ديوان «أغاني القبّة» هو لشيخ متصوفي عصرنا «خير الدين الأسدي» المولود في «حلب» في سوريا سنة 1955م. والده الشيخ عمر رسلان أسد، كان من رجال الدين، عمل أستاذاً للصرف واللغة العربية، وكان عالماً ذا ثقافة عالية.
وهكذا نشأ الصوفي، «خير الدين» نشأة عربية، ووطن نفسه منذ الصغر على التفرغ العلمي، فكان يطالع بنهم شديد، وينفق كل ما يكسبه في شراء الكتب، واقتناء التحف، حتى أصبحت مكتبته تعد من أضخم المكتبات الخاصة. وحين شعر بدنو أجله كتب وصيته الأخيرة «لدي مكتبة وطرائف فنية أهبها لبلادي وللعالم». وأوصى أن يقام له ضريح يكتب عليه فقط خير الدين الأسدي.
ولما توفي عام 1971، تعجّلت دار العجزة، فاتصلت بالبلدية واتصلت بالبلدية بدائرة الدفن، وتهاونت دار العجزة بالاتصال بذويه وأصدقائه من الأدباء، وهكذا حمل «الأسدي» إلى مثواه الأخير وحيداً غريباً بلا جنازة ولا مشيعين. ولا قبر معلوم.
وبعد عام مع الأسف بدأت الندوات التكريمية لمكانته العلمية وبخاصة أنه قدم كتباً نفيسة لعل أهمها: «موسوعة حلب» التي تعد تاريخاً لتاريخية هذه المدينة ضمن علاقاتها مع الدول الأخرى وفي كل العصور. أما ديوانه «أغاني القبّة» فهو ديوان فريد في لغته ووجده في زمن تناسى الناس تلك اللغة التي كانت للحلاج وحافظ الشيرازي ورابعة العدوية.
وكما جعل الشاعر «جوته» الألماني «حافظ الشيرازي» الشاعر الصوفي، دليلاً يهديه سواء السبيل في قفار الشرق الواسعة حيث يقول: أي حافظ: إن أغانيك لتبعث السلوى إبان السير في الشعاب الصاعدة الهابطة.
كذلك جعل «خير الدين الأسدي» «حافظ الشيرازي» دليله ومنطلقاً لإبداعه الشعري، ومرشداً وهادياً وأورد معظم سور «أغاني القبّة» منشدة بلسانه باعتباره لسان الغيب، كما تأثر أيضاً بغيره من الشعراء في مقدمتهم «جلال الدين الرومي والحلاج وابن الفارض».
قسّم الأسدي ديوانه إلى وحدات موسيقية متساوية، سماها سوراً، أي أغاني وقسم السّورة على وحيدات تحوي جملاً منغّمة، فيها من الإبداع والجمال، ونسبها إلى القبّة السماوية، فهي اغانٍ الهية مختارة فريدة من نوعها.
وإذا أمعنا النظر في سور الأسدي السبع والعشرين في ديوان «أغاني القبّة» نلمسها متّسمة بجمال الفكر وحرارة الوجد إلى جانب موسيقا تُستمد من الشكلية اللفظية المعاني والصور المدهشة والحالات الروحية الجسدية، حيث يتفرّد هذا الديوان بقاموس لغوي غني. وقد أدرك الشاعر ما تختزنه اللفظة من طاقات صوتية فأطلقها ليعبر عن حالات قد تعجز اللغة عنها.
وهذه الأغاني البديعة هي قصائد منثورة أرادها كاتبها أن تكون رسالة خاصة إلى نفوس خاصة. يضع الأسدي في مقدمته ما تريده هذه القصائد هذه نفحات من الشعر الصوفي المنثور ارتفعت عن دنيا اليقظة كما ارتفع الموضوع عن دنيا الهيولى، وأرسلتها الغيبوبة الغارقة نثرات من رفاه سحب، وجواه إلى ساحة ما وراء الطبيعة وناديت موسيقا اللغة أجسّد بها المعاني.
وتتصدر كل سورة بشرح طائفة من المفردات أما شرح النص فقد تركه «للقارئ أن يسبح في الجو الذي استوحى. وهو لا ينسى أن يقدم بعد شرح بعض المفردات التأثير، أي بمن تأثر «حافظ الشيرازي» أم بالحلاج أم الشبلي، وقد بدأ «الأسدي» مجموعته بسورة «المدرج» أي المذهب المسلك يقول في أولها: مسكين هذا السالك غضو اللغب لقد جاب الوادي، ولم يتبين حرم الحبيب، جبال صبري مادت يا ربّاه واشتعل بخور قلبي في نار حبي.
ومن سورة الغيب نقتبس: مشى الصمت إلى ساحة الليل، ومشى حفيف الخيال إلى مروج الظلام، وعلى كل فم مطبق نأمة الأنس والرهبة والجلال. أرصد في ليلي الداجي قمر الأماني، آه ثمة آه ليته يطلع ويلقى شعاعه الوقور على سقف صومعتي.لقد استطاع الأسدي أن يفجر اللغة من جديد، ويدهشنا بتلك الصور التي تأخذ الروح على بساتين الحيرة والجمال.