في كتابه الجديد «سؤال الإصلاح والهوية: من السياق السلفي إلى مشروع الحداثة»، الصادر عن دار «أفريقيا الشرق» بالدار البيضاء، يواصل الكاتب إبراهيم أعراب البحث في قضايا الإسلام السياسي وعلاقته بالحداثة.
يقدم قراءات في الفكر الإصلاحي الإسلامي بالمغرب ومساراته محاولا الإجابة عن مجموعة من التساؤلات الفكرية التي سبق له طرحها في كتابه السابق «الإسلام السياسي والحداثة»، وهي تساؤلات تتجه أساسا إلى النخبة التقليدية بالمغرب ذات المرجعية والتكوين الديني أو السلفي، وذلك من مثل: كيف يتحدد مفهوم الإصلاح لدى العلماء والفقهاء؟ وكيف يفسرون تقدم الآخر (أوروبا) وتأخر الذات (الأمة أو العالم الإسلامي) ؟ وكيف قرأوا وأولوا مفاهيم الحداثة وقيمها؟، وأي معنى لديهم عن الهوية والخصوصية والحداثة؟ وهل عملوا على مد الجسور بين الإسلام والحداثة، بين الخصوصي والكوني أم أنهم سلكوا مسلك التعارض والصدام بينهما؟.
ولمقاربة هذه الأسئلة وأخرى تتعلق بطبيعة العقل السلفي وتناقضاته، قام الكاتب بدراسة الفكر الإصلاحي المغربي من خلال شخصياته المتمثلة في: الفقيه أحمد بن خالد الناصري صاحب كتاب «الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى»، الفقيه محمد بن الحسن الحجوي صاحب مذكرات «انتحار المغرب بيد ثواره»، ابن المؤقت المراكشي صاحب رحلة «مرآة المساوئ الوقتية».
إضافة إلى مذكرات ونصوص كل من عبد الله كنون والمختار السوسي وعلال الفاسي ومحمد حسن الوزاني. وحتى تتضح معالم تلك النصوص وذلك الفكر السلفي الإصلاحي وعلاقته بالتحديث وأسئلته، قام الكاتب إبراهيم أعراب بتقسيم كتابه إلى أربعة أقسام هي: الإصلاح في الكتابة التاريخية، في مصادر الإصلاح وقضاياه وأسئلته، العلماء والإصلاح في السياق السلفي.
ثم من الإصلاح إلى مشروع الحداثة ونقد السلفية، وضمنها ببعض الكتابات المتأخرة لكل من المفكرين: محمد عابر الجابري، عبد الله العروي وعلي أومليل، وذلك حتى يتمكن القارئ من معرفة مفارقات وتناقضات ذلك الفكر الإصلاحي، الذي على الرغم من تعدد نصوصه وتنوع شخوصه وأزمنته، فقد رأى فيها الكاتب نصا واحدا تيمته المركزية هي الإصلاح في مرجعيته التقليدية بالمنطق السلفي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وأضاف أنها تدخل بالنسبة للسياق المغربي في إطار مشروع الهوية وبنائها، هذه «الهوية المخترعة والتي تحركها أحلام وأوهام الذات الجماعية في نزوعها للتميز وفي ردود فعلها على التهديد الأجنبي وفي مواجهتها لهيمنة الآخر وثقافته (الاستعمار ـ الغرب ـ أوروبا)، مما عمق سوء التفاهم مع هذا الآخر.
وأدى بالتالي لدى بعض من دعاة الإصلاح إلى الانغلاق الثقافي والارتياب من أي ابتكار أجنبي، وأدى بالبعض الآخر إلى اعتماد تحليلات أو تكتيكات في الأخذ والاقتباس من الآخر كالتأصيل والانتقائية والتلفيق وادعاء الأسبقية الزمنية. مما نتج عنه ظهور عدة مفارقات وتناقضات في وعي وممارسة النخبة الإصلاحية التقليدية في تعاملها مع ثقافة الآخر ومع الحداثة ومع كل ما هو كوني، بحكم ثقل الموروث الثقافي وضغط الهوية».
وفي ختام هذا الكتاب خلص الكاتب إلى مجموعة من الاستنتاجات الهامة من بينها أن أسئلة الإصلاح ومساراته ومفارقاته في الماضي ليست ببعيدة عن الأسئلة الثقافية والسياسية في الحاضر، خصوصا وأن الإصلاح في المغرب ما زال موضوع تفكير ومساءلة وسجال، وما زالت الدولة والنخب المثقفة والأحزاب تخوض فيه في: التعليم والسياسة والإدارة والقضاء والدستور...الخ.
وهذا الأمر ليس مقصورا على المغرب بل نجد أن المسألة الثقافية أصبحت لها الآن في المجتمعات العربية الإسلامية أهمية وخطورة لم تكن لها من قبل لأنها مسألة تتضمن عدة قضايا وأسئلة كبرى حول الهوية والدين والحداثة وحوار الثقافات ومستقبلها. وقد كان للتدخل الخارجي المستمر في شؤون هذه البلدان ولعامل العولمة راهنا دور في إذكاء وإحياء الهويات والخصوصيات الثقافية المحلية كرد فعل على محاولات تنميطها الثقافي.
ولفهم ردود الفعل الحالية تجاه العولمة كان من الواجب، كما قال المؤلف في مقدمة كتابه، النظر في مسألة الهوية وعلاقتها بأسئلة الإصلاح لدى نخبة من المصلحين والمثقفين السلفيين بالمغرب الذين وجدوا في مفهوم الإصلاح كمعطى تراثي إسلامي مرجعية ليست غريبة عن ثقافتهم، مما غذى نزوعاتهم الإصلاحية وشرعنة لدورهم كدعاة للإصلاح وفق مبدأي النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدعوى أن هناك انحرافات حدثت داخل مجتمعات الإسلام وأدت إلى ضعفها وانحطاطها.
غير أن هذه الدعوات الإصلاحية، كما يرى الكاتب، والتي تشكلت استجابة لمشاكل داخلية وكرد فعل على التهديد والخطر الخارجي، ساهمت بشكل كبير في تأجيج الثنائيات المرتبطة بالهوية: الذات ـ الآخر، الداخل ـ الخارج، الإسلام ـ الغرب، الإسلام ـ الحداثة.
وجعلت العقل السلفي أو الأصولي يزيد من تفاقم هذه الثنائيات ومن استمرار الفكر الصدامي والخلط بين الاستعمار والتمدن أو بين الحداثة والتغريب، مما يجعله يرفض ويعادي قيم الحداثة تحت هاجس الخوف على الهوية والأصالة، وهذا مظهر من مظاهر أزمة الثقافة العربية الإسلامية وعائق من العوائق الثقافية والذهنية التي جعلت الحداثة والإصلاح في المجتمعات العربية الإسلامية مشروعا مجهضا ويلاقي باستمرار الفشل والإخفاق.
سعيد شريف
*الكتاب:سؤال الإصلاح والهوية
*الناشر:أفريقيا الشرق - الدار البيضاء 2007
*الصفحات:304 صفحات من القطع المتوسط

