مؤلف هذا الكتاب هو الباحث دونالد ماكالوم أحد المختصين بفلسفة القرون الوسطى عموما وفلسفة موسى بن ميمون على وجه الخصوص. وهو يسلّط أضواء المناهج النقدية الحديثة على المؤلف الأشهر لابن ميمون: أي دلالة الحائرين. ولكنه يقدم أيضا معلومات هامة عن حياته وسيرته الشخصية. وكان مما قاله: لقد ولد موسى بن ميمون في مدينة قرطبة عاصمة الأندلس عام 1135.
وكان بيته قريبا من النهر الجميل الذي يعبر المدينة. وعندما كان صغيرا في الثالثة من عمره كان رفيق طفولته وملاعب صباه طفل مسلم يدعى: علي. ولهذا السبب فإنه تعلم مبادئ اللغة العربية منذ نعومة أظفاره من خلال احتكاكه بهذا الطفل العربي المسلم. وعندما أصبح شابا أصيبت العائلة بمرض أمه، وقد أحزنه ذلك كثيرا وحاول مساعدتها بشتى الوسائل.
والواقع أن مفتي قرطبة الشيخ عباس كان طبيبا وفي ذات الوقت عم الصبي علي صديق موسى ابن ميمون، فطلب مساعدته. وهذا ما كان. فقد قدم لها الشيخ عباس كل الأدوية الممكنة للتخفيف من آلامها. ولكن المرض كان أقوى من كل شيء فماتت أمام أنظار ابنها المفجوع. وكانت هذه أول كارثة في حياة الفيلسوف المقبل. وقد صمم بعدها على أن يصبح طبيبا لمعالجة المرضى وشفائهم إذا أمكن.
ثم كانت هناك حادثة أخرى مقلقة ومنذرة بالخطر بالنسبة للطائفة اليهودية: ألا وهي غزو الموحدين للأندلس. وعندئذ فكر والد موسى بالاتصال بيهود مدينة فاس بالمغرب من أجل الحصول على ملجأ وملاذ عندهم. وقد أرسلوا إلى هناك شابا اسمه عبد القادر لكي يستطلع لهم الأمور. ولم يكن هذا الشاب إلا ابن الشيخ عباس مفتي قرطبة المذكور آنفا. وهذا أكبر دليل على مدى تسامح المسلمين ورعايتهم للأقلية اليهودية التي تعيش في ظلهم.
وفي أثناء ذلك مرت سنوات عديدة استطاع موسى بن ميمون أن يعمق دراساته الطبية وتجاربه على النباتات والأعشاب. كما وانخرط في ذات الوقت في دراسات معمقة عن الدين والروحانيات والتفاسير الباطنية لكتب اليهود: أي التوراة والتلمود. ولكن عندما بلغ سن النضج ترك فجأة بيت والده وذهب إلى حاخام يهودي يدعى صموئيل. وهذا ما أزعج والده أي إزعاج، ومعلوم أنه كان رجل دين أيضا أي حاخام.
ثم يضيف المؤلف قائلا ولكي يمنعه الحاخام صموئيل من أن يلتجئ إلى عند المسلمين فإنه أعطاه بيتا خاصا به حيث تفرغ للتأملات والعزلة. والواقع أنه كان يخشى أن يتخلى عن دينه نتيجة خلافه مع والده ويعتنق دين المسلمين. وهناك راح يدرس الفلسفة مع أحد المسلمين وأحد المسيحيين. وهكذا التقت الأديان الثلاثة كلها من خلالهم. ثم عاد إلى بيت والده بعدئذ وغفر له والده ما فعله سابقا تجاهه عندما هجره وتركه وحيدا.
ثم عاد المبعوث من مدينة فاس وأخبرهم بالنبأ المقلق وهو أن جيوش الموحدين زاحفة باتجاه اسبانيا: أي الأندلس، وبالتالي فما على اليهود إلا الرحيل. وقد أعطاهم المغني عباس كل ما يحتاجونه أثناء السفر: من دواب، وخيام للنوم، وحمير، وأحصنة، ومؤونة. وأثبت المسلمون بذلك تعاطفا كبيرا مع اليهود، أو قل بعض المسلمين المتسامحين. بل وأرسل الشيخ عباس معهم ابنه عبد القادر وخادمه رشيد لكي يدلهم على الطريق ويوصلهم إلى مدينة فاس العريقة بسلام.
مقابل ذلك أهدى والد موسى بن ميمون داره للشيخ عباس آملا في أن تصبح لاحقا ملكية ولده عبد القادر. وفي أثناء الطريق توقفوا في غرناطة حيث استقبلهم أحد علماء المسلمين بتوصية من الشيخ عباس. وكان طبيبا مشهورا. وقد استفاد موسى بن ميمون منه كثيرا وتعلم فن الطب على يديه.
وفي تلك الأيام اختلى موسى بوالده الذي أعطاه الوصية التالية: يا ابني نحن اليهود نعاني من كثرة القوانين والشرائع واختلافها من بلد إلى بلد. وبالتالي فعليك أن تكتب لليهود قانونا واحدا لكي يمشوا على هداه. فهل تستطيع؟ وكانت تلك بداية التفكير بتأليف كتابه الشهير: دلالة الحائرين.
ولكنه لم يستطع تأليفه إلا بعد سنوات طويلة من ذلك التاريخ، أي بعد أن يكبر وينضج ويصبح راسخا في العلم. فقد استطاع عندئذ أن يبلور للجميع طريقا أو منهجا واحدا إذا ما اتبعوه لن يضيعوا. وهكذا هدى الحائرين إلى طريق الرشاد. وقد كتبه عام 1190، أي وهو في الخامسة والخمسين من عمره. وأمّن له هذا الكتاب شهرة واسعة عبرت القرون: أي استمرت منذ العصور الوسطى وحتى اليوم. فعندما يذكر اسم موسى بن ميمون يذكر كتاب: دلالة الحائرين.
وترجع أهمية الكتاب إلى أنه عرض اليهودية بمصطلحات ومفاهيم غير يهودية: أي فلسفية عامة. إنه عبارة عن تحقيق للمصالحة بين الدين اليهودي والفلسفة العقلانية. وبالتالي فإن موسى بن ميمون حقق لليهود ما حققه الفيلسوف العربي الكبير ابن رشد بالنسبة للمسلمين: أي إقامة التوافق بين النقل والعقل، أو بين الدين والفلسفة.
من هنا عظمة ابن ميمون وأهميته بالنسبة للفكر اليهودي والبشري ككل. فالواقع أن كتابه هذا أثّر على جميع المفكرين اليهود منذ العصور الوسطى وحتى العصور الحديثة. ولهذا السبب يعتبرون مؤلفه بمثابة أكبر فيلسوف في تاريخ اليهود. ولكن جاء سبينوزا فيما بعد وحل محله وتفوق عليه.
الفرق الوحيد هو أن سبينوزا خرج كليا من اليهودية وتبنّى الفلسفة العقلانية في حين أن ابن ميمون ظل يهوديا متمسكا بدينه وفي الوقت ذاته محبا للفلسفة والعقل.
ثم يردف المؤلف قائلا: والواقع أن ابن ميمون استطاع أن يقدم في هذا الكتاب المهم تفسيرا مجازيا للنصوص المقدسة عند اليهود. هذا في حين أن الحاخامات قبله كانوا يأخذون هذه النصوص على حرفيتها ويصدقون كل ما تقوله. وبما أنها تقول أشياء خرافية كثيرة، أي أشياء يصعب تصديقها، فإنه حصل تناقض بين النص والعقل.
عندئذ ظهر كتاب موسى بن ميمون لكي يحل هذا التناقض ويصالح النص المقدس مع العقل والمنطق. وهذا ما فعله تماما ابن رشد قبله في كتاب شهير يحمل العنوان التالي: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. والمقصود بالحكمة هنا الفلسفة الارسطوطاليسية. وعلى هذا النحو قدم ابن ميمون تفسيرا عقلانيا للدين اليهودي وأنقذ اليهود من التفسير الخرافي والأصولي المتمسك بحرفية النص وحلّ ذلك التناقض الرهيب الناشب ما بين النص والعقل.
ويرى بعض المؤرخين أن ابن ميمون استفاد من حجة الإسلام الغزالي في كتابه هذا. ومعلوم أن الغزالي كان قد نشر كتابا بعنوان: ميزان العمل. وبالتالي فهداية الحائرين متأثر به. والشيء الأهم من ذلك هو أن ابن ميمون ألف كتابه الشهير مباشرة باللغة العربية لا باللغة العبرية.
ولهذا السبب فإن العرب يعتبرونه أحد فلاسفتهم حتى ولو كان يهوديا لأنه كتب بالعربية. ثم ترجم كتابه بعدئذ إلى لغة اليهود وبقية اللغات العالمية الأخرى. فقد ترجم مثلا إلى الفرنسية لأول مرة عام 1856 ـ 1870 من قبل أحد المستشرقين الذين اعتمدوا على النص الأصلي: أي العربي.
*الكتاب: كتاب دلالة الحائرين لموسى بن ميمون الصمت والنجاة
*الناشر:راوتلدج ـ لندن - نيويورك2007
*الصفحات: 183 صفحة من القطع الكبير
Maimonides' guide for the perplexed : silence and salvation
Donald McCallum
Routledge - London- N. Y. 2007
P.183
