هذا كتاب جماعي اشترك فيه عدد من الباحثين لمناقشة فكرة «الجمهورية» منذ القرن الثامن عشر، أي منذ «عصر التنوير» وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين. وينتمي هؤلاء الباحثون إلى عدة مدارس ومشارب فكرية مختلفة وكذلك إلى عدة جنسيات من مختلف القارات. وقد خرج هذا العمل في جزءين.
تجدر الإشارة بداية إلى أن «فكرة الجمهورية» أخذت راهنيتها في فرنسا في أعقاب رفض الفرنسيين الموافقة في استفتاء عام على مشروع الاتفاقية الدستورية «الدستور الأوروبي» بتاريخ 29 مايو 2005، حيث قالت نسبة 55 بالمئة منهم «لا» للمشروع الذي كان قد أشرف على إعداده رئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق فاليري جيسكار ديستان. وفي معرض التساؤل حول أسباب ذلك الرفض تتم الإشارة في مقدمة هذا الكتاب إلى تفسير يقول إن الفرنسيين قالوا «لا» للدستور الأوروبي لأنه يهدد ب«انحلال» المشروع الجمهوري الفرنسي في الإطار الأوروبي الواسع.
ومعروف عن الفرنسيين تعلقهم الشديد بما يسمونه «الاستثناء الفرنسي» الذي قام عمليا منذ الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 وتميّز بتأكيده على البعد الاجتماعي في الإطار الجمهوري. ولا يتردد الفرنسيون أيضاً في «معارضة» موديلهم مع ما هو قائم في بقية البلدان الأوروبية بل وفي باقي بلدان العالم.
كذلك يتم التأكيد في الإطار الجمهوري الفرنسي على مسألة العلمانية باعتبارها أحد «المكاسب» التي تمّ تحقيقها عبر الصراع بين أفكار عصر التنوير ونزعة الهيمنة لدى الكنيسة الكاثوليكية. ومعروف أن فرنسا قد أكّدت على البعد العلماني في المسألة التربوية منذ سنوات السبعينات في القرن التاسع عشر عندما قرر «جول فيري»، في ظل الجمهورية الفرنسية الثالثة جعل المدرسة الابتدائية إجبارية ومجانية وعلمانية.
وجرى عندها إخراج جميع الصور ذات البعد المسيحي من المدارس الابتدائية الفرنسية العامة. ثم قامت فرنسا بخطوة أخرى في الطريق «العلماني» عام 1905، عندما تقرر فصل الدولة عن الكنائس. وتجدر الإشارة هنا أيضاً إلى أن بابا الفاتيكان «طرد» يومها من الإطار الكنسي جميع النواب الفرنسيين الذين اقترعوا لصالح فصل السلطات.
وتؤكد الشروحات المقدّمة في الكتاب على أن «العلمانية» بالطريقة التي يتم تطبيقها في فرنسا، لاسيما فيما يتعلق بالتأكيد على المواطنة بعيدا عن أي انتماء ديني، تشكل حالة فريدة في أوروبا نفسها، وحتى بالقياس إلى انجلترا وخاصة بالقياس إلى ألمانيا حيث لا يزال للكنيسة دورها في الحياة العامة، لاسيما فيما يتعلق بالمسائل التربوية.
ويعتبر بول باكيا، أحد المشرفين على هذا الكتاب والمساهمين فيه أن الفترة الذهبية للأفكار الجمهورية تقع ما بين عام 1863 حتى الحرب العالمية الأولى عام 1914. وقد شهدت فرنسا خلال هذه الفترة ازدهار الممارسات الجمهورية من انتخابات وغيرها. وهي الفترة التي شهدت أيضاً بروز شخصيتين جمهوريتين كبيرتين يحددهما الكاتب بـ «أوجين وكامي بيلوتان» اللذين قدّما عدة مساهمات تلقي الأضواء على التاريخ السياسي للقرن التاسع عشر في فرنسا.
ويرى بول باكيا أن الفترة الرئاسية للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، أي ما بين عام 2002 وربيع عام 2007، كانت مهيأة لتجسد «انبعاث» الفكرة الجمهورية، ذلك أنه فاز في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية بنسبة 82 بالمئة من أصوات الناخبين الذين اجتمعوا حول اسمه على أساس أنه يمثل التيار «الجمهوري» بمواجهة التيار اليميني المتطرف والشوفيني
ممثلا بخصمه جان ماري لوبن. لكن الكاتب يشير إلى أن شيراك لم «يقتنص» تلك الفرصة وإنما آثر عليها البقاء «أسير فئة محددة» وعدم كسر حالة الجمود المحيطة. ويؤكد أندريه بيلون، أحد المساهمين في الكتاب، والرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية، على أن «فكرة الجمهورية هي عبارة عن بناء مستمر ومستدام».
وإذا كانت قد بدأت عمليا مع عصر التنوير، وعرفت شكلها «الجنيني» مع اثينا اليونانية، فإنها لم تكتمل، ولن تكتمل نهائيا مرة واحدة وإلى الأبد. ويقول بهذا الصدد: «هناك الكثير من مواطني بلادنا يعتبرون أن المعركة من أجل الجمهورية قد اكتملت في حين أنها معركة دائمة».
ويضيف: «إن تقصّي مدى أصدائها في العالم يمثل مشروعا كبير الفائدة (...) ذلك أن إعادة بناء الجمهورية تتطلب إجراء جرد جدي في الزمان والمكان». ويتم التنبيه في هذا الكتاب إلى أنه ينبغي استخدام تعبير الجمهورية بكثير من الحذر،
ذلك أنه يمكن لهذا التعبير أن يطرح إشكاليات مختلفة بل ومضامين متباينة جدا تبعا للوضع السياسي المعني به. ففي ظل الملكيات الدستورية، مثل بريطانيا واسبانيا والعديد من البلدان غيرهما، يمكن للتوجه الجمهوري أن يعني بكل بساطة مجرد التطلع إلى القطيعة مع أي نظام استبدادي.
تبقى المسألة الأساسية هي معرفة طبيعة العلاقة بين الجمهورية والديمقراطية، ومثل هذه العلاقة ليست هي نفسها في ظل الأنظمة الشمولية والأنظمة الديمقراطية، وذلك من خلال التباين في النظرة إلى «الملكية العامة»، هذه الملكية العامة على الصعيد الإنساني تمثل بدورها إحدى التحديات الأساسية التي تواجهها العولمة، لاسيما من حيث المخاطر على البيئة.
بكل الحالات تؤكد مساهمات هذا الكتاب على الدور المركزي التاريخي، والراهن أيضا، الذي يلعبه النموذج «الموديل» الفرنسي كمرجعية «أساسية» لدى العديد من البلدان في القارة الأوروبية، ولكنه أيضاً في أميركا اللاتينية وإفريقيا حيث تمثل «السنغال» أحد الشواهد البارزة على ذلك،
ولكن أيضا، وربما خاصة، في تركيا حيث إن مصطفى كمال أتاتورك أراد أن يبني الجمهورية في بلاده على غرار الجمهورية الفرنسية. أما السمات الأساسية «للموديل» الفرنسي فيتم تحديدها في وجود دولة مركزية قوية والتأكيد على البعد الوطني وعلى العلمانية ودور التربية وخاصة على المضمون الاجتماعي.
كذلك يتم التأكيد على أنه للنموذج ـ الموديل ـ الفرنسي آثاره في العالم العربي والإسلامي. لكن «الجهل» الكبير في الغرب لحقيقة التطورات التي يشهدها هذا العالم يمنعه من رؤية حقيقة واقع «التحديث» الذي تشهده العديد من المجتمعات العربية والإسلامية، لاسيما من خلال تطور الجامعات وبواسطة القنوات التلفزيونية الفضائية، مع التأكيد على دور شبكة الانترنيت.
وتتمثل إحدى الأفكار المطروحة في الكتاب بالقول أن سقوط الشيوعية ونهاية الاستقطاب الثنائي الدولي الذي استمر قرابة سبعة عقود من الزمن أدى إلى بروز «سبيل ثالث»، بدأ وكأنه يمكن أن يكون بديلا لكل من الماركسية واللبرالية، أو ربما بتدقيق أكثر سبيل «بينهما» هو البديل الجمهوري.
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن اللبرالية «حسب النسخة الغربية» كانت قد تحالفت لفترة طويلة مع الأفكار الجمهورية من أجل الوقوف في وجه التوتاليتارية السوفييتية. ولكن مع سقوط الشيوعية دخلت اللبرالية نفسها في نوع من الصراع مع «الفكرة الجمهورية» بحثا عن فرض سيطرتها وحدها دون منازع.
أما في الولايات المتحدة التي يتم تصنيفها على أنها ذات «قرابة جمهورية» مع فرنسا، على أساس أن الاثنتين استلهمتا نموذجهما من أفكار عصر التنوير، هذا فضلا عن المكانة الاستثنائية التي اكتسبها الجنرال الفرنسي «لافاييت» الذي ساهم بنشاط في الحرب الأميركية من أجل الاستقلال، بل هناك من يقول إن جورج واشنطن نفسه هو من أصول فرنسية.
وما يتم التأكيد عليه بخصوص أميركا هو أن السمة الجمهورية قد تراجعت من الخطاب السياسي السائد لفائدة السمة «الديمقراطية». هذا على الرغم من أن أحد الحزبين الرئيسيين في البلاد يسمى «الحزب الجمهوري» بينما اختار الآخر عنوان «الحزب الديمقراطي».
لكن بكل الحالات تم التأكيد منذ البدايات الأولى على «الحرية» كمفهوم «مركزي» بينما أن المفهوم الجمهوري، الذي قال به الآباء المؤسسون، بقي غائما وغير محدد بشكل دقيق. أما في الفترة الراهنة فإن «نزعة التبشير الديمقراطي»، التي استعادها المحافظون الجدد بالتحالف مع «لبراليين» قدامى ذوي أصول يسارية، هي التي دفعت الجيوش الأميركية إلى شواطئ دجلة والفرات.
*الكتاب: الفكرة الجمهورية في العالم
*الناشر:لارماتان ـ باريس 2007
*الصفحات :193 صفحة من القطع المتوسط
L'idée républicaine dans le
L'Harmattan- Paris 2007
P.193

