يؤكد مؤلف هذا الكتاب «شاعر تكدير الأمن العام.. الملفات القضائية للشاعر أحمد فؤاد نجم.. دراسة ووثائق» الكاتب الكبير صلاح عيسى على أن الأوراق القضائية تظل مصدرا ذا أهمية خاصة ومصداقية عالية من مصادر التاريخ بكل فروعه، من التاريخ السياسي إلى التاريخ الفني والأدبي، ومن التاريخ الاقتصادي إلى تاريخ القانون والقضاء، وترتفع مصداقيتها عند الترجمة لسيرة حياة الشخصيات التاريخية التي كان جانيا من سلوكها السياسي أو الشخصي موضوعا للاتهام ومعروضا أمام القضاء..
ويضيف: ففضلا عن أن الأوراق القضائية تصبح في هذه الحالة المصدر الرئيسي وربما الوحيد للمعلومات عن هذا الجانب من تاريخ صاحب السيرة، فإنها تضيء كذلك معرفتنا بسيكولوجيته في لحظات الحصار التي يتهدده خلالها خطر السجن أو خطر الفضيحة وأحيانا خطر الموت شنقا.
في ضوء هذه يمثل الكتاب ترجمة لسيرة حياة شاعر العامية الشهير أحمد فؤاد نجم مضفرة ومنسوجة مع ملفاته القضائية ورحلته مع السجون والمعتقلات والتحقيقات والمطاردات ورحلة كلمته مع الشعب المصري وأبرز ما مر به من أحداث ووقائع خلال فترتي حكم الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات،
مستعينا في ذلك بالمصادر الرسمية والصحف والملفات القضائية، لكن المؤلف يستهله بمقدمة مطولة تتناول تاريخ ما يسمى بالجرائم التعبيرية مثل الشعر والأغاني والأفلام والمسرحيات والقصص وما تعرض له الفنانون في مصر في العصر الحديث منذ بيرم التونسي وطه حسين إلى يوسف شاهين راصدا للقضايا التي لجأت فيها الحكومات المصرية للأساليب الإدارية في التعامل مع حريات الإبداع،
متوقفا مع 12 قضية في وثائق التاريخ المصري المعاصر تضم أوراقا قضائية تتخذ من الإبداع الأدبي والفني والفكري جسما وحيدا للجريمة منها قصيدة لمصطفى لطفي المنفلوطي «1866 ـ 1924»
التي اعتبرت طعنا في الذات الخديوية لنشره قصيدة هجاء استقبل بها الخديوي عباس حلمي الثاني «حكم بين عامي 1892 ـ 1914» حين عاد من مصيفه بالأستانة في أغسطس عام 1897 وقد صاغها على نمط واحدة من أشهر قصائد المتنبي في هجاء كافور الإخشيدي التي استهلها بقوله:
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضي أم لأمر فيك تجديد
وقد خاطب فيها الخديوي قائلا:
قدوم ولا أقول سعيد وملك
وإن طال المدى سيبيد
يذكرنا مرآك أيام أنزلت علينا خطوب من جدودك سود ، وقد انتهت المحاكمة بالحكم على المنفلوطي بالسجن لمدة عام والحكم على ناشر القصيدة الصحافي أحمد فؤاد بالحبس لمدة عشرين شهرا وغرامة قدرها ثلاثون جنيها وبرئ صاحب المطبعة. .
وأيضاً في العام 1910 صدر حكم بحبس الشيخ علي الغاياتي «1885 ـ 1956» لمدة سنة لتأليفه ديوانا شعريا بعنوان «وطنيتي» اتهم بالتحريض «على القتل السياسي وكراهية الحكومة والازدراء بها وتحبيذ الجرائم والعيب في الذات الخديوية.
كما حكم على الشيخ عبد العزيز جاويش «1876 ـ 1929» بالحبس ثلاثة أشهر لكتابته مقدمة للديوان ثم صدر حكم بحبس الزعيم محمد فريد «1868 ـ 1919» ستة أشهر لكتابته مقدمة أخرى للديوان، وقد اتهما كلاهما بتحسين الجريمة التي ارتكبها الغاياتي ونفذا الحكم.
وبعد المقدمة ينطلق صلاح عيسى إلى المحور الأساسي لكتابه الشاعر أحمد فؤاد نجم ليرصد لسيرة حياته ويضفرها بالملفات القضائية له مستندا عيسى إلى الأوراق القضائية متمثلة في تحقيقات النيابة العامة مع الشاعر بسبب ما يوصف بأنه قصائده المناهضة في أعوام 1972 و1973 و1974 و1975 و1977 التي انتهت بتقديمه في السنة الأخيرة لمحاكمة عسكرية حكمت عليه بالسجن لمدة عام لتأليفه قصيدة «بيان هام»
وهي واحدة من أهم قصائد نجم، بل يعتبرها صلاح عيسى أهم قصائده على الإطلاق، فضلاً عن أهميتها كواحدة من عيون الشعر السياسي العربي، وأنفذها رؤية وتحليلاً لظاهرة الحكم السلطوي الديماجوجي من منظور صعاليك المصريين،
وتتناول القصيدة بيانا مهما يلقيه رئيس الدولة شحاتة المعسل من عاصمة «جمهورية شقلبان» وهو بيان يلقيه الرئيس شحاتة المعسل رئيس هذه الجمهورية وزعيم شعبها لا الرئيس السادات، جاء في القصيدة / البيان:
(أخويا الأمير بزرميط الإيراني ـ بعت لى السنة دي ـ عزمني ودعاني ـ أنا قبلت طبعا ورحت العزومة ـ وكانت وليمة ـ ما تحصلش تاني... ما شفتش هناك ناس بتحقد عليهم ـ ولا ناس بتشتم فلان الفلاني ـ لأنه اشترى عزبتين من شطارته ـ وحكمة ادارته... ح يطلع لي عيل ـ بدون أي حاجة ـ ويعمل لي فلحس ويقعد يحاسب ـ دا حقد اشتراكي ـ أنا ما اقبلوش ـ ولو هو ابنى أنا ما اعتقوش).
ولم يكن قد مرّ سوى أسابيع قليلة على كتابة نجم أولى قصائده السياسية وهي «يعيش أهل بلدي» حتى اشتعل التوتر فجأة في المنطقة في 15 من مايو 1967 بعد أن أذيعت أنباء عن حشود عسكرية إسرائيلية على حدود سوريا، وما لبث أن قامت الحرب، وفي اليوم الرابع من الحرب 8 من يونيو 1967 كتب نجم قصيدته «رسالة»،
وقد صاغها على صورة خطاب أرسله حسن محارب خفير بقرية «برج الحمام» بأقصى صعيد مصر إلى ابنه «عبد الودود» الجندي الذي يربض على الحدود، وعندما علم نجم أن الجيش قد انهزم، وأن عبد الودود قد ارتد إلى الضفة الغربية لقناة السويس، فاكتفى نجم بأنه غيَّر مطلع القصيدة من «واه يا عبد الودود.. يا رابض على الحدود» إلى «واه يا عبد المتعال.. يا رابض على الكنال».
وفي الليلة ذاتها 8 من يونيو 1967 كتب نجم قصيدته الثالثة التي وصفها في مذكراته بأنها «أول قصائد الرد على الهزيمة»، وهي قصيدة «بقرة حاحا»، وهي بكائية في رثاء مصر. ويضيف: إذا كانت «بقرة حاحا»، كما قال نجم هي أولى قصائد الرد على الهزيمة،
فقد كانت قصيدة «الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا، يا محلا رجعة ضباطنا من خط النار»، كما قال ذلك أول البلاغات الحربية التي صدرت من غرفة عمليات حوش قدم، وقد كتبها في الشهر نفسه وبعد أن اتضح الحجم الكامل للهزيمة،
وتكشف الحقائق عن الطريق الارتجالية وغير المسؤولة التي أديرت بها المعركة، والغالب أنه قد استلهمها من موجة النكت السياسية العارمة. . وخلال أسابيع كانت القصيدة التي لحّنها وغناها الشيخ «إمام عيسى» تنتشر كالنار في الحطب؛ إذ كانت كما يقول نجم «أول اشتباك مع السلطة وأول هجوم صريح وجريء على عبد الناصر شخصيًّا».
لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً ففي 30 من إبريل 1969 وقعت الواقعة التي أخرجت السلطة الناصرية عن حيرتها حول الطريقة التي تتعامل بها مع نجم وإمام، إزاء إصرار نجم على تجاوز الخطوط الحمراء في أشعاره، وطبقًا لرواية عيسى فإن الرئيس عبد الناصر أمر باعتقالهما،
فقال له شعراوي جمعة: «المشكلة أن اعتقالهما يمكن يعمل دوشة بين المثقفين»، فقال له عبد الناصر: (بلا مثقفين بلا كلام فارغ.. اعتقلهم)، وصدر القرار باعتقال «نجم» في 15 من مايو 1969 ولحق به الشيخ إمام بقرار آخر صدر في أول يونيو 1969،
واستمر الثنائي رهن الاعتقال لمدة تزيد على العامين مات خلالها عبد الناصر وتولى السادات الذي لم يفرج عنهما إلا عند التصفية النهائية للمعتقلات وضمن آخر 4 معتقلين غادروها في 21 من أكتوبر 1971.
لم يكن قد مضى على الإفراج عن نجم أو الفاجومي كما أطلق عليه وإمام سوى أسابيع قليلة حين فوجئ بزيارة تقوم بها «سهام صبري» الطالبة بكلية الهندسة بجامعة القاهرة بصحبة عدد من زملائها ل«حوش قدم»، ليطلبوا نسخًا من قصائد نجم التي كتبها في السجن، ويسجلوا بعض أغانيهما لينشروها في صحف الحائط ويذيعوها في ندواتهم بالجامعة.
نشطت الحركة الطلابية في تلك الفترة مطالبين بتحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي، وكان الاعتصام بالجامعة وميدان التحرير هو الحل، فقام الأمن باعتقال قادة الحركة الطلابية والمتضامنين معهم، وكان بينهم «أحمد فؤاد نجم».
وسجل نجم تجربة القبض عليه والتحقيق معه لأول مرة داخل نطاق القانون في 4 من قصائده كتبها في معتقل القلعة خلال الشهور الأولى من 1972، من بينها «بلدي وحبيبتي، وورقة من ملف القضية».
في عام 1973 وفي شهر أكتوبر قامت الحرب بعد أسبوع واحد من مغادرة الثنائي نجم وإمام السجن، وكان طبيعيًّا أن يتحمس لها نجم؛ لأنه حققت ما كان يطالب به وما سجن من أجله مرتين، فاختفت مؤقتًا التناقضات بينه وبين الحكم، وكتب خلال الأسابيع الثلاثة التي تلت الحرب أربع قصائد هي «ضليلة فوق رأس الشهيد» و«منشور علني رقم 1»، و«دولا مين ودولا مين»،
وعطشان يا صبايا«. لكن لم يكد يهل عام 1974 حتى ذوت آمال كل الذين يتوقعون أن تسفر الحرب عن نتائج عسكرية أكثر حسمًا، ولم يكن طبيعيًّا أن يسكت نجم ولم يكن منطقيًّا أن يمضي عام 1974 من دون أن يعود نجم مرة أخرى إلى السجن،
وفي ربيع عام 1974 كتب نجم أول بياناته الشعرية في الهجوم على التوجهات الاقتصادية والسياسية التي انتهجتها إدارة الرئيس السادات في أعقاب حرب أكتوبر، وهي قصيدة «ع اللي حصل في الحواصل».
بعد أسابيع وفي 12 من يونيو 1974 وصل إلى القاهرة الرئيس الأميركي «ريتشارد نيكسون» في أول زيارة يقوم بها رئيس أميركي لها وفي الوقت الذي توقع فيه الكثيرون أن تتوج هذه بالزبد والعسل وإرغام إسرائيل على الرحيل عن بقية الأرض المحتلة،
كتب نجم قصيدته «حسبة برما بمناسبة زيارة ابن الهرمة» و«شرفت يا نكسون بابا»، كانت الثانية بعد قصيدة «أوأه» التي يسخر فيها نجم من شخص السادات. فطلب من أجهزة الأمن أن تبحث عن وسيلة قانونية لمعاقبته على تأليفها،
وبالفعل تم تلفيق قضية عرفت بقضية «شرفت يا نكسون بابا»، وهي تحمل في أوراق النيابة العامة رقم 501 حصر أمن دولة عليا لسنة 1974، وينشر صلاح عيسى في كتابه الذي بين أيدينا ملفات التحقيق كاملة مع نجم والشيخ إمام، وهي تعطي صورة واضحة المعالم للقسوة التي يتعامل بها رجل الأمن مع المبدع أو الأديب.
ويتعرض صلاح عيسي لقضية الانتماء إلى تنظيم «اليسار الجديد» الذي تقف وراءه «جمعية كتاب الغد» والذي اتهم نجم بالانضمام إليها، ومع أنه كان حريصًا على استقلاله وعلى ألا يتجاوز دور الشاعر المحرض،
وجد نفسه يساق من جديد إلى السجن فجر يوم الخميس 2 من يناير 1975 هو وزوجته التي انفصل عنها فيما بعد الكاتبة صافيناز كاظم وابنته التي كان عمرها آنذاك 14 شهرًا لينتقل بعد ساعات إلى معتقل القلعة،
وتظهر ملفات التحقيقات مع نجم وزوجته في معتقل القلعة حجم الإهانة التي لحقت بالشاعر وزوجته وطفلته الرضيعة التي باتت معهم في غرفة الحجز.كانت أحداث الشغب في 18، 19 من يناير 1977 أو ما سُمِّي آنذاك بانتفاضة الجياع أو انتفاضة الحرامية كما أطلقت عليه السلطة كفيلة بأن تقود نجم مع عدد من الكتاب إلى بوابة المعتقل في ليمان طرة،
بسبب تأليف المذكور لقصائد يهاجم فيها الأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلاد، منها قصيدة بعنوان موّال الفول واللحمة وأخرى بعنوان القضية، إضافة لقصيدة أخرى كتبها أثناء وجوده بالسجن بعنوان «رسالة رقم 1 من سجن طرة» القصيدة ـ كما قال نجم بعد ذلك ـ مكتوبة على غلافين داخليين لعلبتين من علب السجائر.
وقد تم التحقيق مع الشاعر بسبب هذه القصيدة، وعلى خلفية الاتهام بالتحريض والانتماء لحزب العمال الشيوعي، تم حبس نجم مع بقية المتهمين. وبعد أكثر من 3 سنوات على وقوع أحداث يناير نظرت خلالها القضية أمام إحدى دوائر محكمة أمن الدولة العليا، وصدر الحكم في 19 من ابريل 1980 ليقضي ببراءة أحمد فؤاد نجم.
محمد الحمامصي
*الكتاب:شاعر تكدير الأمن العام
الملفات القضائية للشاعر أحمد فؤاد نجم
*الناشر:دار الشروق ـ القاهرة 2007
*الصفحات:244 صفحة من القطع الكبير
