بمبادرة من الناقد جيمس موستش، أجرى موقع بارنز أند نوبل الثقافي المتخصص في عروض الكتب هذا الحوار مع الكاتب الأميركي فيليب روث بمناسبة صدور روايته «خروج الكاتب المحتجب» التي أعلن أنها الرواية التاسعة والأخيرة التي يظهر فيها بطله ناتان زكرمان، الذي تشكل الأعمال التي ظهر فيها ما يعادل ثلث كتبه البالغ عددها 28 كتاباً.

حيث أعرب روث عن اعتقاده بتراجع اهتمام الجمهور الأميركي بالرواية، وركز على سببين محددين في معرض تفسير هذا التراجع، وألقى الضوء على جوانب من عالمه الروائي الرحب وبصفة خاصة الروايات التي يتصدى زكرمان لبطولتها والتي تواصلت عبر ثلاثين عاماً وعلى امتداد 2600 صفحة.

وفيما يلي نص الحوار:

*دعنا نبدأ بالطريقة التي تستحضر بها رواية «خروج الكاتب المحتجب» في شخصية إيمي بيليت ملهمة رواية «الكاتب المحتجب» وتلتقط بصورة مباشرة الموضوع المعلن في تلك الرواية الأولى التي تظهر فيها شخصية ناتان زكرمان، أي وظيفة الكاتب الأميركي. هل تعتقد أن زكرمان قد تعلم أي شيء حول تلك الوظيفة في السنوات الخمسين التي انقضت بين الأحداث الواردة في الكتابين؟

ـ آمل ذلك. يا إلهي! من المؤكد أن ذلك قد حدث، فالكتاب الأول يبدأ وهو في أوائل العشرينات من عمره والكتاب الأخير ينتهي وقد تجاوز السبعينات من العمر. وهكذا فقد انقضى خمسون عاماً، وقد خاض غمار العديد من التجارب، وهي تجارب تعرض لها ككاتب وإنسان، حيث التقى بالكثير من الناس واطلع على العديد من القصص. وهو مراقب ومسجل حريص على الحياة من حوله، وهكذا فقد تعلم الكثير.

* أي شعور بملحمة كبرى كان لديك وأنت تعكف على كتابة الأجزاء المختلفة لما يمكن أن نسميه بمجمل أعمال زكرمان؟

ـ لقد نما هذا الشيء من تلقاء ذاته، ولم تكن لديَّ خطة شاملة فيما يتعلق به. وعندما قمت بتأليف الكتاب الأول لم أكن أدري أنه سيمتد إلى كتب أخرى، ثم جاء الكتاب الثاني، وهو «زكرمان طليقاً»، وجاء كتاب ثالث، وهو «درس التشريح» ورابع هو «حفل براغ» ثم توقفت لفترة. ومن جديد فإنني لم أتوقف لأنني كنت أخطط لشيء في المستقبل، حيث كانت لديَّ كتب أخرى أقوم بتأليفها. أعتقد أنني قمت بتأليف 28 كتاباً، ومن بينها 9 كتب تدور حول زكرمان.

وهذا يعني أن كتاباً من كل ثلاثة كتب ألفتها يدور حول زكرمان، وهكذا فإنه على امتداد وقت طويل، ثلثي الوقت، كنت أقوم بتأليف أشياء أخرى. وهكذا فإن هذا الشيء قد تراكم من تلقاء نفسه ومن دون رؤية مسبقة من جانبي.

* تنتقل رواية «خروج الكاتب المحتجب» من اللوحات السياسية والثقافية الكبرى الواردة في روايات الثلاثية الثانية وهي «الرعوية الأميركية» و«تزوجت شيوعياً» و«اللطخة البشرية» إلى منظور أكثر حميمية فيما يتعلق بتجربة زكرمان. هل نبع ذلك من رغبة في العودة إلى البداية وربط الأشياء معاً؟

ـ لقد بدا لي أن ذلك هو الموضع الطبيعي للانتهاء، للعودة إلى زكرمان باعتباره الممثل المحوري في هذه الدراما. وكما تلاحظ فقبل هذا كانت هناك ثلاثة كتب لم يكن زكرمان فيها الممثل المحوري، وإنما هو أقرب إلى العقلية القائمة بالتسجيل. ولكنني ظننت بأن الالتزام بالنسبة لي هو أن أنتهي به، وبصفة خاصة أنا أحمل على محمل الجد سرطان البروستاتا الذي يتحدث عنه للمرة الأولى في رواية «الرعوية الأميركية».

* تتوافق رواية «الكاتب المحتجب» مع رواية «خروج الكاتب المحتجب» في العديد من الجوانب، وبنية العملين متشابهة للغاية، ومن المدهش اكتشاف أنك لم تعاود قراءة الرواية الأولى خلال عكوفك على تأليف الرواية الثانية.

ـ لا، لم أعاود قراءتها.

*يبدو لي أن الرواية بالنسبة لك تمثل عالمها الخاص من التخوف، وهو عالم تخيلي أكثر مما هو موضوعي أو ذاتي، ومن بعض الجوانب أكثر صدقاً بالنسبة لتجربتنا الواقعية بسبب ذلك. وما تقوله البطلة إيمي في رسالتها «الرواية الجدية تتجاوز كتابة النثر والتوصيف، ومن هنا فإنها تقتضي التفكير» قد يكون شيئاً يمكن لك أن تقوله بنفسك. كيف يمكن استخدام الأدب للتفكير.

ـ على سبيل المثال، دعنا نعد إلى لحظة مونيكا لوينسكي ـ بيل كلينتون في التاريخ الأميركي. كان حرياً بي أن أتوقع عند منعطف ما أن الناس قد يتحدثون عن روايات جون أبدايك، وأنهم سيقولون: (كما في روايات أبدايك فقد حدث كذا وكيت) وذلك في غمار البحث عن التحفيز على الجانبين كليهما، أي جانب لوينسكي وجانب كلينتون.

ولكن بدلاً من ذلك فإنك تحصل على إحالات إلى أفلام السينما أو إلى التلفزيون. وهكذا فإن هناك مثالاً متواضعاً لالتفات الناس إلى الإحالة الثقافية إلى شيء آخر غير الكتاب. وأعتقد أنه عندما تم توسيع نطاق حياة الراشدين من خلال قراءة الرواية فإنه كان بمقدورهم إحالة ما يقرأونه إلى الحياة، والآن لا يتم القيام بذلك، ويرجع ذلك أولا إلى أن الجمهور نفسه قد تقلص حجمه إلى حد كبير، وثانيا يبدو أن الناس أصبحوا لا يعرفون أن بمقدورهم استخدام الرواية للتفكير في حياتهم.

*هل تعتقد أن نوعية التفكير الذي تثيره الرواية مختلفة عن التفكير الذي تثيره الأفلام أو برامج التلفزيون؟

ـ سأقول ان الرواية الجيدة تثير شيئاً مختلفاً عما تثيره الأفلام وبرامج التلفزيون. وعندما يشير الناس إلى الأفلام أو إلى برامج التلفزيون فإنهم يتحدثون عن «شخصية ميريل ستريب». أليس كذلك؟ ويقولون: «ثم قامت شخصية ميريل ستريب بفعل هذا أو ذاك».

وعندما تتحدث عن رابيت أبجستروم، الذي أبدعه جون أبدايك، فإنك تتحدث عن شخص له هوية بالنسبة لك باعتباره شخصية روائية كاملة. أعتقد أنه في ذلك الاختيار للكلمات على وجه الدقة تحصل على الفارق بين تأثير الرواية من ناحية وتأثير أفلام السينما وبرامج التلفزيون من ناحية أخرى.

* هل تعتقد أن زكرمان لا يزال شخصية جادة في رواية «خروج الكاتب المحتجب»؟

ـ إنه شخصية جادة للغاية في ذلك الكتاب. وهذا الكتاب ليس قوياً فيما يتعلق بخفة الروح، وأعتقد أن هناك لحظات يقال فيها شيء طريف. وأعتقد أن كيلمان يقول أشياء طريفة بصورة مقصودة أو غير مقصودة. ولكن زكرمان تسيطر عليه الجدية هنا. ولذا يمكننا بجدية أن نتحدث عن «خروج الكاتب المحتجب».

* دعنا نعد إلى حالة الأدب. هل في تقديرك على نحو ما يرد في السطر الأخير من رواية «خروج الكاتب المحتجب» أن محوريته الثقافية قد انتهت للأبد؟

ـ نعم، إنني على يقين من ذلك، لقد انتهت للأبد. ولا يزال لها بعض التأثير بالتأكيد، ولكنني أعتقد مع مضي الأعوام، في السنوات العشر أو العشرين أو الثلاثين المقبلة، أنها ستصبح أكثر نخبوية، وأن الناس سوف يقرأونها بطريقة تعكس الالتفاف حول كتاب بذواتهم، وأن الرواية لن يكون لها تأثير كبير على الإطلاق.

* ذلك احتمال مخيف؟

ـ هل توافق على ما أقوله؟

* أعتقد أنني أوافق على الصعيد الذهني، ولكنني أفضل الاستمرار تحت تأثير الوهم القائل بأن الأمر لن يكون كذلك. وعلى سبيل المثال، فإنني بعد أن قرأت هذه الكتب التسعة المتوهجة بالحيوية فيما يتعلق بالملاحظة والتجربة والمليئة بالحياة، فإنه يبدو لي أنه من الخسارة الكبرى القبول بهذا الطرح.

ـ إن لديك الهوائي الذي يمكنك من استقبال المادة الموجودة في الكتب، ولكن معظم الناس، وبصفة خاصة الشباب، فقدوا هذه الهوائيات، وهم لا يستطيعون استقبال الذبذبات الصادرة عن الكتب على الإطلاق، ثم هناك بالطبع الوقت المتاح لديهم للقراءة، وهو وقت محدود للغاية، لأنهم يتم اجتذابهم في اتجاهات أخرى بفعل كل هذه التقنيات.

محطات في مسيرة روث

* ولد الروائي الأميركي الكبير فيليب روث في عام 1933 في نيوآرك بنيوجيرسي ودرس على سول بيلو في جامعة شيكاغو.

* بدأ روث مسار حياته الإبداعية الطويل بإصدار روايته الأولى «وداعاً يا كولمبوس» في عام 1959 التي فاز عنها بجائزة الكتاب الوطنية الأميركية. ولكن رواية «شكوى بورتنوي» الصادرة في عام 1969 هي التي أدخلت كتبه في قائمة الكتب الأفضل مبيعاً، وعرفت أعماله قدراً هائلاً من النجاح في التسعينات، التي فاز فيها بكل الجوائز الأميركية الكبرى بما فيها جائزة بوليتزر في 1997 عن كتاب «الرعوية الأميركية».

* أصدر حتى الان 28 كتاباً، أحدثها روايته «خروج الكاتب المتحجب» التي تعد الرواية التاسعة والأخيرة التي تدور حول شخصية ناتان زكرمان.

منى مدكور