مؤلفة هذا الكتاب هي الصحفية والباحثة الأميركية فيكتوريا كلارك. وهي تقدم هنا دراسة متكاملة عن أحد التيارات الصاعدة في الحياة الدينية والسياسية الأميركية، أي تيار اليمين المسيحي المتصهين. وكلمة أرماجيدون (ارماجدعون) تعني مكانا رمزيا في فلسطين حيث ستدور المعركة النهائية بين الخبر والشر يوما ما.
وعندئذ سوف ينتصر الخير على الشر نهائيا ويعود المسيح المخلص ويصبح كل اليهود مسيحيين بعد أن يتخلوا عن ديانتهم أو سوف يقتلون. وعلى الرغم من هذا الاعتقاد الأصولي المضاد لليهود إلا أن إسرائيل تشجع هذا التيار لأنه يدعمها إلى أقصى حد ممكن. فالأسطورة تقول بأن هذه المعركة لن تحصل قبل أن يعود كل اليهود إلى فلسطين ويحتلونها كليا بما فيها القدس.
وبعدئذ تصبح عودة المخلّص ممكنة، ولكن ليس قبل ذلك. وبالتالي فإن الإسرائيليين يأخذون من الأسطورة شقّها الأول الذي يناسبهم ويشجعهم على احتلال كل فلسطين وينسون شقها الثاني الذي يعتبرونه مجرد خرافة مسيحية لا معنى لها. وبالتالي فلا يعبأون بها على الرغم من أنها ضدهم.
ولكن الأصوليين الأميركان لا يعتبرونها خرافة وإنما حقيقة واقعة لسبب بسيط هو أنها مذكورة في الإنجيل وبما أن عقلية الأصولي غيبية وتصدق حرفيا كل ما يرد في الكتاب المقدس فإن ملايين الأميركان يعتقدون فعليا بهذه القصة ولا يعتبرونها أسطورة أبدا. وهنا تكمن مشكلة العقلية الأصولية الخرافية.
ثم تضيف المؤلفة قائلة: الشيء الذي يهمّ إسرائيل هو أنه تشكل لوبي جديد يدعم مصادرتها لأراضي الفلسطينيين بالإضافة إلى اللوبي السابق. الفرق بينهما هو أن الأول مسيحي والثاني يهودي. وبما أن عدد اليمين المسيحي يصل إلى أربعين مليون شخص مع أتباعه والمتعاطفين معه فإن ذلك يعني أن أصدقاء الدولة العبرية أصبحوا فعلا أقوياء وكثيرين جدا في الولايات المتحدة الأميركية.
ومن زعماء هذا اليمين المسيحي المتصهين الجديد نذكر جيري فالويل الذي مات هذا العام 2007 قبل بضعة أشهر، عن عمر يناهز الثالثة والسبعين. وهو الذي أسس الإمبراطورية الأصولية الدينية في الولايات المتحدة. وهي إمبراطورية تضم عشرات القنوات التلفزيونية ومحطات الراديو والمجلات والجرائد، الخ. وكلها تنشر الأفكار الأصولية لليمين الأميركي المتطرف.
ومعلوم أنه أثار ردود فعل هائجة من طرف الليبراليين الأميركيين الذين يظلون أغلبية في البلاد حتى بعد ضربة 11 سبتمبر. فقد انزعجوا جدا من تصريحاته العنصرية ضد السود، والإجهاض، والمثليين، وبالأخص ضد المسلمين. ومعلوم أنه شكل عام 1970 حزبا دينيا سياسيا يدعى باسم الأغلبية الأخلاقية، وهو يضم ما لا يقل عن ستة ملايين عضو وربما أكثر.
وبالطبع فهو مقرب من الجناح اليميني في الحزب الجمهوري ومضاد بعنف للحزب الديمقراطي وتسيّبه الأخلاقي على حد تعبيره. وهو الذي ساهم في إنجاح انتخاب رونالد ريغان عام 1980 ووصوله إلى البيت الأبيض. كما وساهم لاحقا في إنجاح جورج دبليو بوش.
ولكن له ميزة واحدة برأي المؤلفة وهي أنه ساهم في التقريب بين المذاهب المسيحية وبخاصة بين الكاثوليك والبروتستانت. ومعلوم أن أميركا ذات أغلبية بروتستانتية ولا تحب الكاثوليك كثيرا، أو قل أن الجناح الأصولي لدى البروتستانتيين يحقد على الكاثوليكيين عموما. فهناك حزازات تاريخية بين المذهبين الكبيرين في المسيحية الغربية.
هذا وقد صرح أحد دعاة التيار المسيحي المتصهين «جون هاجي» أمام قادة الطائفة اليهودية قائلا: ينبغي أن تعلموا أن أربعين مليونا من الإنجيليين المسيحيين الأميركان يدعمون إسرائيل. وبالتالي فإن من مشاريعه المقبلة تأسيس لوبي مسيحي مؤيد لإسرائيل. وقد أثار هذه المسألة رسميا مع قنصل إسرائيل في نيويورك آرييل ميكيل.
وتضيف المؤلفة قائلة بما معناه: يبدو أن ربع أعضاء الكونغرس الأميركي هم من أتباع هذا التيار الأصولي المسيحي. وبالتالي فسوف يطلب منهم دعم هذا اللوبي الجديد والتفكير بمصالح إسرائيل قبل كل شيء آخر.
ولكن الكثيرين يعتقدون أنه يبالغ في تقدير عدد المتعاطفين معه. فهم لا يتجاوزون العشرة أو عشرين مليون شخص على أكثر تقدير في بلد يضم حوالي الثلاثمئة مليون نسمة. ومعظم هؤلاء الأصوليين يتمركزون في الولايات الجنوبية من أميركا.
وقد التقى جون هاجي السفير الإسرائيلي في واشنطن داني آيلون وتناقش معه حول الموضوع. وتجاوب معه السفير الذي صرح قائلا بعد اللقاء: نلاحظ أن المسيحيين في الولايات المتحدة هم أصدقاء حقيقيون لإسرائيل وأنه تجمعنا بهم قيم مشتركة. ونحن سعداء بالجهود التي يبذلونها للتقريب بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
هذا وقد اجتمع أربعمئة من قادة الجمعيات اليمينية المسيحية في مدينة سانت انطونيو لتأسيس هذا اللوبي العتيد: أي اللوبي المسيحي المتصهين. وحتى آرييل شارون أيدهم في هذا المسعى النبيل قبل أن يسقط صريع الموت السريري الذي لم يقم منه حتى الآن. ويقول أعضاء اللوبي بأنه ذهب ضحية «كرمه وشهامته» الزائدة عن اللزوم عندما انسحب من غزة.
وما كان ينبغي عليه أن ينسحب لأنها أرض إسرائيل التوراتية. وقد لام نفسه على ذلك فيها بعد وشعر بالذنب وتأنيب الضمير إلى درجة أنه وقع صريع المرض. هكذا نلاحظ أن هؤلاء الناس هم أصوليون بالمعنى الكامل للكلمة. المقصود بذلك إنهم يأخذون كل ما ورد في الكتاب المقدس على حرفيته ودون أي تأويل مجازي. ولهذا السبب فهم ضد نظريات العلم الحديث كلها تقريبا لأنها تتعارض مع ما ورد في الكتاب المقدس. وأكثر ما يزعجهم نظرية التطور لداروين.
ولكنهم أصبحوا يقعون في صدام يومي تقريبا مع التيار المسيحي الليبرالي الذي يتهمهم بالجنون والغباء والتعصب الأعمى. ومعلوم أن التيار الليبرالي هو الأقوى ويشكل الأغلبية في أميركا.
وقد صرح أحد قادتهم قائلا: إن هؤلاء الأصوليين مستلبون عقليا ولا يعيشون في هذا العالم وإنما في العالم الآخر. إنهم أموات وهم أحياء لأن رؤوسهم محشوة حشوا بأفكار العصور الغابرة. وبالتالي فقد فقدوا الصلة بالواقع والحياة الطبيعية وأصبحوا يعيشون في بحر من الهلوسات والغيبيات.
ولكن المشكلة، هي أن هذا اليمين المسيحي المتصهين أصبح يشكل عثرة في وجه السلام في الشرق الأوسط. لماذا؟ لأنه يدعو القادة الإسرائيليين إلى عدم التخلي عن شبر واحد من أرض إسرائيل التوراتية. وهذا الكلام يعني أنه يحق لليهود أن يحتلوا كل فلسطين بل ومن واجبهم أن يفعلوا ذلك وإلا فرطوا في الأرض التي منحهم الرب إياها. وهذا يعني عصيانا للأوامر الإلهية. وبالتالي فالحل السياسي مستحيل في مثل هذا الجو. لقد أصبحوا صهيونيين أكثر من الصهاينة وربما أكثر من حزب الليكود وبنيامين نتنياهو.
ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: والأنكى من ذلك هو أن هذا التيار الأصولي الأعمى يعتقد اعتقادا جازما بأن المسيحيين لن يصلوا إلى الجنة إلا بعد أن يحتل اليهود كليا الأرض المقدسة. بعدئذ سيعود المسيح المخلص إلى الأرض وسوف يعتنق هؤلاء اليهود المسيحية أو سوف تتم تصفيتهم وهلاكهم.
وبالتالي فهم يؤيدون اليهود ويدفعونهم للعودة إلى فلسطين ليس من أجلهم هم وإنما من أجل المسيحيين أنفسهم. فعودتهم ضرورية لكي تتحقق النبوءة المسيحية الواردة في العهد الجديد. وهي عبارة عن خرافة بالطبع ليس إلا. ولكنهم يعتقدون بها اعتقادا كاملا كما ذكرنا. من هنا الطابع الهوسي أو المرضي المضحك لهذا التيار الاستلابي.
*الكتاب: حلفاء من أجل أرماجيدون: صعود الصهيونية المسيحية
*الناشر: مطبوعات جامعة ييل 2007
*الصفحات:344 صفحة من القطع الكبير
Allies for Armageddon, the rise of Christian Zionism
Victoria Clark
Yale University Press 2007
P.344
