مؤلف كتاب «حاضر اللغة العربية في بلاد الشام» هو الأستاذ العلاّمة «سعيد الأفغاني» المولود في «دمشق» سنة 1909 م، من أم شامية، وأب من كشمير، التي كانت تابعة للأفغان في ذلك العهد، ومن هنا اكتسب هذا العلم لقبه «الأفغاني».

نشأ في أحياء «البزورية ـ النوفرة ـ القيمرية ـ العمارة» المحيطة بالجامع الأموي بدمشق، إذ تفتحت عيناه على ما كان يشاهد في الجامع الأموي من دروس لا تنقطع، ومن خلال هذه الدروس، تتلمذ على يد الشيخ «أحمد النويلاتي» الذي بدوره تتلمذ على يد الشيخ «طاهر الجزائري» أما مسيرته العلمية.

كما وردت في كتاب الدكتور «مازن المبارك»، «الأفغاني حامل لواء العربية وأستاذ أساتيذها» فقد بدأها في مدرسة «الإسعاف الخيرية»، ثم أتم دراسته الابتدائية في مدرسة التطبيقات، وتابع دراسته الإعدادية والثانوية في «مكتب عنبر»، ثم التحق بمدرسة الآداب العليا في الجامعة السورية.

وبعد تخرجه، عين الأستاذ الأفغاني أستاذاً مساعداً في كلية الآداب، وفي عام 1946، أوفد إلى جامعة «فؤاد الأول» في «القاهرة» للتحضير لدرجة الدكتوراه، لكنه لم يتابع الدراسة، مفضلاً العودة إلى «دمشق» ومتابعة تدريس اللغة العربية في كلية الآداب.

امتد نشاطه التدريسي إلى بعض الجامعات العربية، مثل الجامعة اللبنانية في «بيروت»، والجامعة الليبية في «بنغازي»، وجامعة الملك سعود في «الرياض» وبقي يدرس فيها، إلى أن بلغ الخامسة والسبعين من عمره، وقد توفي سنة 1997 م.

كان ـ رحمه الله ـ جم النشاط العلمي، محاضراً وباحثاً وكاتب مقالة، ومؤلفاً ومحققاً، وقد ترك لنا كتباً مهمة في اللغة والنحو، وفي موضوعات أخرى، كالإسلام والمرأة، وعائشة والسياسة، وابن حزم الأندلسي. كان العلامة، يؤمن بالعربية إيمانه بدينه، يتحمس لها، لأنها كانت عنوان أمته التي يخشى عليها من أعدائها، ولعل الذي يمثل عقيدته في لغته حق تمثيل، كتابه هذا «حاضر اللغة العربية».

صدر هذا الكتاب في أوائل ستينات القرن العشرين، وهو يؤرخ لحقبة مهمة من تاريخ اللغة العربية في بلاد الشام عموماً، وفي عاصمتها «دمشق» خصوصاً، بدءاً من نهايات الحكم العثماني أيام الاتحاديين، وانتهاءً بفترة الانتداب الفرنسي التي امتدت قرابة ربع قرن.

صور في الباب الأول، الحالة التي آلت إليها اللغة العربية زمن الأتراك الاتحاديين من ضعف شديد على حساب التركية، فقد حرّموا الكلام بلغة القرآن الكريم، وعاقبوا في المدارس الطلاب الذين تسوّل لهم أنفسهم الكلام بها، وبين أنه لولا المساجد، وما فيها من دروس، ولولا المدارس الأهلية والمعاهد الشرعية، لقضي على لغة أمتنا.

ثم تحدث عن الخطر الذي اكتنف اللغة العربية إثر دستور عام 1908 م، حين برزت نوايا من الأتراك ضد العرب، لم تكن معلنة من قبل، فخاب أمل العرب الأحرار، إذ لم يجدوا أثراً لتنفيذ الوعود التي أعطيت لهم من قبل الحزب الحاكم، فلجأ هؤلاء إلى إنشاء الجمعيات العربية السريّة، لرعاية اللغة، وبث روح العروبة وتنبيه الغافلين العرب عما يحاك ضدهم.

ثم يتعرض لما حل بالعربية مع دخول الفرنسيين «سوريا ولبنان» ثم أشار إلى الهجوم الذي شنّه الفرنسيون على اللغة في سبيل إضعافها ونشر الفرنسية عوضاً عنها، واستعمال سياسة الترغيب والترهيب ومع هذا فإن ثلاث قلاع حصينة قامت في وجه الانتداب وهي ثانوية دمشق، مكتب عنبر، المجمع العلمي العربي والجامعة السورية.

وقد توقف عند هذه القلاع، وأشار إلى جهود الرعيل الأول الذين رسخوا العربية الفصحى، ومازالوا يؤثرون في تلامذتهم، حتى ظهر منهم خطباء وشعراء، اشتهروا على صغر سنهم.

ثم ذكر مساهمة المجمع العلمي في: تزويد دوائر الدولة بالمصطلحات اللازمة، وتلبية رغبات الصحف والجمعيات غير الرسمية، ثم النظر في صيغ القوانين قبل أن تصدرها الدولة، والنظر في لغة الكتب المدرسية، وعدم السماح بطبعها إلا بعد إقرار المجمع لها، ونشر بحوث للمختصين تتضمن إحياء مئات الكلمات التي كانت ميتة أو غريبة في مجالات مختلفة. وهكذا تناول أيضاً بقية القلاع، دون أن ينسى ما قامت به بعض الجمعيات في سبيل بعث اللغة العربية وانتشارها.

M _alfahed@yahoo.com