فريد هيلجمان صحافي مستقل، يجوب بلدان أوروبا الشرقية وروسيا ويقيم فيها لفترات طويلة اعتبارا من عام 1997. ساهم أيضا في إنجاز أفلام وثائقية عن المنطقة من بينها: «امتحان صناديق الاقتراع». كتاب عن «تاتارستان، بلاد المسلمين الروس»، هذه الجمهورية التي لم يسمع بها الكثيرون.

تقع «تاتارستان» على نهر الفولغا الشهير وعلى بعد 800 كيلومتر شرق العاصمة الروسية موسكو. يبلغ عدد سكانها حوالي الأربعة ملايين نسمة - تحدد آخر إحصائية عددهم ب000 800 3 نسمة - ويتوزعون مناصفة تقريبا بين الاثنيتين التاتارية والروسية. وتاتارستان هي جمهورية مستقلة ذاتيا في إطار الفيدرالية الروسية، وكان قد جرى ضمها لروسيا في عهد إيفان الرهيب في القرن السادس عشر. ومنذ ذلك الحين يتعايش التاتار والروس دون أية منازعات، الأمر الذي يعيده المؤلف بالدرجة الأولى إلى واقع التوازن الديموغرافي القائم بين المجموعتين الأساسيتين اللتين يتكوّن منهما سكّان «الجمهورية».

ويسوق المؤلف خلال التحليلات المقدّمة عاملا آخر في استتباب حالة التعايش والاستقرار وهو أن التاتار الذين يعتنقون الدين الإسلامي تاريخيا حافظوا باستمرار على علاقات ممتازة مع موسكو من جهة وظلوا بعيدين عن الخضوع إلى تأثير أية دولة من الدول الإسلامية، بل أكثر من ذلك حرصوا على تبنّي نهج معتدل في ممارساتهم الدينية، الأمر الذي جعلهم يتحدثون في روسيا عن «الممارسة الإسلامية على الطريقة الأوروبية» أو «الأوروبية -الإسلامية»، وذلك من خلال نوع من المزاوجة مع «القيم الأوروبية».

ويشكل «التاتاريون» أكبر أقلية اثنية في روسيا، ولكنهم، وعلى عكس الشيشانيين مثلا، لم يخوضوا أي نزاع مسلح مع السلطة المركزية ولم تكن لديهم مطالب استقلالية أو انفصالية. وبالمقابل، حرصت موسكو، التي شنّت أكبر حرب طاحنة وقاتلة ضد الشيشان، على أن تُبدي «تفهمها» حيال هؤلاء المسلمين الذين لا يذهبون إلى أكثر من المطالبة بالمحافظة على خصوصياتهم الثقافية وإنما في ظل احترام المنظومة السياسية القائمة.

لا شك أن مثل هذا الواقع، «الاستثنائي» إلى حد كبير، يطرح العديد من الأسئلة مثل: ما هي طبيعة المصالحات السياسية والمؤسساتية التي ترتكز عليها حالة التوازن القائمة؟ كيف اجتازت هذه «الجمهورية» ذات التعددية الاثنية والعقائدية سنوات التحوّل الانتقالي التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق؟ وما هي رهانات المستقبل البعيد، والمستقبل القريب أيضا في أفق الانتخابات الرئاسية التي ستجري في عام 2008؟

في منظور الإجابة على مثل هذه التساؤلات يوزع فريد هيلجمان مواد كتابه بين ثلاثة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: «موسكو بعيدة جدا وقريبة جدا» و«ألف عام من الإسلام» و«روس جدد وتاتار جدد». وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يؤكد على استمرارية التعايش الإثني والديني في تاتارستان، إلا أنه يشير إلى ظهور بعض الأصوات في مطلع سنوات التسعينات، وتحديدا مع انهيار الاتحاد السوفييتي.

طالبت بقدر أكبر من الاستقلال الذاتي حيال موسكو وكانت «المفاجأة» في كون أن العاصمة الروسية التي اشتهرت بمواقفها المتشددة حيال أي تحرك يمكن أن يحد من هيمنتها داخل الفيدرالية الروسية أبدت رغبة واضحة وقوية في حل الأمور بطريقة سلمية ودون اللجوء إلى أي استخدام للقوة. وهكذا منحت الحكومة الروسية في ظل رئاسة بوريس يلتسين عام 1994 تاتارستان مكانة قانونية استثنائية مما أعطاها صلاحيات أوسع واستقلالا ذاتيا معززا على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية.

ويعيد المؤلف واقع «القرب» في المواقف السياسية إلى موسكو رغم واقع «البعد» الجغرافي عنها، إلى شخصية الرئيس التاتارستاني مينتيمر كايمييف الذي يحظى بالثقة الكاملة لموسكو بينما تذهب جميع المؤشرات باتجاه استمراره في السلطة لسنوات عديدة قادمة، بل وربما «رئيس مدى الحياة»؟ كما يشير أحد العناوين الفرعية للكتاب، وإنما متبوعا بإشارة استفهام.

بكل الحالات ما يتم تأكيده هو أن مواقع الرئيس التاتارستاني قوية وتتعزز أكثر فأكثر لاسيما أن حزب «روسيا الموحّدة»، اي الحزب الحاكم في روسيا بزعامة فلاديمير بوتين، يحظى بشعبية كبيرة وليس هناك أي منافس جدي على الرئاسة. إن فريد هيلجمان يقدّم كتابه على طريقة سلسلة من التحقيقات حول الحياة اليومية للناس العاديين وفي مختلف مشارب النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية.

ويصل من خلال هذا كله إلى نتيجة أساسية مفادها أن تاتارستان تعرف العديد من المشاكل والمصاعب ذات الطبيعة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولكنها هي نفس المشاكل التي تعيشها روسيا كلها. بل ويرى أن التعددية الإثنية والعقائدية ليست خاصيّة «تاتارستانية» صرفة، وإنما هي بالأحرى سمة روسية عامة.

ومن أهم المشاكل التي يتم التأكيد عليها هناك خاصة مسألة غياب المصالح العامة في الوقت الذي تزدهر فيه النزعات الفردية وبحث كل فرد عن تأمين مصالحه الخاصة بعيدا عن أي مفهوم للصالح العام، بل وبعيدا عن وجود أي صيغة «ولو جنينية» لمفهوم المجتمع المدني، وهذا كله يتواكب مع تفشي حالة عامة ومعممة للفساد وسيطرة مجموعات ذات طابع «مافيوزي» على الحياة اليومية للبشر.

وبعد أن يؤكد المؤلف وجود مختلف هذه المسالب ويقدّم العديد من الأمثلة و«الشهادات الحية» عليها من أقوال الناس يشير إلى إمكانية تقديم نفس التوصيف على مختلف مناطق و«جمهوريات» الفدرالية الروسية. ومثلما هو الحال في المناطق و«الجمهوريات» المعنية، يشير المؤلف في تحليلاته إلى أن الحاشية المحيطة بالرئيس التاتارستاني منذ وصوله إلى السلطة عام 1991 والممثلة بأفراد أسرته وبأولئك الذين تسلّقوا على مناصب السلطة «يتقاسمون» الحصة الأكبر من ثروات البلاد.

ويقدّم المؤلف «جردا» للثروات الكبيرة التي تمتلك عليها تاتارستان وفي مقدمتها البترول «الذهب الأسود» كما يشرح خلال العديد من الصفحات. ولكن ليس البترول فقط، وإنما أيضا، وما يجهله الكثيرون، وتمتلك ايضا أهم المصانع الروسية في ميادين الصناعات الكيميائية والبتروكيماويات والسيارات ، مما يجعل منها أحد أغنى المناطق في روسيا كلها.

وهكذا تبدو تاتارستان من حيث واقعها الاقتصادي وحالة التعايش السائدة فيها منذ قرون رغم واقع التعدد الإثني والديني وكأنها تلعب دور «المنطقة النموذج» الذي ينبغي «الاقتداء به»، و«هذا ما دعا البعض إلى وصفها ب«إيقونة الكرملين»، كما جاء في أحد العناوين الفرعية للكتاب.

ويكرّس المؤلف العديد من صفحات كتابه للحديث عن الحياة الثقافية في تاتارستان عامة وفي العاصمة «كازان» بشكل خاص. وكانت هذه المدينة قد شهدت في عام 2005 تأسيس مهرجان «المنبر الذهبي» للسينما في العالم الإسلامي. ولا يتردد المؤلف في القول أن العاصمة التاتارستانية «كازان» أصبحت تتمتع منذ عدة سنوات بدينامية ثقافية تجعل منها إحدى المنارات في مختلف مناطق و«جمهوريات» الفيدرالية الروسية.

في المحصلة العامة يقدم هذا الكتاب توصيفا لمنطقة لها خصوصياتها داخل الفيدرالية الروسية، ولكنها منطقة مجهولة أو «يتم تجاهلها» من قبل الخارج. وهي أيضا منطقة تشكل «مختبرا» أثبتت النتائج التي جرى التوصل إليها حتى الآن على أنه يمكن الجمع بين رغبة المحافظة، بل وتشجيع الهوية الثقافية ذات الخصوصيات الإسلامية وبين ولوج عالم الحداثة، وحتى على الطريقة الغربية.

ولعلّ روسيا التي تريد اليوم أن تستعيد مكانتها على رقعة الشطرنج الدولية تستطيع أن «تفتخر» بقدرتها على تقديم نموذج يلتقي فيه الشرق والغرب في إطار مشروع واحد للتعايش.

*الكتاب:تاتارستان - بلاد المسلمين الروس

*الناشر:اوترومون ـ باريس 2007

*الصفحات :216 صفحة من القطع المتوسط

Le Tatarstan, pays des musulmans de Russie

Fred Hilgemann

Autrement- Paris 2007

P.216