مؤلفة هذا الكتاب هي مورين سوليفان المختصة بالشؤون العقائدية والإصلاح الديني وقضايا أخرى. وفي هذا الكتاب تقدم المؤلفة صورة عامة عن كيفية حصول التجديد اللاهوتي في المسيحية الغربية وبخاصة المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني التابع للفاتيكان.
ومعلوم أن الفاتيكان كان من ألد أعداء الحداثة على مدار عدة قرون. وبالتالي فالمؤلفة ترصد المتغيرات التي طرأت عليه ودفعته لأن يتخلى عن تزمته العقائدي وينفتح على العالم والعصر. والواقع أن التجاوزات التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية في الماضي بحق العلم والعلماء وكذلك محاكم التفتيش وقمع حرية الفكر باسم الدين، كل ذلك أدى في نهاية المطاف إلى حصول رد فعل معاكس. وبالتالي فالطريق إلى الإصلاح الديني لم يكن أقل أهمية من الإصلاح الديني نفسه. وترى المؤلفة أن هناك بواعث عديدة دفعت بالبابا والكرادلة وكبار رجال الدين المسيحيين إلى إجراء هذا الإصلاح الديني على العقيدة المسيحية لكي تتأقلم مع روح العصور الحديثة والتطور العلمي والصناعي.
فالحركة الفلسفية العلمانية كانت قد اكتسحت كل أنحاء أوروبا والانقلابات الاجتماعية والاقتصادية كانت قد غيرت حياة الناس وقلبتها رأساً على عقب. وبالتالي فلم يعد ممكناً أن يبقى الفقه المسيحي القديم على حاله كما كان في العصور الوسطى. كان لا بد أن تتجدد العقيدة لكي تساير كل هذه التطورات وإلا تجمدت وتحنطت وماتت في نهاية المطاف. لهذا السبب دعا البابا يوحنا الثالث والعشرون كبار رجال الدين المسيحيين إلى الاجتماع في روما عام 1962 من أجل التناقش في هذه القضايا الحساسة وإيجاد حل للصدام الحاصل بين الكنيسة والعالم المعاصر.
ولم ينته الاجتماع إلا بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ وفي ظل خليفته البابا بولس السادس عام 1965، وذلك لأن البابا السابق كان قد مات أثناء هذه العملية التجديدية الكبرى. ولكن كان له فضل الريادة والسبق في الميل إلى الأفكار العقلانية والتنويرية على عكس أسلافه من الباباوات المحافظين إن لم نقل الرجعيين المضادين للحداثة جملة وتفصيلاً.
ثم تضيف المؤلفة قائلة بما معناه: لقد جاء هذا المجمع الكنسي الإصلاحي الكبير كرد فعل على المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي حلت بأوروبا طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. وأصبحت الكنيسة منقسمة إلى قسمين كرد فعل عليها: قسم يرفض التجديد اللاهوتي وتطوير العقيدة بحجة أن ذلك يعتبر بدعة وخروجاً على الدين، وقسم يقول العكس.
وقد انتصر التيار الليبرالي في نهاية المطاف داخل الكنيسة الكاثوليكية ولولا ذلك لما كان انعقاد هذا المجمع الكنسي ممكناً. وكان أقطاب التيار الليبرالي الذي يريد التخلي عن الفقه القديم وبلورة فقه جديد يليق بالعصور الحديثة هم أشخاص من نوع: ايف كونغار اللاهوتي الفرنسي العقلاني الشهير، وجوزيف راتزنجير الذي أصبح فيما بعد بابا المسيحية تحت اسم بنديكتوس السادس عشر، وآخرين عديدين.
وقد استطاع هؤلاء في نهاية المطاف فرض رأيهم على المحافظين المعادين للتجديد. وخرجوا بعدة قرارات هامة أو فتاوى لاهوتية خطيرة. نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر عدم الإكراه في الدين بعد اليوم والاعتراف بحرية الضمير البشري فيما يخص شؤون الاعتقاد أو عدم الاعتقاد.
ونص البيان الختامي لهذا المجمع الكنسي على أنه لا ينبغي فرض التديّن بشكل قسري على أي شخص. فالإيمان إذا لم يكن نابعاً من الداخل وبشكل حر لا معنى له. ولهذا السبب فتح الفاتيكان مكتباً خاصاً لمحاورة الملاحدة في أوروبا أو غير المؤمنين. أما في السابق فكان يدينهم كلياً بل ويحرقهم أثناء محاكم التفتيش السيئة الذكر.
وهذا التجديد اللاهوتي يعتبر تطوراً نوعياً داخل الكنيسة الكاثوليكية بل ويشكل شبه معجزة. لماذا؟ لأن هذه الكنيسة كانت تنص طيلة ألفي سنة على أن غير المؤمنين بها وبعقائدها كفار تنبغي محاربتهم واستئصالهم بأي شكل. أما الآن فأصبحت تقبل بالحوار معهم وتنفتح عليهم باعتبارهم بشراً لهم كرامتهم وحقوقهم. وبالتالي فقد انتقلت الكنيسة الكاثوليكية من مرحلة التكفير إلى مرحلة التفكير ولم تعد تطلق الفتاوى جزافاً بتكفير هذا ولعن ذاك أو إباحة دم كل من يخرج على عقائدها وطقوسها.
ولأول مرة في تاريخها راحت تعترف بحرية الاعتقاد أو عدم الاعتقاد. فالضمير البشري ينبغي أن يظل حراً ولا نمارس عليه أي قسر أو إكراه لكي يؤمن غصباً عنه ويؤدي الطقوس والشعائر المسيحية مكرهاً.
هذا الموقف الذي كان سائداً في القرون الوسطى لم يعد ممكناً اليوم بعد كل ذلك التقدم الذي حققه العلم والحضارة والفلسفة العقلانية. وبالتالي فالإيمان الحقيقي هو ذلك الذي ينبع من الأعماق وعن طريق الاختيار الحر للشخص. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم أيضاً قال تعالى: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ثم: لا إكراه في الدين.
أما التجديد اللاهوتي الثاني الكبير الذي توصل إليه هذا المجمع الكنسي المشهور وباسم الفاتيكان الثاني فيخص موقف الفاتيكان من الأديان الأخرى وبخاصة الإسلام واليهودية والبوذية والهندوسية. فلأول مرة تغير الكنيسة الكاثوليكية موقفها من الأديان الأخرى وتعترف بحقها في الوجود.
في السابق كانت الفتوى اللاهوتية تقول: خارج الكنيسة الكاثوليكية الرومانية البابوية لا خلاص للإنسان ولا مرضاة من عند الله. وهذا الموقف الإقصائي للآخرين استمر طيلة ألفي سنة تقريباً. ولذلك فإن الكنيسة الكاثوليكية كانت تكفّر أتباع الأديان الأخرى بل وحتى أتباع المذاهب المسيحية الأخرى كالبروتستانت والأرثوذكس باعتبارهم هراطقة.
أما الآن فأصبحت تعترف بهم جميعاً وترفع تهمة القرون الوسطى عنهم. وقد نص المجمع الكنسي في آخر بياناته على ضرورة احترام المسلمين وعقائدهم لأنهم يؤمنون بالله الواحد الأحد وبالتالي فهم من أتباع دين التوحيد. وقال المجمع: علينا أن نغيّر موقفنا السلبي تجاه المسلمين وأن نطوي صفحة العداء وسوء التفاهم معهم. فهم على دين الحق ويستحقون كل احترام وتقدير.
وإذا كانت قد حصلت عداوات بيننا وبينهم في الماضي وإذا كنا قد تحاربنا ونبذنا بعضنا بعضاً فإن ذلك لم يعد وارداً اليوم أبداً. وعلى هذا النحو غيّرت الكنيسة الكاثوليكية موقفها من الإسلام، وكان ذلك يعتبر بمثابة ثورة داخل اللاهوت المسيحي لأنه شكل قطيعة بالقياس إلى ألفي سنة من العداء والإقصاء والفتاوى التكفيرية.
ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: لقد اتخذ هذا المجمع الكنسي الكبير قرارات لاهوتية خطيرة ما كانت تخطر على البال في العصور السابقة. ولهذا السبب رفضها التيار المتزمت داخل الكنيسة الكاثوليكية واعتبرها بدعة أو زندقة أو كفراً. وحصل انشقاق كبير عندئذ بين الليبراليين والأصوليين. وابتدأت حملات الهجوم والهجوم المضاد بين الطرفين. واستمرت سنوات طويلة حتى انتصر التيار التحديثي في نهاية المطاف على التيار الانغلاقي المتعصب.
هكذا نلاحظ أن التجديد ممكن حتى داخل العقائد وأن الفهم المستنير للدين غير الفهم المتزمت أو المتطرف الذي لا يعترف بالتطور ولا بالتقدم ولا حتى بروح الأزمنة الحديثة وما حققته من إنجازات للبشرية.
*الكتاب:الطريق إلى الفاتيكان الثاني - مفاتيح التغيير في اللاهوت المسيحي
*الناشر:باوليست بريس ـ لندن، نيويورك2007
*الصفحات :161 صفحة من القطع الكبير
The road to Vatican II : key changes in theology
Maureen Sullivan
Paulist Press- London New York 2007
P.161

