تقدم لنا رواية «خروج الكاتب المحتجب» الكتاب الثامن والعشرون للروائي الأميركي الكبير فيليب روث والرواية التاسعة، وربما الأخيرة، التي تبرز فيها شخصية ناتان زكرمان التي استأثرت بثلث الأعمال الروائية للكاتب الشهير.في هذه الرواية يعود زكرمان إلى نيويورك ليجد أن كل شيء قد تغير بعد ابتعاده عنها أحد عشر عاماً.

وقد ظل طوال هذه الأعوام وحيداً في داره الواقعة على جبل في نيوانجلاند، وهو لم يكن إلا كاتباً، بلا صوت، بلا أجهزة إعلام، بلا نساء، بلا أخبار، بلا مهام أخرى يكلف بها إلا عمله واحتمال الشيخوخة. الاتصال الأول هو مع شابين يعرض عليهما، في لحظة اندفاع مفاجئة، تبادل بينهم، وبهذا يتاح لهما أن يهربا من مانهاتن ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأن يحصلا على ملاذه الريفي. أما هو فسوف يعود إلى مدينة عمره، ولكن منذ اللحظة التي يقابلهما فيها فإنه يرغب كذلك في أن يبادلهما غربته لقاء التحدي الإروتيكي الذي تطرحه الشابة جايمي، التي تجتذبه فتنتها إلى كل ما يعتقد أنه قد تركه وراءه، أي الحميمية وتلاعب الفؤاد والجسم المتوهج بالنبض. الاتصال الثاني يتم مع شخصية تنتمي إلى شباب زكرمان، وهي إيمي بيليت، رفيقة بطل زكرمان الأدبي الأول وملهمته، إي. آي. لونوف.

وإيمي التي كانت ذات يوم امرأة لا تقاوم هي الآن عجوز استنفد المرض حيويتها، تحرس ذكرى ذلك الكاتب الأميركي المتقشف الذي قاد زكرمان إلى الدرب المنعزل المفضي إلى مهنة الكتابة. الاتصال الثالث يتم مع الكاتب المنتظر لسيرة حياة لونوف، وهو أديب شاب على استعداد للقيام بأي شيء وقول أي شيء للوصول إلى سرلونوف الكبير.

وهكذا يجد زكرمان نفسه متورطاً على نحو لم يقصد قط أن يتورط به مجدداً في الحب والحداد والرغبة والعداء، ومن ثم فإنه يخوض غمار دراما داخلية من الإمكانيات المتألقة والمؤلمة. هكذا فإن «خروج الكاتب المحتجب» التي تحمل بصمة الرواية السابقة «الكاتب المحتجب» تعد قفزة مدهشة إلى مرحلة أخرى في التزام هذا الكاتب الكبير بالرواية.

وربما كان الوصف الأكثر دقة وتوفيقاً لهذه الرواية هو الذي طرحته الكاتبة متشيكو كاكوتاني في مقال مطول لها في صحيفة «نيو يورك تايمز» حيث أشارت إلى أنها تأمل كئيب، وطريف أحياناً، في الشيخوخة والفناء والعزلة والخسائر التي تجيء مع مرور الوقت.

وهي تقول إن هذه الرواية إذا قورنت بالثلاثية الكبيرة لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تضم الروايات «الرعوية الأميركية» و«تزوجت شيوعياً» و«اللطخة البشرية» التي تحولت إلى تسجيل جريء للبراءة وخيبة الأمل الأميركيتين، فإنها تعد بالقطع انجازاً متواضعاً، ولكنها تعطي احساساً بانفعال يملأ القلب لا نجده في روايات مثل «الوحش المتحضر».

وبالتالي تقدم خاتمة موجعة لقصة ناتان زكرمان، وتضع النقاط على الحروف بالنسبة لرحلته من المثالية والعاطفة في صدر الشباب عبر حيرة منتصف الحياة وانفعالها وصولاً إلى الشيخوخة الموجعة.

وفي مقال مهم عن هذه الرواية بعنوان «غسق موهبة؟» كتبه برايان تشييت يشير الكاتب إلى أن رواية «خروج الكاتب المحتجب» تدور حول ما إذا كان من الحكمة أو من الممكن بالنسبة لزكرمان الموغل في العمر أن يبدأ من جديد وأن يعاود الاشتباك مع عالم السياسة والجنس والثقافة.

ولا يتردد الكاتب في الإشارة إلى أن روث، شأن زكرمان، في غسق موهبته، وأن الرواية فيها جوانب كثيرة تخلو من النبض، الدم والحياة.

ومن المهم بالقدر نفسه أن نلاحظ أن الناقد باتريك كيرب في السطر الأخير من مراجعة طويلة للرواية في موقع «كرون» الالكتروني المتخصص يتمنى حياة منتجة طويلة لروث ولكنه يطالب بخروج زكرمان بعد أن أطل في الرواية التاسعة التي تدور حوله.

وبدورها تشير سارة تشيرشويل في مقابل لها في صحيفة «الغارديان» عن الرواية إلى أن زكرمان يكمل دائرة مسيرته بالعودة إلى نقطة البداية، وإلى أنه يتخلى عن الإمكانيات المدهشة المتاحة له عند نقطة الانتهاء من أجل سلاسل من الحوارات الفانتازية بين البطلين زكرمان وجايمي، التي تشير إلى أن زكرمان يفقد موهبته بالتأكيد إن لم يكن سيطرته على المواقف التي يخوض غمارها.

وفي النهاية تظل رواية «خروج الكاتب المحتجب» عملاً حافلاً بالتحديات بالنسبة للقاريء، وربما من هذا على وجه الدقة تستمد جدارتها بالقراءة، ربما لأكثر من مرة، وعلى أكثر من صعيد.

حديث عن جايمي

«هكذا حدثني، مفصلاً القول عن انجازات جايمي، عن كنكيد، المدرسة الخاصة الحصرية في هيوستون التي أتمت الدراسة فيها، عن مسار حياتها الأكاديمية المرصعة بالنجوم في جامعة هارفارد.

حيث تخرجت بامتياز مع مرتبة الشرف، عن ريفر أوكس، ذلك الحي المترف والموحي بالثراء في هيوستون، الذي لعبت فيه التنس، ومارست رياضات السباحة على اختلاف أنواعها، وبرزت في العروض الأولى، على الرغم من أنها لم تكن متحمسة لها تماماً، وعن الأم التقليدية التي حاولت جاهدة تفهمها واستيعابها، وعن الأب صعب المراس الذي لم تتمكن أبداً من إرضائه».

مقتطف من رواية «خروج الكاتب المحتجب»

*الكتاب:خروج الكاتب المحتجب

*الناشر:هيوتون مفلين ـ لندن 2007

*الصفحات:304 صفحات من القطع المتوسط

Exit Chost

Philip Roth

Houghton Mifflin- London 2007

P.403