مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الأميركي الشهير كارل بيرنشتاين الذي لعب دوراً كبيراً في كشف فضيحة ووترغيت التي أدت إلى استقالة ريتشارد نيكسون. وقد نال عدة جوائز على عمله هذا منها جائزة بوليتزر عام 1973. وهو صحافي في الواشنطن بوست.
ويقدم المؤلف هنا ثورة شخصية (بورتريه) عن المرأة التي قد تصبح أول رئيسة للولايات المتحدة بعد بضعة أشهر. فمن هي هيلاري كلينتون يا ترى؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً بما معناه: ولدت هيلاري رودهام كلينتون في مدينة شيكاغو عام 1947: أي أن عمرها الآن ستون سنة بالضبط. وكانت السيدة الأميركية الأولى لمدة ثماني سنوات بين عامي 1993-2001 أثناء تولي زوجها بيل كلينتون لمنصب الرئاسة الأميركية. ثم أصبحت مباشرة بعد ذلك عضوة في مجلس الشيوخ لكي تمثل مدينة نيويورك.
وبدءًا من بداية هذا العام انخرطت في السباق الطويل نحو البيت الأبيض، وهي تريد أولا أن تصبح مرشحة الحزب الديمقراطي قبل أن تحلم بالوصول إلى المكتب البيضاوي الشهير. فهل ستكون أول رئيسة في تاريخ الولايات المتحدة يا ترى؟ هل ستخلف زوجها على هذا المنصب الرفيع مثلما خلف جورج دبليو بوش والده؟ لا شيء مستحيل في هذا العالم.
ثم يطرح المؤلف هذا السؤال: لكن ماذا عن حياتها الشخصية. وعليه يجيب قائلاً: لقد ولدت في مدينة شيكاغو في عائلة بورجوازية يمينية، والدليل على ذلك أن والداها كانا من أتباع الحزب الجمهوري لا الديمقراطي. ولها إخوان أصغر منها هما هوف وطوني. وكانت رياضية ومتدينة في آن معا. فهي تنتمي إلى المذهب البروتستانتي الغالب في أميركا، كما أنها تؤدي الشعائر والطقوس الدينية. وبالتالي فهي مسيحية ملتزمة ولكن من دون تعصب أو تزمت.
ومنذ البداية كانت ناجحة ولامعة في دراساتها على ما يبدو. وقد شجعها والداها على إتمام تعليمها الجامعي بعد أن لمحا فيها مواهب حقيقية لا تنكر. وهكذا دخلت إلى الجامعة النسوية الشهيرة: ويلسلي. وفي نهاية دراساتها الجامعية كرست أطروحتها لدراسة أعمال عالم الاجتماع الأميركي: شاؤول ألنسكي. وفي عام 1969 دخلت هيلاري رودهام إلى كلية الحقوق الشهيرة في جامعة ييل.
وهناك التقت لأول مرة بذلك الرجل الذي سيصبح زوجها لاحقا: ويليام بيل كلينتون. فأحبته وأحبها وكانت القصة المعروفة. ويبدو أن الشاب بيل كلينتون كان خجولا في البداية على الرغم من أنه أصبح زير نساء بعدئذ. فقد كان يكتفي بمراقبتها طويلا عندما تدخل إلى مكتبة الجامعة للدراسة.
وفي نهاية المطاف توجهت نحوه يوما ما وقالت له: إذا كنت تستمر في النظر إليّ هكذا فمن الأفضل أن نتعارف على بعضنا البعض. أنا هيلاري رودهام أو أنت؟ فقدم نفسه عندئذ، وكان ما كان.. وبعد أن تخرجت هيلاري من جامعة ييل أصبحت محامية لامعة، وقد لعبت دورا ثانويا في إسقاط نيكسون عام 1972 عندما انضمت إلى اللجنة القانونية التي بحثت قصته ودرست بالتفصيل فضيحة ووترغيت.
ثم التحقت بزوجها بعدئذ في ولاية أركنساس عندما انخرط في الحياة السياسية المحلية هناك. وقد تزوجا عام 1975 وأنجبا طفلة واحدة هي تشيلسي التي ولدت عام 1980. وقد أصبحت هيلاري أستاذة في كلية الحقوق بجامعة أركنساس. وقد عينها الرئيس جيمي كارتر في أحد المجالس القانونية الرفيعة عام 1978، وهو العام نفسه الذي أصبح فيه بيل كلينتون حاكما لولاية أركنساس.
ومن هناك ابتدأ صعوده نحو القمة حيث وصل إلى البيت الأبيض بعد خمسة عشر عاما فقط.وقد أصبحت هيلاري كلينتون السيدة الأولى لولاية أركنساس لمدة اثني عشر عاما. وكانت تترأس اللجان التي تدرس برامج التعليم المقررة في الولاية. كما وساهمت في العديد من الجمعيات الخيرية التي تدعم المشافي والمرضى والأطفال المحتاجين، الخ.
وبرهنت على أنها ذات حس إنساني رفيع.وبدءًا من عام 1995 راحت هيلاري كلينتون تنشر مقالا أسبوعيا تحت عنوان: فلنتحدث عن ذلك إذن. وقد عالجت العديد من المواضيع السياسية والاجتماعية الأميركية. كما وتحدثت عن تجربتها كسيدة أولى في ولاية اركنساس.
وعندما أصبح زوجها بيل كلينتون رئيسا للولايات المتحدة عام 1992 راحت هيلاري كلينتون تنخرط أكثر فأكثر في الحياة السياسية الأميركية. ولم تكتف بواجباتها العائلية كما تفعل زوجات الرؤساء عادة. وربما كانت الأكثر تعلما وثقافة بينهن. ولهذا السبب فإنها لم تتردد عن الانخراط في القضايا العامة للبلاد. فشهاداتها العليا وإمكانياتها وتجاربها السابقة تسمح لها بذلك. وقد عينها زوجها كمستشارة لشؤون الصحة لديه في البيت الأبيض.
وقد تعرضت هيلاري لعدة تحقيقات قضائية ولكن أيا منها لم يؤد إلى إدانتها أمام المحاكم كما حصل لزوجها. فقد اتهمت بالثراء غير المشروع عن طريق استغلال منصبها أو بالأحرى منصب زوجها. كما واتهمت بوضع العراقيل أمام التحقيق بحادثة موت أحد مستشاري زوجها: فانس فوستر. ولكنها خرجت بريئة في كلتا الحالتين.
ثم حصلت الفضيحة الكبرى لزوجها مع الغادة الحسناء: مونيكا ليونسكي. وهنا فوجئ الناس بموقفها. فقد داست على عواطفها ومشاعرها كزوجة مخدوعة ووقفت إلى جانب زوجها حقا أو باطلا. وراحت تنفي التهمة عنه على الرغم من كل الدلائل التي تشير إلى تورطه.
وقالت بأن اليمين الأميركي يستهدف زوجها ويريد الإطاحة به لأنه ديمقراطي ليبرالي تقدمي، بل وحتى بعد أن اعترف بيل كلينتون بعلاقته الغرامية مع مونيكا ليونسكي ظلت تدعمه. وهكذا أثبتت أنها سياسية من الدرجة الأولى. ولكن الله وحده يعلم ماذا كانت تقول له في الحياة الخاصة، وكيف كانت تلومه وتؤنبه على خياناته المتكررة.
مهما يكن من أمر فإن الجمهوريين يحقدون عليها ويكرهونها مثل زوجها وربما أكثر. فهم يتهمونها بأنها ليبرالية، أي يسارية بالمعنى الأوروبي، بل ويقولون بأنها مضادة للقيم الأميركية الحقيقية: أي القيم التقليدية التي يتعلق بها الجمهوريون كثيراً. ولكن هذا لم يمنعها من أن تصبح أشهر سيدة في أميركا، بل وهي مصنفة بأنها واحدة من أكثر السيدات نفوذا في العالم بالإضافة إلى كوندوليزا رايس والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
ثم يضيف المؤلف قائلا: لقد أثبتت هيلاري كلينتون مقدراتها السياسية عندما رشحت نفسها لمنصب مجلس الشيوخ في مدينة نيويورك التي يسيطر عليها الجمهوريون واليمين الأميركي عادة. وقد استطاعت انتزاع المقعد من مرشحهم بنسبة 56 بالمائة. ثم أعيد انتخابها مرة ثانية عام 2006 بنسبة 68 بالمائة، وهي من أعلى النسب في الانتخابات الأميركية.
وعندئذ ابتدأت مطامعها الرئاسية تتضح أكثر فأكثر، وأصبح الجميع يدركون مدى خطورتها وأهميتها بعد أن استصغروها زمنا طويلا. والآن تعتبر إحدى ألمع النساء السياسات في كل تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.
وقد حاولت تعديل صورتها في نظر الجمهور بعد انتخابها كعضوة في مجلس الشيوخ عام 2000، فصورة المراهقة اليسارية كانت تلاحقها. ولذلك اتخذت عدة قرارات لتغيير هذه الصورة ولكي تصبح أقرب إلى تيار الوسط في أميركا. ولهذا السبب دعمت بقوة الحرب البوشية في أفغانستان والعراق. وكانت تريد بذلك أن تثبت للشعب الأميركي أنها لا تقل وطنية عن جورج دبليو بوش.
ثم يختتم المؤلف كلامه قائلاً: ولكن يبدو أن الشعب الأميركي قلب في جهة اليمين في السنوات الأخيرة، وبالتالي فسيكون من الصعب على هيلاري كلينتون أن تصل إلى البيت الأبيض وبخاصة إذا كان منافسها هو ذلك الجمهوري القومي: رودلف جولياني. ومعلوم أنه شعبي جدا في مدينة نيويورك ولا يقل تشدداً عن بوش فيما يخص محاربة «الإرهاب».
وبالتالي فطريق البيت الأبيض ليس مفروشا بالورود والرياحين أمام هيلاري كلينتون على عكس ما يدعى أنصارها. وعلى أي حال فإن الأسابيع أو الشهور المقبلة سوف تتكفل بتقديم الجواب على هذا التساؤل.
*الكتاب:امرأة مسؤولة - حياة هيلاري رودهام كلينتون
*الناشر:مجموعة كنوب للنشر - نيويورك 2007
*الصفحات :640 صفحة من القطع الكبير
Hillary Rodhan Clinton
Carl Bernstein
Knop Publishing Group New York 2007
P. 640

