعاصرة مثلما في الحقب القديمة.
وكان المؤلف قد أمضى قرابة ربع قرن من الزمن وهو يبحث عن الإجابة على السؤال التالي: «هل يمكن للديمغرافيا أن تمنح قوانينها لعلم السياسة»؟ وهذا ما قاده للبحث أيضا عن الرابطة القائمة وبين الديمغرافيا والسياسة على عدة مستويات في فهم حركات السكان محليا ودوليا.
وإذا كانت محاولة إيجاد «قوانين» في إطار «علم السكان» تطرح إشكالية شبيهة بتلك التي نجمت عن الأطروحات الماركسية الخاصة بـ «قوانين التاريخ» والمعروضة بإسهاب في إطار «المادية التاريخية» فإن مؤلف هذا الكتاب يحاذر من القول بأية «حتمية» في التاريخ.
لكنه بالمقابل يحاول أن يبرهن على وجود تداخل كبير بين الديمغرافيا والسياسة يمكنه أن يسمح بالقول أن هناك «قوانين لجيوسياسة السكان» أثبتت مسيرة تطور المجتمعات الإنسانية أنها فاعلة باستمرار، إلى جانب التأكيد على وجود عوامل أخرى لها دورها الفاعل في تحديد الرهانات الإستراتيجية.
وبعد أن يتساءل المؤلف حول مدى فائدة العلوم الاجتماعية في فهم سيرورة التاريخ، يحاول أن يقدم البراهين على أن «الديمغرافيا» هي علم حقيقي يعتمد على ركيزتين أساسيتين إحداهما «كميّة» أما الأخرى فـ «نوعية»، وعبر «الكم» و«النوع» واستخدام طريقة «متدرّجة» في الملاحظة والاستنتاج ـ يحدد المؤلف وجود ست مراحل للوصول إلى النتائج ـ يؤكد على وجود نوع من «الضوابط الثابتة»، هذا إذا لم يكن «القوانين».
كذلك يقدم المؤلف براهينه على وجود تداخلات عديدة وعميقة بين الديموغرافيا والسياسة. ثم يبرهن على قاعدة هذه التداخلات، على الرغم من السياسة هي مسألة حاضر راهن، الديمغرافيا هي مسألة استمرارية على مدى أطول بكثير، إنه يمكن القول بـ «ولادة مشرب علمي جديد» يسمّيه بـ «الديمغرافيا السياسية»، كما جاء في عنوان الكتاب، وهو مشرب قائم على أساس «طريقة تجريبية في البحث».
إن مؤلف هذا الكتاب، وكما يبدو من عناوين فصوله، يحدد وجود عشرة «قوانين»، بمعنى «ضوابط ثابتة» تحكم آليات عمل «الديمغرافيا السياسية» بالطريقة التي كان قد أثبت بها وجودها، وهو يسميها عامة في تحليلاته بـ «قوانين جيوسياسة السكان». ولعلّه بالإمكان تصنيف هذه القوانين» في أربع مجموعات بناء على «الصدر» الأساسي الذي انبثقت منه في الأصل.
المجموعة الأولى تخص «القوانين» التي تجد جذرها المشترك في النظر إلى «العدد الإجمالي للسكان». وهي تضم أساسا على «قانونين» رئيسيين يسميهما المؤلف بـ «قانون العدد» و«قانون المجموعات البشرية». أما المجموعة الثانية فهي تتناظر مع ما يسميه المؤلف بـ «الحركة الطبيعية» المتعلقة بـ «قوانين الأجيال وقانون النوع».
وتتناظر المجموعة الثالثة مع الاختلافات والتباينات الديمغرافية تبعا للمناطق والبلدان، وهذا ما يلخصه المؤلف بـ «قانون الاختلاف». أما المجموعة الأخيرة فتتناظر مع حركة هجرة السكان وتخص ثلاثة قوانين هي «قانون الجذب» و«قانون الدفع» و«قانون الشتات ـ دياسبورا».
إن مؤلف هذا الكتاب يشرح كل «قانون» من القوانين التي يحددها لآليات عمل «جيوسياسة السكان» على حدة، وكـ «لاعب شطرنج» يحرك «بيادقه» كل على حدة وإنما في أفق خطة متكاملة، في النهاية بغية تبيين مدى التداخل الكبير بينها و«تواكبها» بحيث تتوضح «الصورة» ويغدو فهم الواقع أكثر سهولة.
وإذا كان هذا الكتاب غني على مستوى «التنظير» فيما يتعلق بعلاقة الديمغرافيا بالسياسة، فإنه ليس أقل غنى على صعيد الأمثلة التي يقدمها من الواقع. هكذا يبيّن مثلا كيف أن «قانون العدد» يشير إلى أن الأهمية الديمغرافية للبلدان لها نتائج مباشرة على جيوسياساتها. والصين هي دليل واضح على مثل هذا الأمر.
ولا يتردد المؤلف في القول أن التاريخ الديمغرافي للصين خلال السنوات الأخيرة يمكن تقديمه كـ «فيلم» زاخر بالتبدلات والمنعطفات بفعل سياسات سريعة التبدل وصدمات عاشتها البلاد منذ تولّي ماوتسي تونغ السلطة عام 1949. وتتم الإشارة هنا إلى أن الصين الشيوعية قد حرصت على عدم تقديم معلومات مفصّلة عن عدد سكانها خلال العقدين الأولين من تاريخها. بل وعندما كانت تعطي بعض الأرقام فقد كان ذلك بعد تأخير سنوات ـ لم يتم نشر نتائج إحصاء عام 1953 سوى في عام 1957 ـ مع نشر العدد الإجمالي فقط.
وبعد أن تتم الإشارة إلى «العجز في الولادات» بالصين أثناء «السنوات السوداء» أي سنوات 1958 ـ 1961، يؤكد المؤلف على أن الصين لجأت إلى تبني «سياسة قمعية» على الصعيد الديمغرافي وصول إلى سياسة «الفعل الوحيد» لكل عائلة. لكن هذه «السياسة الديمغرافية القمعية» خلقت بدورها «معارضات» عبّرت عن نفسها بطريقة مختلفة وتقريبا حسب آلية تشبه العلاقة بين «السبب» و«النتيجة».
وعلى أساس «قانون العدد» أيضاً، يشير المؤلف إلى أنه عندما رفضت باكستان الرسمية الاعتراف «بجغرافية» سكانها عند قيامها عام 1947 استقل الجزء الشرقي من أراضيها لتقوم عليه دولة «بنغلاديش». وبهذا المعنى كانت «الديمغرافيا» هي أحد المحركات، هذا إذا لم يكن المحرك الأساسي، للتوجهات السياسية.
وتبيّن بعض الأمثلة الأخرى التي يقدمها المؤلف حقيقة الترابط بين «النشاط الديمغرافي الطبيعي» ووزنه الجيوسياسي. هكذا استطاعت انجلترا في القرن التاسع عشر أن تعزز من وزنها الجيوسياسي لتصبح القوة الرئيسية في العالم بفضل نمو ديمغرافي كبير كان يعود خاصة إلى انخفاض عام كبير في عدد الوفيات.
وعلى أساس «قانون الاختلاف» يبيّن المؤلف كيف أن «التباين في تطور الديمغرافيا» يمكن أن يكون له نتائجه الجيوسياسية فيما يخص العلاقة مع بلد آخر، أو داخل البلد نفسه. ففي إيرلندا الشمالية مثلا، كان تنامي دور وزن الأقلية الكاثوليكية نتاجا «مباشرا» لوجود نسبة ولادات أكبر بكثير مما كان لدى الأغلبية البروتستانتية.
على صعيد الآثار الجيوسياسية للهجرة، يرى المؤلف أن الهجرات التي عرفتها ألمانيا الشرقية (السابقة) باتجاه ألمانيا الغربية «الفدرالية» لم تكن بعيدة عن انطلاق المسار الذي أدّى إلى انهيار جدار برلين عام 1989. وكتاب يريد مؤلفه، بصورة ما، أن يوجه رسالة لقرائه، وخاصة للمهتمين منهم بالشأن العام، مفادها أن «الديموغرافيا السياسية» لا بد منها من أجل فهم العالم ومعرفته وفهم آليات تطوره. بكل الأحوال إنها قراءة جديدة للعالم الذي نعيش فيه.
*الكتاب:الديمغرافيا السياسية قوانين جيوسياسية السكان
*الناشر:ايلليبس ـ باريس 2007
*الصفحات:300 صفحة من القطع المتوسط
Démographie politique, les lois de la géopolitique
Gérard - François Dumont
Ellipse - Paris 2007
P.300

