مارلين لارويل باحثة فرنسية مهتمة بالعالم الروسي منذ القديم حتى الوقت الراهن، سبق لها وقدمت العديد من الكتب أو ساهمت بالإشراف على إعدادها... ومن أهم مساهماتها «أسطورة آرية وحلم إمبريالي في روسيا خلال القرن التاسع» و«الروس في كازاخستان» و«الإسلام والسياسة في الاتحاد السوفييتي السابق» و«آسيا الوسطى والجنوح الاستبدادي»، الخ.

وتحت عنوان «الأحمر والأسود» تساهم مارلين لارويل، وتشرف على عمل جماعي مكرّس للبحث في «اليمين المتطرف والنزعة القومية في روسيا». ويتم التأكيد في المقدّمة العامة للكتاب على أن تحولات كبيرة قد حصلت في روسيا بعد انهيار النظام الشيوعي السابق وأدّت، فيما أدّت، إلى بروز «حركات جديدة» ذات انتماءات إيديولوجية يمينية متطرفة وأشكال متطرفة أيضاً من النزعات القومية الممتزجة في أحيان كثيرة بمسحات عقائدية دينية. إن عناوين الفصول الثمانية التي يتألف منها هذا الكتاب ذات دلالة واضحة على مضمونه. وقد جاءت كالتالي: «تعريف موضوع النزعة القومية الروسية ومكانتها في روسيا المعاصرة»، و«المجتمع الروسي أمام النزعة القومية بين مكافحتها أو السماح بها أو دعمها»، «حركة باميات،

أو مدرسة كوادر النزعة القومية والثقافة المضادة الشابة في روسيا ما بعد فترة الإصلاح»، «نحو مجتمع غير مدني: سياق انحطاط الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في روسيا ما بعد السوفييتية»، ظاهرة السكاينهيد في روسيا، وهل هي تعبير عن استياء لدى الشباب يتم تسييسه»، الآريون الجدد ونزعة مناهضة السامية»، وأخيراً: «الوثنية الجديدة ومدلولاتها».

المساهمون في هذا الكتاب يطرحون العديد من الأسئلة حول مسائل أثارت، ولا تزال تثير، الكثير من النقاشات في روسيا نفسها وخارجها أيضا. إنها مسائل تتعلق بالهوية الروسية بعد ثلاثة قرون من القيصرية وسبعة عقود من الشيوعية وخمس عشرة سنة من «الديمقراطية».

ولكن أيضا وخاصة في ظل وجود عدد كبير من الاثنيات والقوميات ذات المسارات التاريخية والثقافية المتباينة إلى هذا الحد أو ذاك والتي تعيش كلها اليوم في إطار «الفيدرالية الروسية». وأسئلة كثيرة أخرى تتعلق بكيفية تسيير «إرث الاتحاد السوفييتي السابق وكيفية لعب دور على المسرح الدولي والنموذج الاقتصادي الأفضل»، وقبل كل شيء كيفية التعامل مع المسألة القومية.

في مثل هذا السياق وجدت روسيا نفسها في مواجهة حالة من القلق فيما يخص قيمها الأساسية وإيديولوجيتها «البديلة» بعد سقوط الشيوعية. وفي مثل هذا السياق بدا «من الطبيعي» أن تبرز حركات يمينية متطرفة ذات إيديولوجيات «هجينة» تمزج أحياناً بين ستالين وهتلر وبين الوثنية والمسيحية وبين الأرثوذكسية المذهبية والعقيدة الشيوعية.

هذه الحركات اليمينية المتطرفة تصفها «مارلين لارويل» في المقدّمة-المساهمة الطويلة الممتدة على حوالي 50 صفحة بالتفصيل الدقيق. وهي تحلل آليات عودتها للظهور من جديد ابتداء من سنوات الإصلاح ـ البرسترويكا- في ظل ميخائيل غورباتشوف. هذا مع الإشارة إلى أن الحركات المعنية كانت طيلة سنوات الشيوعية أقرب بالأحرى إلى النظام وليس إلى المعارضة.

وتقول الكاتبة في هذا الإطار بوجود نوع من «التزامن» أو «التوازي» بين صعود فلاديمير بوتين وبروز النزعة القومية الروسية. ذلك أن «النزعة القومية تسيطر، بصورة أو بأخرى اليوم على مجمل المجال الانتخابي الروسي»، كما تقول.

وتضيف أنه باسم «عودة النظام» برزت نزعة وطنية روسية جديدة «تقترح إعادة صياغة للإيديولوجية السوفييتية السابقة وللنزعة القومية الروسية التقليدية في الوقت نفسه، وذلك بعد عملية تحديث إعادة الصياغة على ضوء الظروف ما بعد السوفييتية».

ويتم التأكيد في العديد من مساهمات هذا الكتاب على أن التيارات القومية الأساسية في روسيا تجد مرجعياتها غالباً لدى الكنيسة الأرثوذكسية وذلك على اعتبار أن هذه الكنيسة تمثل التجسيد «الأكثر إخلاصاً» للهوية الوطنية الروسية.

هنا تفتح مارلين لارويل قوسين كي تنبّه القارئ إلى عدم الوقوع في «التبسيط»، وتقول إنه إذا كانت التيارات القومية تكثر من مرجعياتها الأرثوذكسية فإنها في الوقت نفسه لا تقصد التيارات الإصلاحية الموجودة داخل الكنيسة المعنية نفسها، وإنما تعتمد على التيارات الأكثر تشدداً.

مع ذلك يتم التأكيد في نفس الإطار على أن «الرجوع» إلى الكنيسة الأرثوذكسية لا تتم ترجمته بزيادة ممارسة الطقوس الدينية، فبهذه الممارسة لا تزال ضعيفة. تقول الكاتبة: «إن الوضع المعاصر يكشف عن أهمية استخدام الواقع الديني كمرجعية سياسية وعن دوره الكبير جداً فيما يتعلق بمسألة الهوية».

وتتمثل إحدى الظواهر التي يتم التأكيد عليها عند دراسته دول العامل العقائدي في تنشيط الحركات اليمينية المتطرفة الروسية في القول إن التاريخ الروسي نفسه قد عرف الكثير من التعرجات ومن التنوع خلال مسيرته كلها.

فمنذ التجمعات الشعبية السلافية الأولى وصولاً إلى المجتمع السوفييتي ومروراً بفترات الإمارات التي عرفتها فترة العصور الوسطى وبعدها الحقبة القيصرية بقرونها الثلاثة عرفت روسيا أشكالاً مختلفة من «الأساطير المؤسسة» التي تجد دائماً من يحنّون إليها.

وهكذا يتم تكريس فصل في الكتاب لدراسة ما تتم تسميته بـ «الحقبة الوثنية»، أي تلك التي تخص التاريخ الروسي ما قبل وصول المسيحية الأرثوذكسية خلال القرن العاشر الميلادي. وما يتم تأكيده هو أن لتلك الحقبة القديمة «من يحنّون» لها في أوساط اليمين المتطرف الروسي، كما يوجد من يعتبرون أنه «ليس روسياً من ليس مسيحياً».

ومن خلال تعدد المرجعيات التاريخية والعقائدية والفكرية تعرف الحركات اليمينية المتطرفة الروسية تنوعاً كبيراً هي الأخرى إذا بينها «الأحمر ممن يريدون العودة إلى «أمجاد» الاتحاد السوفييتي و«الأحمر» ممن يريدون العودة إلى الحقب السابقة».

وفي محاولة لرسم لوحة «بانورامية» لحركات اليمين المتطرف التي انبثقت مؤخراً في المشهد السياسي الروسي تسمح مساهمات هذا الكتاب بإيجاد خليط عجيب في تنافره لهذه الحركات إذ فيها من يمجّد النازية ومن يطالب بالتقارب مع المسلمين من أجل محاربة «الصهاينة الأميركيين» ولكن أيضاً من يريد الاقتراب من إسرائيل من أجل محاربة المسلمين، وأيضاً من يرفعون عالياً الإيديولوجية الشيوعية بينما يرفع آخرون راية القيصرية.

ويشير فكتور شنيرلمان في مساهمته عن «الآريين الجدد» إلى أن بعض الحركات اليمينية المتطرفة تتداول فيما بينها كتاباً جرى نسخه من مخطوط قديم كان محفوراً على الخشب. و«يدافع عن القيم الوثنية في مواجهة المسيحية التي يتم اعتبارها غريبة عن التقاليد السلافية وأنه جرى فرضها بالقوة على البلاد». كذلك يقدم هذا «الكتاب» المزعوم صورة مثالية لعالم وثني مسالم يبعد عن العنف.

وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى أن أغلبية المؤرخين وفقهاء اللغة لا يعتقدون أبداً بمصداقية هذا الكتاب ـ الوثيقة التي تعود بداية تداولها، كما يشار، في الاتحاد السوفييتي إلى مطلع سنوات السبعينات المنصرمة. لكن بكل الحالات تُبدي الأوساط القومية المتطرفة الروسية حماساً لهذا النص الذي يمجّد أيضاً العالم السلافي القديم.

بشكل عام، وتحت شعار «الحس الوطني» القائم على أساس نزعة قومية تُبدي التيارات اليمينية المتطرفة في روسيا الحالية نوعاً من «الحذر المشترك» حيال العالم الخارجي. ويجمع بينها كلها أيضاً أنها تلعب على العواطف الوطنية والانتماء إلى الأمة الروسية،

وهذا الاستخدام للإيديولوجية القومية يجد «تسهيلات» في الانتشار بين الأوساط الشعبية خاصة بسبب السياسة التي انتهجها نظام الرئيس فلاديمير بوتين والذي لم يتردد في العزف على النغمة نفسها«الوطنية»، بل وكان قد جعل من الحرب الشيشانية «عدم التفريط» بالحقوق القومية العصب الرئيسي لحملته الانتخابية الرئاسية الأولى.

ويتم التأكيد في الخاتمة النهائية للكتاب أن المجموعات اليمينية المتطرفة الروسية ذات المرجعيات الإيديولوجية القومية لا تحظى بالمعاملة نفسها من النظام القائم وذلك تبعاً لموقفها هي منه والذي يتراوح بين العداء السافر، إلى درجة أن بعض هذه المجموعات يعيش حياة سريّة، وبين التأييد «السافر» أيضا.

كما يتم التأكيد على أن المجموعات المعنية ليست لها الدرجة نفسها من التأثير على النقاشات الجارية داخل المجتمع الروسي الذي يعيش بشكل واضح حالة صراع بين مختلف الأفكار، من أكثرها جدّة إلى أكثرها قدماً، وذلك بحثاً عن حالة توازن لا تزال غير قائمة بشكل ثابت لروسيا ما بعد الشيوعية.

تجدر الإشارة إلى أن المساهمين في هذا العمل ينتمون إلى جنسيات مختلفة، فرنسية وألمانية وروسية ولكنهم يؤكدون جميعاً أن الحركات اليمينية المتطرفة الروسية ليست ذات وزن «تمثيلي» كبير بسبب قلّة عددها وتشرذمها وافتقادها إلى أحزاب بارزة. لكنها مع ذلك ذات «نفوذ» مهم في البلاد، في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة.

*الكتاب:الأحمر والأسود : اليمين المتطرف والنزعة القومية في روسيا

*الناشر: المركز القومي للبحث العلمي باريس 2007

*الصفحات:261 صفحة من القطع المتوسط

Le rouge et le noir, extrême: droite et nationalisme en Russie

CNR2 éditions- Paris 2007

P.261