مؤلف هذا الكتاب أشهر من نار على علم في فرنسا: إنه الأديب والمفكر جان دورميسون صاحب الكتب المعروفة التي تباع بمئات الألوف. وهو عضو في الأكاديمية الفرنسية وأحد كبار منظّري اليمين الفرنسي المعتدل ذي الحساسية الديغولية.

وهذا الكتاب هو عبارة عن تجميع لمقالاته الثقافية التي نشرها في الجرائد الفرنسية على مدار ربع القرن الماضي. ولكنه استبعد منه مقالاته السياسية. على اعتبار أن الثقافة هي وحدها التي تبقى في نهاية المطاف، أما السياسة فمرهونة بوقتها وتذهب أدراج الرياح.

يتحدث جان دورميسون في هذا الكتاب عن معظم الأدباء والفلاسفة الذين تعرف عليهم عن كثب من أمثال: ريمون آرون الذي كان أستاذه في جريدة «الفيغارو»، وجان بول سارتر، وفيليب سولير، وميشيل فوكو، والبير كامو، وفرانسوا مورياك، وفيرنان بروديل، وجورج ديموزيل، وعشرات الآخرين.

وفي معظم الأحيان نلاحظ أن هذا الكتاب مؤلف من عروض كتب كان جان دورميسون قد قرأها وأعجب بها لهؤلاء الكتاب بالذات أو لسواهم. وكان ينشر عروض الكتب هذه في الملحق الأدبي الأسبوعي لجريدة «الفيغارو» الذي يظهر كل يوم خميس. وهو من أهم الملاحق الثقافية بالإضافة إلى ملحق جريدة «لوموند» وملحق جريدة «ليبيراسيون».

يقول مثلا عن كتاب فيليب سولير: حرب الذوق، إن سوليرز هو الأول في صفه. ويمكن أن نغفر له كل زلاته وأخطائه لسبب بسيط هو أنه يحب الأدب حبا جما. يمكنك أن تتهم سولير بكل التهم ماعدا كرهه للأدب بشعره ونثره. إنه أحد كبار ذواقة الأدب في عصرنا.

وعلى الرغم من أنه ينتمي إلى جيل تلامذتي إلا أني معجب به جدا. فهو يتحدث في كتابه عن كبار الأدباء الفرنسيين والعالميين بكل تمكن واقتدار. إنه يعرف نقاط قوة وضعف كل أديب. ومن الممتع أن نقرأ رأيه في فولتير، أو شاتوبريان، أو ارنست همنغواي، أو رامبو، أو آرتو، أو سيلين، الخ.

لقد عابوا على سولير اتباعه للصرعات الدارجة، فعندما طغت موجة اليسار المتطرف على طريقة ماوتسي تونغ كان ماويا، وعندما طغت الموجة اليمينية أصبح يمينيا بل من محبي البابا يوحنا بولس الثاني.

وبالتالي فهو يتغير بتغير الرياح الايديولوجية التي تهب على باريس. ولكن كما قلت لكم فإن حبه للأدب يغفر له كل شيء. فهو يعرف كيف يقرأ فولتير ويعجب به ويتذوقه كما لا يفعل أحد قط. ويعرف قيمة شعر رامبو، أو روايات همنغواي، وحسبه ذلك فخرا.

وأما عن ريمون آرون فيقول جان دورميسون ما معناه: لقد كان من كبار المفكرين في عصرنا. وقد عاشرته لعدة سنوات عندما كنت مساعده في جريدة «الفيغارو». ونلت من علمه وتوجيهاته الشيء الكثير. وهو صاحب الكتب الضخمة عن علم الاجتماع الألماني وفلسفة التاريخ. وعلى الرغم من عدائه للشيوعية والاتحاد السوفييتي إلا أنه كان من أكثر المعجبين بماركس.

وقد ظل يحاوره طيلة حياته كلها عن طريق قراءة كتبه وشرحها والتعليق عليها. ولكن على الرغم من إعجابه بعبقريته قال عنه: لقد قال أو سمح للآخرين بأن يقولوا عنه وباسمه كل شيء تماما مثلما حصل لنيتشه وفرويد. فالماركسيون يمكن أن يقولوا الشيء وعكسه وينسبونه إلى ماركس.

ثم يضيف جان دورميسون قائلا: في أواخر أيامه عبر لي ريمون آرون عن رغبته في دخول الأكاديمية الفرنسية. ومعلوم أن كبار شخصيات فرنسا يحبون أن يختتمون حياتهم بها. وقال لي: قم بعملية استطلاع أو جس نبض بمعرفة الأجواء ومدى حظي في الحصول على مقعد للخالدين هناك. ومعلوم أن كل عضو جديد ينبغي أن ينتخب من قبل الأعضاء الموجودين. وأحيانا تحصل عدة دورات انتخابية من أجل الفصل بين المرشحين.

وبعد أن ذهب دورميسون إلى هناك واستجوب الأكاديميين واستطلع الأجواء عاد إلى ريمون آرون وقال له: ليس لك أي حظ في النجاح لأن هناك خمس مجموعات ضدك: أي كل الأكاديمية. فأعداء السامية ضدك لأنك يهودي،

واليهود ضدك لأنك لست يهوديا بما فيه الكفاية. والديغوليون ضدك لأنك على الرغم من اتباعك لديغول كنت تنتقده أحيانا. وأعداء الديغولية ضدك لأنك كنت ديغوليا والتحقت بالجنرال في لندن أثناء الحرب العالمية الثانية.

قال له: وما هي المجموعة الخامسة التي تقف ضدي أيضا؟ فأجابه دورميسون: كل ما تبقى من أعضاء الأكاديمية لأنهم يعرفون أنك أذكى منهم بكثير. وبالتالي فأنصحك بعدم ترشيح نفسك. وهذا ما حصل. وعلى هذا النحو مات ريمون آرون دون أن يصبح عضوا في الأكاديمية الفرنسية.

وأما عن سارتر فيقول جان دورميسون ما معناه: لقد سيطر على الساحة الثقافية الفرنسية كإمبراطور متوج طيلة أربعين سنة تقريبا. ومارس هيمنة مطلقة على جميع المثقفين الآخرين ومن لم يخضع له سحقه سحقا. وهذا ما حصل للمسكين البير كامو الذي أذلّه بعد أن اختلف معه. وبقدر ما كان ديغول رئيسا للسياسة كان سارتر رئيسا للثقافة.

كما وحصل الشيء نفسه لريمون آرون فقد كان سارتر يحتقره احتقارا شديدا ويعتبره عميلا للرأسمالية والمعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. ومعلوم أن سارتر قال عبارته الشهيرة: كل من ليس مع الحزب الشيوعي أو المعسكر الاشتراكي فهو كلب.

وبالتالي بريمون آرون في نظره لم يكن إلا كلبا ينبح عند الرأسماليين ويدافع عنهم. ولكن فيما بعد انكشفت أخطاء سارتر السياسية. وعرف الناس أنه لم يكن محللا سياسيا بارعا ولا دقيقا على عكس صديقه اللدود ريمون آرون. ومعلوم أنهما كانا زميلين على مقاعد الدراسة قبل أن تفرق بينهما الأيام والسياسة لاحقا. بل إن ريمون آرون هو الذي جعل سارتر يكتشف الفلسفة الألمانية لأول مرة.

وبعدئذ ينتقل جان دورميسون للتحدث عن منافس سارتر على عرش الفلسفة الفرنسية. إنه ميشيل فوكو. ويقول بما معناه: ظل سارتر مهيمنا على عرش الفكر الفرنسي حتى ظهر فوكو وكتابه الشهير: الكلمات والأشياء. عندئذ أحس سارتر بأن الأرض تميد من تحت قدميه وأن عرشه ابتدأ يهتز ويتزعزع. ولذلك سارع إلى مهاجمة الكتاب وصاحبه متهما إياه بأنه آخر متراس تقيمه البورجوازية ضد ماركس.

ولكن هجومه لم يجد نفعا. فقد استطاع فوكو أن يحل محله بكل جدارة واقتدار. وهكذا حلت البنيوية محل الوجودية كفلسفة مهيمنة. وحصل ذلك في أواخر الستينات من القرن الماضي. ولكن العداء بين الرجلين لم يستحكم مثلما حصل بين آرون وسارتر لسبب بسيط: هو أن فوكو كان ينتمي إلى معسكر اليسار مثل سارتر.

ولذلك تصالحا بل قاما بعدة أعمال سياسية مشتركة عندما تظاهرا لصالح العمال الأجانب في فرنسا مثلا بالإضافة إلى جان جينيه. ومعظم هؤلاء العمال من العرب أو المغاربة أو المسلمين والسود الأفارقة.

ومعلوم أن سارتر كان يحب جينيه كثيرا إلى درجة أنه لقبه باسم: القديس جينيه وكتب عنه كتابا ضخما. ولكن بعض الأوساط الثقافية الفرنسية حاربت جان جينيه بسبب مواقفه المؤيدة للقضية الفلسطينية.

ثم يضيف دورميسون قائلا بما معناه: على الرغم من كل الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى سارتر إلا أنه يبقى عملاق الأدب والفكر في القرن العشرين. وسبب هيمنته على كل المثقفين الآخرين هي أنه كان قادرا على أن يبدع في عدة مجالات دفعة واحدة: في الفلسفة، والرواية، والنقد الأدبي، والمسرح، بل حتى الصحافة والسينما.

كان سارتر أمة وحده. ولم تشهد فرنسا شخصية بمثل هذه العظمة منذ أيام فولتير وفيكتور هيغو.

ولذلك رفض ديغول أن يسجنه على الرغم من أنه تظاهر ضده بعنف وشتمه وشبهه بهتلر. قال ديغول لوزرائه: لا، لا أحد يسجنه فذهبت مثلا.

ولكن هذا العمل دليل على عظمة ديغول بقدر ما هو دليل على عظمة سارتر إن لم يكن أكثر. فلم يكن من السهل على قائد فرنسا الحرة أن يشبهه أحد بهتلر، هو الذي أمضى حياته في محاربته وتخليص فرنسا من براثنه. والواقع أن سارتر ارتكب هنا أكبر حماقة سياسية في حياته. فلا يوجد أي وجه شبيه بين هتلر وشارل ديغول. ولكن سارتر يبقى سارتر: أي مجد الآداب الفرنسية.

*الكتاب:رائحة الزمن

*الناشر:منشورات هيلويز - دورميسون 2007

*الصفحات : 475 صفحة من القطع المتوسط

Odeur du temps

Editions Heloise d'Ormesson Paris 2007

P.475