جاك اتالي اقتصادي معروف ورئيس سابق لبنك التنمية الأوروبي، وعمل مستشارا سياسيا لدى الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران وكان صديقه الحميم. لكنه أيضا مفكر وروائي وكاتب مسرحي.قدّم حوالي 50 كتابا في الدراسة والرواية والمسرح واليوميات وكتابة السيرة.
من أعماله الأخيرة «تاريخ مختصر للمستقبل» ـ قدمه «بيان الكتب» في أحد أعداده السابقة ـ و«قاموس للقرن الحادي والعشرين» و«اليهود والعالم والمال» و«الإيمان والعقل» و«سيرة حياة ماركس» و«سيرة حياة غاندي أو يقظة المضطهدين»، الخ.
بعد هذه السلسلة الطويلة والمتنوعة من الأعمال يقدم جاك اتالي لقرائه هذا الكتاب الجديد «الحب في التاريخ الإنساني» عن تاريخ العلاقات بين الرجال والنساء، عبر ثمانية فصول اعتبارا من «بدايات الحب» وحتى «احتضار الزواج».
يبدأ هذا الكتاب وينتهي بجملة كتبتها ذات يوم «هيلويز» ل«ابيلار» ـ قيس وليلى الغرب ـ وجاء فيها «بكلمة واحدة لا تبحثوا في الحب سوى عن الحب». إن تاريخ الحب يغطي فترة زمنية تزيد على أربعة مليارات من السنوات. وجاك اتالي يحاول في هذا العمل تقديم بعض المحطات الرئيسية «المنعطفات» في هذه المسيرة التاريخية الطويلة.
في الفصل المكرّس ل»بدايات أشكال الحب» اختار المؤلف في تصديره مقطعا من «نشيد الإنشاد» جاء فيه: «الحب قوي مثل الموت (...). لا تستطيع المياه الغزيرة أن تطفئ لهيب جذوته، ولا الأنهار أن تغمره».
ثم يشير إلى انعدام المؤشرات التي تدل اليوم على ما كانت عليه علاقات الحب منذ ملايين السنوات. ولكنه يميل إلى الاعتقاد أن هذه العلاقات قد «تطورت» بالتوازي مع «تطور حجم الدماغ». ويعود المؤلف إلى ما قبل 000 300 سنة بدايات إقامة البشر لفترات طويلة في كهوف ليقدم بعد ذلك الأشكال الجنينية من التنظيم الاجتماعي.
ومنذ البداية أخذ الرجل مكانة أكبر في هذا التنظيم وأيضا في العلاقة مع الطبيعة. ومع الانتقال إلى الحياة «الحضرية» أصبح هناك للعلاقات بين الرجل والمرأة نوعا من الطقوس، كما ظهرت بعض «الممنوعات».
وفي مثل هذا السياق «الحضري» الجديد ظهرت أيضا فكرة الزواج وذلك على قاعدة القول أن «امرأة وحيدة» لا تتمتع بالحماية و«رجل وحيد» هو «خطير على النظام ـ الاجتماعي ـ من حيث أنه قد يطمع بنساء الآخرين». هكذا «قامت الحضارات كلها في إطار ظروفها الجغرافية والمناخية الخاصة، بتنظيم العزوبية أو منعها».
ويشير المؤلف إلى أن حضارة «الأنكا» مثلا قد منعت العزوبية، كما لا تزال بعض المجموعات في برمانيا تعتبر أنه «لا يبقى عازبا سوى القاصر عقليا أو الشرسين جدا، والعازبون يكادون لا يستحقون حتى دفنهم عند موتهم».
ويرى المؤلف أنه من «شبه المؤكد القول أن التنظيم الاجتماعي قد بدأ على أساس «جماعية العلاقة» بين الرجال والنساء. وينقل عن المؤرخ اليوناني هيرودوت قوله منذ القرن الخامس قبل الميلاد عن بعض شعوب أوروبا الوسطى وآسيا ما يلي: «النساء مشتركات بين الجميع، وليس هناك زواج. لكن عندما تضع امرأة طفلا يتم جمع الرجال بعد شهرين من ولادته، وذلك الرجل الذي يشبه الطفل يصبح أباه».
وعبر مسيرة التطور في التنظيم الاجتماعي بدت «الفوضى في العلاقات» بين الرجال والنساء مصدر تهديد للمنظومات القائمة. هكذا أصبح التنظيم «الملزم» ضروريا، وبنفس الوقت جرى ما يسميه جاك اتالي الانتقال الحاسم من «الحالة الطبيعية» إلى «الحالة الثقافية». للإشارة كان مؤسس البنيوية كلود ليفي ستروس قد تحدث من جهته عن الانتقال من «النيء» إلى «المطبوخ» للتدليل على الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة.
ويكرس المؤلف أحد فصول الكتاب لدراسة ظاهرة «زواج» العديد من الرجال بامرأة واحدة لدى بعض الشعوب قبل حوالي عشرة آلاف سنة. وكانت هذه الظاهرة نفسها قد عرفت بعض التطور إذ بدأت ب«اقتسام عدة إخوة لامرأة واحدة» ثم «اقتسام عدة رجال ليس بينهم رابطة قرابة لامرأة واحدة».
كما عرفت بعض الشعوب البدائية صيغة مختلفة لهذه الظاهرة تمثّلت في «اختيار» المرأة نفسها لعدة رجال. وكانت السمة المشتركة بين المجتمعات المعنية هي «تفوق» مكانة المرأة على مكانة الرجل الذي أصبح رجلا أو أبا أو أخا أو مستخدما أو مرتزقا، أو هذه الصفات كلها بالنسبة للمرأة. ويشير المؤلف إلى أن أحد أسباب مثل هذه الظاهرة كان ذا طبيعة اقتصادية أحيانا إذ عندما كانت الحقول لا تعطي سوى القليل كان من الصعب «اقتسام» خيراتها وتجزئتها.
وفصل آخر عنوانه «تعدد الزوجات» ويبدأه المؤلف بالقول: «منذ 8000 سنة، في الصين والشرق الأوسط حيث لم تكن الأراضي والنساء نادرة أخذت معالم التملّك تتحدد والثروات تتركز والسلام يعم خلال فترات طويلة.
بنفس الوقت أصبح أمل حياة الفرد يزيد على 30 سنة، عندها بدأ الجنس البشري يتمتع بقليل من الوقت الحر، وقت الفراغ، كي يعيش علاقة حب أو ربما عدة علاقات وأيضا كي ينقل معارفه ل«الأجيال التالية». كذلك ادرك الرجل عبر وعيه المتزايد بموقعه الجديد في المنظومة الاجتماعية أن «امتلاك» عدد كبير من الأطفال يشكل أداة لزيادة إنتاجية الأسرة.
هكذا إذن كان تعدد الزوجات ذا خلفية اقتصادية «أحيانا». وكانت مختلف الحضارات، خاصة في آسيا، قد عرفت ظاهرة تعدد الزوجات وترافقت الظاهرة أحيانا بممارسة بعض الطقوس. ويؤكد جاك اتالي في هذا السياق أن الإسلام كان أول عقيدة دينية تحدد «نصّا» تعدد الزوجات بأربعة، وذلك لأسباب تتعلق ب«العدالة».
لكنه يشير إلى أنه ما بين القرن الثامن والقرن العاشر مارس السادة وكبار شخصيات الممالك الإسلامية التي فتحت آنذاك قسما كبيرا من الشرق الأوسط، تعددية النساء في حياتهم، وكانوا بذلك مثلهم مثل جميع الأقوياء في العالم الذين امتلكوا مثل ذلك «الامتياز».
وفي السياق نفسه يشير جاك اتالي إلى أن الصليبيين كان عندهم «حريم» في الأرض المقدسة، هذا على الرغم من المبادئ التي كان يُفترض أنهم قد قدموا إلى الشرق للدفاع عنها. بل في أوروبا نفسها، ورغم التعاليم المسيحية، استمرت ممارسة «تعدد النساء» في الواقع لدى قطاعات عديدة في المجتمع حتى القرن الثامن عشر. وقد مارس ملوك فرنسا ذلك حتى لويس الخامس عشر.
وتحت عنوان: «اختراع الزواج من امرأة واحدة» يؤكد المؤلف أن مثل هذا «الزواج» لا يعبر عن قصة حب وإنما عن «رابطة بين أسرتين» من أجل حماية ملكيتهما أو جمعهما معا. هكذا كان من الشائع في كل مكان أن لا ترى المرأة الرجل الذي سوف تتزوجه إلا يوم «عقد القران» الذي تفرضه العائلتان. وكانت المسيحية قدمت إلى «الحد الأدنى الضروري للإنجاب».
وإذا كان الزواج من امرأة واحدة أصبح قاعدة سائدة في الغرب اعتبارا من القرن الحادي عشر، فإن النخب الإقطاعية استمرّت بممارسة الزواج فيما بين أبنائها حصرا من أجل المحافظة على إقطاعياتها بل وتوسيعها إذا أمكن. وبقي الأهل هم الذين يقررون «الزيجات» التي كانت تتم في المنازل بحضور ممثل عن الكنيسة.
وكل من كان يتمرّد على رغبة الأهل يتم حرمانه من الإرث. لقد استمرت مثل تلك الممارسات حتى القرن الخامس عشر. وما بين القرن الخامس عشر والثامن عشر عرفت أوروبا ما يسميه المؤلف «تمجيد الحب»، كما اختار عنوان الفصل ما قبل الأخير من كتابه.
هذا في الوقت الذي كانت فيه آسيا وأميركا وإفريقيا لا تزال تمارس «تعددية الزوجات» في أغلب الأحوال. كذلك شهد الغرب الأوروبي بدايات «التحرر الجنسي»، الأمر الذي حاربته الكنيسة بكل ما أوتيت من قوّة. وخلال الفترة نفسها اشتهرت قصص مثل «روميو وجولييت» و«تريستان وايزوت» و«هولويز وابيلار»... وكلها تمجّد الحب «حتى الموت».
الفصل الأخير من الكتاب يحمل عنوان: «احتضار الزواج». وهذا ما عبّرت عنه بشكل بليغ جملة الروائي الفرنسي الشهير «اندريه جيد » في عمله المعروف «الغذاء الأرضي» وجاء فيها «أيتها العائلة، إني أكرهك». وهي الجملة التي صدّر فيها المؤلف هذا الفصل. كذلك ينقل عن الكاتب «دانييل ريش» قوله في رواية «العصفور النادر» المنشورة عام 1902 أن «ميثاق وفاء الرجل هو مخالف للطبيعة الرجالية التي تنزع أساسا نحو تعدد النساء». الوجه الآخر لمثل هذه الأقوال هو بوضوح «احتضار الزواج».
*الكتاب:الحب في التاريخ الإنساني
*الناشر:فايار ـ باريس 2007
*الصفحات: 237 صفحة من القطع الكبير
Amours
Jacques Attali
Fayar- Paris 2007
P.237
