مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور آدم شار الأستاذ في جامعة كارديف بانجلترا، وهو يقدم هنا قصة تلك العلاقة الاستثنائية التي تربط بين فكر هيدغر والكوخ الذي بناه في أعماق الغابة السوداء الواقعة في جبال الألب جنوب ألمانيا.

في الواقع أنه ليس كوخا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة وإنما هو عبارة عن بيت صغير مؤلف من ثلاث غرف.ولكن هيدغر هو الذي أطلق عليه اسم الكوخ، فذهبت الكلمة مثلا وأصبح الجميع يستخدمونها. وهناك كان يختلي أكبر فيلسوف في القرن العشرين لكي يكتب مؤلفاته الأساسية وذلك بدءاً من عام 1922. وكان مسحورا بتلك المنطقة الجبلية ذات الغابات العميقة والأشجار الرائعة. وفي مثل هذا الجو تفتحت عبقريته الفلسفية أو قل انفجرت انفجارا. يحصل ذلك إلى حد أنه قال بأن الجبال والمناظر الطبيعية الخلابة هي التي كانت تكتب الفكر والفلسفة والشعر من خلاله وليس هو.

ثم يقدم المؤلف لمحة عامة عن حياة فليسوف الألمان الشهير ويقول: ولد مارتن هيدغر في ألمانيا عام 1889 في مدينة صغيرة. وقد دخل المدرسة الابتدائية في تلك المدينة ثم أكمل دراساته الثانوية في مدينة أكبر كفريبورغ آن بريسغو. وقد درس علم اللاهوت في البداية وكان متدينا قبل أن يتحول إلى دراسة الآداب فالفلسفة حيث فقد تدينه الأولي.

ثم أصبح أستاذا في جامعة فريبورغ إلى جانب فيلسوف آخر أكبر منه سنا وشهرة هو: هوسيرل. وفي تلك الفترة أو بعدها بقليل ابتدأ هيدغر يختلي بنفسه في الغابة السوداء وبالتحديد في البيت الصغير الذي بناه فيها ودعاه بالكوخ. وهناك ألف كتابه الشهير: الوجود والزمان وقد ترجمه إلى العربية عبد الرحمن بدوي.

والواقع أن خلوات هيدغر في ذلك الكوخ المعزول عن البشر أتاح له أن يسمع صوت الطبيعة وأن يبتعد عن ضجيج العواصم والمدن الكبرى. ومعلوم أن الإبداع الفلسفي بحاجة إلى خلوات وعزلات هادئة. كما وأتاح له أن يبلور لاحقا نظرياته الكبرى عن الوجود، والكينونة، والزمان، وتاريخ الفلسفة منذ سقراط أو حتى ما قبل سقراط إلى اليوم.

ومن خلال خلواته الطويلة في أحضان الطبيعة الألمانية التي لا تضاهى استطاع هيدغر أن يسمع صوت الكينونة منذ أقدم العصور وحتى اليوم. وعندئذ اكتشف أن الفلاسفة منذ أرسطو وحتى يومنا هذا نسوا الكينونة وما عادوا يهتمون إلا بالكائنات الجزئية من نباتات وحيوانات وحتى بشر.

وبالتالي فقد أعاد هيدغر مسألة الكينونة، أو الوجود والزمان، إلى صلب التأمل الفلسفي بعد أن كان قد فقده أو نسيه طيلة ألفين وخمسمائة سنة. وهنا يكمن اكتشافه الأكبر. ثم راح هيدغر ينخرط في دراسات مطولة عن نيتشه ونتج عن ذلك كتابه الكبير الذي ترجمه الفرنسيون في جزءين منفصلين ترجمة موثوقة رائعة.

ثم يردف المؤلف قائلا: لطالما عابوا على هيدغر ارتباطه بهتلر والنازية. ولكن إذا ما تأملنا في الأمور عن كثب وجدنا أن هذا الاتهام باطل أو مبالغ فيه جدا على الأقل. ولكن الدعاية الصهيونية تستغل هذه النقطة لتشويه الرجل وابتزاز ألمانيا، وتركيع كل مثقفيها من أجل أن يدعموا سياستها الهادفة إلى احتلال فلسطين.

وهذه إستراتيجية معروفة لدى الحركة الصهيونية وكل المثقفين المرتبطين بها. وقد فضحها نورمان فلنكشتاين في كتابه الشهير: صناعة الهلوكوست. فلكي يغطوا على جرائم الاحتلال الإسرائيلي نجدهم يشعرون كل مثقفي العالم بعقدة الذنب تجاه المحرقة اليهودية. وهكذا أتاح لهم أن يقضموا كل أراضي فلسطين قطعة قطعة دون أن يلومهم أحد على ذلك.

فما هي حقيقة ارتباط هيدغر بالنازية يا ترى؟ في الواقع أن علاقته بالنازية التي حكمت ألمانيا من عام 1933 إلى عام 1945 لا تتجاوز العشرة شهور! في خلال هذه الشهور العشرة قبل بأن يكون عميدا لجامعة فريبورغ، وهي عمادة عرضت عليه ولم يطلبها ولم يسع إليها أبدا.

ونظرا لاختلافه مع النازيين فإنهم أقالوه بعد عشرة أشهر فقط من احتلاله لهذا المنصب الإداري الرفيع. ومع ذلك فإنهم يتهمونه بالنازية. وبعد ذلك، وطيلة اثني عشر عاما ظل بعيدا عن النظام النازي بل ومكروها من قبله ومشتبها به. ومع ذلك فهم يكذبون على الناس ويحاولون إقناعنا جميعا بأنه كان نازيا خطيرا.

إنها أكبر كذبة في تاريخ الفلسفة المعاصرة، فالرجل لم يبتعد فقط عن النظام النازي بعد استقالته من عمادة الجامعة وإنما رفض أن ينشر شيئا يذكر في ظله. ولم يعد إلى الكتابة والتأليف والنشر إلا بعد سقوط هتلر والنازية، بل إنهم حرموه من التدريس في الجامعة طيلة تلك الفترة الهتلرية ولم يعد إلى الجامعة إلا عام 1951، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ببضع سنوات.

ولكنه لم يكف عن الكتابة طيلة كل تلك السنوات، على العكس لقد أتاح له ذلك أن يختلي بنفسه طويلا في الكوخ في أحضان الطبيعة الغناء لكي يكتب نصوصه الكبرى عن الميتافيزيقا، وعن كانط، وهيغل، وهولدرلين، وريلكه.

فهيدغر لم يكن فيلسوفا عقلانيا منطقيا فقط. وإنما كان أيضا شاعرا أو كاتبا من أعلى طراز. ويمكن اعتبار دراساته عن هولدرلين من أرقى ما كتب في النقد الأدبي. إنه نقد رائع صادر عن فيلسوف عميق يذهب إلى أعماق الأشياء.

من الكتب والنصوص الكبرى التي ألفها في الكوخ كليا أو جزئيا نذكر: مقاربات هولدرلين، وهو مجموعة دراسات نقدية عن الشاعر الألماني العظيم. وكل من يريد أن يفهم شهر هولدرلين في العمق ينبغي أن يعود إليها.

وينبغي أن نذكر أيضا كتابا ذا عنوان جميل هو: دروب تؤدي إلى لا مكان. أي دروب مفتوحة على المجهول والحرية. وهي نفس الدروب التي كان يسلكها في الغابة عندما كان يتجول يوميا بين أشجارها في متاهاتها. ومعلوم أنه كان مشاء كبيرا على طريقة أستاذه: نيتشه.

وينبغي أن نذكر كتبه الكبيرة الأخرى مثل: مدخل إلى الميتافيزيقا، أو كانط ومشكلة الميتافيزيقا، أو مبدأ العقل، أو ماذا يعني أن نفكر؟ ما معنى الفكر؟ أو ما معنى الفلسفة؟ أو هيغل والإغريق، أو أطروحة كانط في الكينونة، أو نظرية أفلاطون عن الحقيقة، أو رسالة عن النزعة الإنسانية، أو نهاية الفلسفة ومهمة الفكر في وقتنا الراهن، الخ.

كل هذه الكتب وسواها كثير أصبحت مراجع كلاسيكية في تاريخ الفلسفة المعاصرة، ولا ينبغي أن ننسى نظرياته الشهيرة عن مساوئ الغزو التكنولوجي لحياتنا المعاصرة. فقد اخترع هنا فكرة جوهرية لا تزال تحظى بإعجاب المفكرين الكبار.

وتتلخص فكرته فيما يلي: لقد غزت التكنولوجيا الأميركية عالمنا المعاصر وتكاد تقضي على البيئة وجمال الطبيعة. وهذا الشيء أصبح يشكل خطرا على الحضارة البشرية، فالتكنولوجيا ينبغي أن تكون في خدمة الإنسان، لا أن يكون الإنسان في خدمة التكنولوجيا.

ثم إنه إذا ما قضت التكنولوجيا على الطبيعة فإن ذلك يهدد التوازن البشري في مجمله. فالإنسان بحاجة إلى الطبيعة أيضا وليس فقط إلى الآلات والمخترعات التكنولوجية. وينبغي أن يحصل توازن بينهما، وهذا ما تدعو إليه أحزاب البيئة أو الخضر في عالمنا المعاصر.

وقد أصبحت الصرخات ترتفع هنا أو هناك منددة بتلويث الجو من قبل التكنولوجيا ودخان المصانع المرتفع إلى عنان السماء. وبالتالي فمن يستطيع القول إن كوخ هيدغر لم يؤثر على فلسفته، ذلك الكوخ الواقع في أحضان الطبيعة الغناء؟

*الكتاب:كوخ هيدغر

*الناشر:منشورات معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا 2007

*الصفحات:112 صفحة من القطع الكبير

Heidegger's Hut

MIT Press 2007

P.112