رغم أن تاريخ كتابة رواية «شارع ميغيل» للروائي ف.س.نايبول يعود إلى بدايات تجربته الإبداعية، إذ صدرت نهاية الخمسينات، إلا أنها تنطوي على الكثير من الإشارات والإرهاصات التي تنبئ بولادة كاتب سيكون له شأن عظيم ذات يوم. والواقع أن هذه النبوءات لم تكن خاطئة، فقد حاز نايبول في العام 2001.

أي بعد نحو أربعة عقود من تاريخ كتابة تلك الرواية، على ارفع جائزة أدبية في العالم ألا وهي جائزة نوبل، إذ أشارت الأكاديمية السويدية في حيثيات منحه هذه الجائزة بان نايبول استحقها «لأنه مزج في أعماله بين الفنون الأدبية المختلفة بأسلوب أتاح للقراء أن يلمسوا تجسيدا لتاريخ المقهورين»،مضيفة بأنه «لم يتأثر بالأشكال الأدبية السائدة».ولد نايبول عام 1932 في منطقة شاجوناس في جزيرة ترينيداد لأسرة من أصول هندية هاجرت من شمال الهند. كان جده يعمل مزارعا في قصب السكر، أما والده فعمل بالصحافة والكتابة. هاجر إلى بريطانيا قبل أن يكمل العشرين من عمره، والتحق بجامعة اوكسفورد حيث حصل منها على درجة البكالوريوس في الفنون عام 1954 م. تتنوع أعماله بين الرواية والقصة.

ومن أهم هذه الأعمال: «المدلك الغامض»، «منزل السيد بيسوا»، «السيد ستون واتحاد الفرسان»، «في بلاد حرة»، «الهند حضارة مجروحة»، «منحنى النهر»، «نصف حياة»...وسواها، كما نشر عددا من الكتب التي يمكن إدراجها تحت لواء أدب الرحلات أو النقد الأدبي، ومنها «بين المؤمنين: رحلة إسلامية»، «ما وراء الإيمان»، «القراءة والكتابة: وجهة نظر شخصية».

في رواية «شارع ميغيل»، يختار نايبول هذا الشارع مسرحا لمجريات هذا العمل الروائي القريب إلى المذكرات الشخصية للكاتب نفسه. يقع هذا الشارع في مدينة بورت أوف سبين، وهي تعتبر عاصمة جزيرة ترينيداد، وهي المدينة التي أمضى فيها الكاتب طفولته وجزءا من صباه، وحاول أن ينقل تلك المشاهدات التي انطبعت في ذاكرته إلى كتاب سيكون البطل الرئيس فيه المكان أي «شارع ميغيل» بكل ما يزخر به من غرائب وشخصيات وأحداث تبدو وكأنها خيالية رغم التصاقها بالواقع.

سنعثر في هذا الشارع على شخصيات غريبة الأطوار، تعاني من الخيبات، وتتطلع دوما إلى تحقيق أحلام عصية على الولادة، وأمام هذه الأقدار المحتومة المرسومة لهم على ارض تلك الجزيرة النائية يظهر شخص من بينهم، وهو الصبي ـ الراوي الذي يسرد لنا أحداث هذا العمل بكثير من الذكاء، والفطنة بعدما عاش في ذلك المكان وتشرب بثقافته، وراقب عن كثب تحولاته، وفتش في الدهاليز والأروقة عن الوقائع والطرائف والأحداث التي تصلح أن تودع بين دفتي كتاب.

ومع أن الرواية تتناول تفاصيل الحياة المألوفة، بأحزانها وأفراحها وخيباتها وآمالها...غير أن طريقة التعبير عن تلك الحياة المألوفة والعادية هي التي تمنح تلك الحياة نكهة أخرى، وتحث القارئ على الانقياد وراء تفاصيلها وملامحها، فكأن العمل، وبهذا المعنى، هو تجسيد لمقولة معروفة تفيد بان «العالم أجمل بين دفتي كتاب».

يفرد نايبول لكل شخصية على حدة، عدة صفحات تحمل عنوانا مستقلا، والشخصية الأولى التي سنتعرف عليها هي شخصية بوغارت التي تلفت الانتباه بغموضها وتصرفاتها الغريبة التي تظهر من خلال طريقة حياته المتقلبة، فهو شخص كثير الأسفار، ويجمع بين زوجتين في وقت واحد، وما إن يظهر في شارع ميجل حتى يختفي لفترة طويلة، ومن ثم يعود حاملا معه قصة مغامرة جديدة.

وثمة شخصية النجار بوبو الذي لا يصنع شيئا حقيقيا لكنه يظهر وكأنه منهمك في عمل لا ينتهي، وشخصية إيلياس الذي فشل في الدراسة وشعر في أعماقه بأن عبقريته قد قُمعت، ولم يتح لها الحظ للنبوغ، إذ آمن باعتقاد راسخ على انه ضحية للحظ العاثر، وشخصية ب. ووردزورث الواقع تحت تأثير قصائد الشاعر الإنكليزي المعروف ويليام ووردزورث.

لكنه يخفق دوما في كتابة قصيدة... مشردون، وعشاق، وحالمون، ومتسكعون...مهنيون، وصحافيون، وساسة...عمال وموظفون وسكارى...يتقاسمون فضاء السرد في رواية نايبول الذي يمنح لكل صوت مساحة عادلة للتعبير عن همومها، وينجح في تقديم رؤية بانورامية لما كانت عليه جزيرة ترينيداد النائية. ولئن بدا من الصعب العثور على شيء غير مألوف في رواية «شارع ميغيل»، فالحياة تسير في شكلها العادي الرتيب.

إلا أن براعة نايبول تتبدى في قدرته على التقاط هذا المشهد العادي، ومعاينته من منظور ذاتي خاص وإدراجه ضمن رواية، فالصبي ـ الراوي الذي يقص علينا هذه الحكايات والقصص بحماس من يقاسم الشخصيات طموحاتها وأحلامها ورغباتها يفلح في التركيز على الجوهري وإهمال الثانوي، ويكون في مقدوره ـ حينئذ ـ أن يقدم رؤية صادقة للتحولات التي تطرأ على أبطاله، وللمعاناة التي يكابدونها بحثا عن أمنيات مؤجلة على الدوام.

ولعل هذا الواقع الكسول والممل الذي يتم تصويره هو الذي يدفع الصبي ـ الراوي، وهو نايبول نفسه، إلى مغادرة شارع ميغيل بحثا عن تحقيق حلمه في مكان آخر، إذ يتحدث في الفصل الأخير الموسوم بـ «كيف غادرت شارع ميغيل؟» عن السأم الذي يحبط روحه، فكاد أن يستسلم لليأس كأقرانه في ذلك الشارع المنسي، لكنه يقرر، وبتحريض من والدته، الذهاب إلى لندن لمتابعة الدراسة.

إذ يساعده أحد أصدقاء والده القدامى في تأمين منحة دراسية له، ورغم أن كرسي المنحة مخصص لدراسة علم العقاقير، وهو العلم الذي يكرهه الصبي، لكنه يوافق مكرها كي يغادر تلك الأرض التي لا تجلب لقاطنيها سوى الخيبة والانكسار. وهنا تنتهي الرواية لتكتمل فصولها على ارض أخرى إذ حقق الصبي البائس ذاك، الذي هو نايبول، نجاحا لم يكن متوقعا.

يبتعد نايبول في هذا العمل عن الثرثرة المجانية، محاولا تكثيف العبارة إلى أقصى الحدود، فالحوارات مقتضبة، والوصف قليل، ولكنه ينجح في منح السرد بعدا دراميا يقترب من السيناريو السينمائي، ذك أن الرواية تنهض أساسا على الأحداث المتلاحقة في ذلك الشارع الذي يمور بالصخب، والحيوية، وقد أجاد نايبول في نقل هذه الأجواء بألوانها وأصواتها وروائحها...فالقارئ يكاد يشعر بذلك وهو يقلب صفحات هذه الرواية التي تشير إلى أن الكاتب، أي كاتب، يثبت جدارته منذ الحروف الأولى التي يخطها قلمه.