مجموعة من الباحثين الهنود بأغلبيتهم يساهمون في تقديم تحليل للعولمة المعاصرة وما رافقها من إصلاحات حكومية ومن تنمية في الهند. وقد ركّز هؤلاء الباحثون على دراسة الإصلاحات على مستوى الدولة ودراسة العوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية للعولمة فيما يتعلق بمسيرة الإصلاحات في البلاد.

ما يتفق عليه الجميع تقريبا هو أن العولمة بنسختها اللبرالية السائدة أدت إلى حدوث تغييرات كبيرة في الهند كما أثارت نقاشات عميقة على المستوى الوطني الهندي فيما يتعلق خاصة بالإصلاحات الاقتصادية التي كانت الحكومات الهندية المتعاقبة وراءها والتي لم تحظ بما تستحق من الدراسة. تتوزع مواد هذا الكتاب بصفحاته الـ 568 بين خمسة أقسام رئيسية، ساهم في كل منها عدد من المختصّين حسب اهتماماتهم. القسم الأول مكرّس لدراسة مفاهيم العولمة والحكومة وتطوير الإصلاحات. وبحث كامشوار شودري، المشرف على الكتاب، في مقدمته بإعادة التنظيم الدستوري في الهند ضمن إطار العولمة ثم يساهم آخرون في دراسة مكانة الديمقراطية في المجتمع الهندي وفي العلاقة بين المواطنة وآليات الحكم في عصر العولمة.

ويبحث القسم الثاني في مستوى الإصلاحات التي قامت بها الدولة ودورها في عملية التنمية. وتتم في هذا الفصل دراسة عدة حالات عيانية في مختلف المناطق الهندية مثل «بيهار» و«كوجرات» وغيرهما. والقسم الثالث يبحث في البعد الاجتماعي في التنمية الهندية على ضوء العولمة. ويتم تكريس عدة مساهمات في هذا القسم لدراسة آثار العولمة على القطاع الزراعي الواسع في الهند.

أما القسم الرابع فهو مكرّس لـ «الأبعاد الثقافية» في مسيرة الإصلاحات بالهند. وتتم دراسة هذا البعد من خلال العلاقة بين العولمة و«مجتمع المعلومات»، ودور وسائل الإعلام والاتصال. والقسم الخامس والأخير من الكتاب فموضوعه «الأبعاد السياسية» من زاوية العلاقة بين العولمة ومفهوم الأمة الهندية والحداثة.

كانت حركة الإصلاح الاقتصادية الصاعدة في الهند قد بدأت اعتبارا من سنوات الثمانينات الماضية. وتتم الإشارة هنا في العديد من التحليلات المقدّمة إلى أن الهند كانت قد تبنّت منذ حصولها على الاستقلال في مطلع سنوات الخمسينات من القرن الماضي إستراتيجية ترمي إلى تحقيق «الاكتفاء الذاتي» و«الاستقلال الذاتي» على الصعيد الاقتصادي.

وكان من مثل هذه الإستراتيجية أن أدّت، بابتعادها عن الاستيراد، إلى «تقهقر» مساهمة الهند في التجارة الدولية. وقد استمرت مثل تلك الحالة حتى أواسط عقد الثمانينات حيث اتخذت الحكومة القائمة آنذاك بعض الإصلاحات الجزئية التي أنعشت التنمية لكنها زادت في الوقت نفسه «الديون» على البلاد.

وكان من أزمة المدفوعات الخارجية التي انفجرت عام 1991 أن دفعت الحكومة إلى القيام بتغييرات عميقة في الإستراتيجية الاقتصادية كلها. ضمن هذا السياق، وبدعم من صندوق النقد الدولي قامت الحكومة الهندية بخطوات جديدة في سبيل تحرير اقتصادها وانفتاحه على العالم وقبل كل شيء على «اقتصاد السوق» تماشيا مع متطلبات العولمة اللبرالية. النتيجة المباشرة لبرامج «الإصلاحات البنيوية» التي جرى تنفيذها خلال سنوات التسعينات هي قدرة الهند في المحافظة على معدّل نمو اقتصاد سنوي مرتفع نسبيا بالقياس إلى معدلات النمو السابقة.

مع ذلك يتم التأكيد أيضا ضمن السياق نفسه، على أن الاقتصاد الهندي، ورغم الانفتاح الذي عرفه والذي لم تشهده البلاد منذ استقلالها، ظل في عداد الاقتصادات «الأكثر انغلاقا» في آسيا. وهذا ما تتم إعادته بشكل رئيسي إلى «تواضع» القطاع الصناعي الهندي من جهة ووجود محيط إقليمي لم يشجع على تطوير الاقتصاد الهندي، بل إنه على العكس، شكّل عقبة أمامه.

ثم إن الصادرات الهندية، النسيجية والزراعية بشكل رئيسي ولا تمتلك في الوقت نفسه مؤهلات قوية للمنافسة، ظلّت محدودة، لاسيما وأنها واجهت أيضا إجراءات حمائية كبيرة في الأسواق الدولية. لكن سياسات الإصلاح التي تبنّتها الحكومات الهندية ودفعها نحو الانخراط في «ديناميات» العولمة جعل الهند تأخذ بالتدريج موقعا متميزا في بعض القطاعات الجديدة والتي تتطلب «رأس مال إنساني» كبيرا مثل المعلوماتية وصناعات الأدوية والتكنولوجيات الحيوية (البيولوجية).

هكذا أصبحت الهند هي المصدّر الأول في العالم للخدمات المعلوماتية، قبل أيرلندا والولايات المتحدة، والمصدّر الأول أيضا في ميدان الأدوية «البديلة»، بمعنى «المنسوخة» عن أدوية مصنّعة قبلا. ويتم التأكيد في المساهمات العديدة المكرّسة للزراعة الهندية على أهمية هذا القطاع في الاقتصاد منذ الاستقلال.

ذلك أنه منذ فترة «الثورة الخضراء»التي شهدتها سنوات الستينات والسبعينات المنصرمة أصبحت السياسة الزراعية للهند تقوم على أساس تحقيق هدف «الاكتفاء الذاتي الغذائي» في بلد اشتهرت على أنها كانت أحد أكثر بلدان العالم فقرا.

وتشكل الزراعة في الهند أحد مصادر إيجاد فرص العمل حيث أن حوالي 65 بالمائة من السكان يعملون فيها وهي تحتل المرتبة الثانية في عائدات التصدير. وكانت الهند قد وقعت عام 1994 اتفاقا مع المنظمة العالمية للتجارة مما نتج عنه انفتاحا واضحا على الأسواق الدولية وبالتالي زيادة في مداخيل المنتجين الزراعيين الكبار، ذلك أن الصغار منهم ليسوا مؤهلين جيدا لمواجهة المنافسة العالمية.

وتتمثل إحدى الأفكار التي تتردد في مساهمات هذا الكتاب بالقول إن إحدى السمات الخاصة التي يتميز بها المجتمع الهندي هي أنه منظّم على أساس «نظام الطوائف» الذي يخلق أشكالا متعددة من عدم المساواة الاجتماعية وإنما «الاقتصادية» أيضا. وكانت الدولة الهندية قد أدركت منذ الاستقلال أن مثل هذا التنظيم يعيق التنمية وهكذا نصّ الدستور الهندي الأول على إلغاء طبقة «المنبوذين»، من أولئك الذين يشكلون مجموعة «دونية».

كما تضمّن الدستور نفسه إقرار سياسة «تمييز إيجابي»، وذلك بمعنى تفضيل تشغيل أفراد بعض الطوائف الفقيرة على الآخرين في فرص العمل بالإدارات والمؤسسات والمشاريع العامّة. لكن هذا لا يعني أنه ليس هناك حتى الآن عشرات الملايين من البائسين في الهند. وكانت الحكومة الهندية قد وافقت على الاقتراع على قانون يقضي بأن يشمل «التمييز الإيجابي» في التشغيل المؤسسات والمشاريع التابعة للقطاع الخاص.

وتتمثل النتائج التي يتم التوصل إليها بالقول إن اندماج الهند ـ والصين ـ في التجارة الدولية يشكل «السمة الأساسية للعولمة المعاصرة»، ذلك أن البلدين المعنيين يعيش فيهما أكثر من ملياري نسمة. ومن الواضح وفي الحالتين أيضا أن «ثورة» التكنولوجيات المتقدمة في قطاعات حساسة كالمعلوماتية والاتصالات قد أعطت نتائجها وساهمت في الاندماج أكثر في إطار العولمة.

لكن أيضا ونتيجة لتبني اللبرالية الاقتصادية كان لا بد من اتخاذ بعض الإجراءات «التقشفية» التي تصيب عامة المناطق الأكثر فقرا. وتدل الأرقام على أن هناك اليوم ما بين 300 إلى 400 مليون هندي لا يزالون يعيشون بـ «دولار واحد» يوميا. هذا رغم معدل نمو اقتصادي سنوي ما بين 6 بالمائة إلى 7 بالمائة. وهكذا هناك دائما للميدالية «وجهها الآخر»، وهذا ما يؤكده المساهمون في هذا الكتاب.

*الكتاب:االعولمة والإصلاحات الحكومية والتنمية في الهند

*الناشر:ساج بوبليكيشن لندن - نيودلهي 2007

*الصفحات: 568 صفحة من القطع المتوسط

Globalisation, governance reforms and development in India

Kameshwar Choudhary and age Pblication- London

New Delhi 2007

568 p .