مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة جنفييف برام المستشارة الدولية في الشؤون الاقتصادية والسياسية والموارد البشرية. وفي هذا الكتاب تقدم المؤلفة صورة بانورامية واسعة عن فرنسا المعاصرة من كافة النواحي: السياسية، والعلمية، والجامعية، والجغرافية، والديمغرافية، الخ. والكتاب موجه أساسا إلى الطلاب الأجانب الذين يرغبون بالمجيء إلى بلاد فولتير والدراسة فيها. فهي تقدم لهم كافة المعلومات لتسهيل حياتهم وإقامتهم والنجاح في دراستهم.

ومنذ البداية تقول المؤلفة ما معناه: إن فرنسا بلد يتخذ جغرافيا شكل المسدس المتناسق الأضلاع تقريبا. وتبلغ مساحتها 550 ألف كيلومتر مربع. وبالتالي فهي أكبر بلد أوروبي من حيث المساحة وتتفوق على اسبانيا، وألمانيا، والسويد من هذه الناحية. وقد حباها الله طبيعة رائعة غناء ومتنوعة من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق. فهي تقع على بحرين لا بحر واحد على عكس ألمانيا وبلاد الشمال الأوروبي: بحر دافئ هو المتوسط، وبحر بارد هو المحيط الأطلسي.

بل إنها تقع على أربعة بحار لأن لها شواطئ على بحر المانش وبحر الشمال أيضا. وفيها السهول الواسعة الممتدة والجبال الشاهقة الارتفاع وما بينهما. وفرنسا بلد صناعي وزراعي في آن معا. فهي تنتج كل أنواع اللحوم والخضروات بالإضافة إلى السيارات والطائرات وشتى أنواع الآلات التكنولوجية. من هنا غناها وثرواتها التي تضعها في مصاف أولى الدول في العالم.

ثم تنتقل المؤلفة إلى الناحية السياسية والمؤسسات وتقول: ينبغي العلم بأن فرنسا بلد جمهوري ديمقراطي برلماني. وهي من أقدم الدول القومية الحديثة في أوروبا إن لم تكن أقدمها. فقد شكلت وحدتها القومية قبل ألمانيا بكثير. وكانت مركزية جدا في السابق. بمعنى أن القرارات كانت تصدر من المركز (باريس) وتنفذ في كل أنحاء الأقاليم دفعة واحدة.

ولكنها تحولت إلى دولة لا مركزية في السنوات الأخيرة بعد أن شعر المسؤولون بأن هذه المركزية الصارمة تخنق حس المبادرات والإبداع وتشل الأقاليم البعيدة عن العاصمة أحيانا. فأهل مكة أدرى بشعابها كما يقول المثل العربي. وبالتالي فإن سكان الألزاس أو اللورين أو مناطق الجنوب وسواها أدرى بأمور حياتهم من ساسة باريس الجالسين خلف مكاتبهم في القصور الحكومية.

ربما لأن العالم كله يسير نحو الفيدرالية واللامركزية فإن فرنسا اضطرت إلى مسايرة هذه الحركة التاريخية والتخفيف من نموذجها المركزي إلى الموروث عن الثورة الفرنسية. وفرنسا محكومة منذ عام 1958 من قبل الدستور الذي بلوره الجنرال ديغول وصوت عليه الشعب من خلال استفتاء عام بنسبة كبيرة.

وبالتالي فإن فرنسا لا تزال تعيش في ظل الجمهورية الخامسة التي أسسها قائد فرنسا الحرة قبل خمسين عاما بالضبط تقريبا، وسوف تحتفل العام القادم 2008 بمرور نصف قرن على تأسيس هذا النظام من قبل شارل ديغول. ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن هذا الدستور يعطي صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية وذلك على حساب رئاسة الحكومة والبرلمان. والسبب واضح فهو مفصّل على قياس الجنرال ديغول شخصيا.

ومعلوم أنه عندما عاد إلى السلطة عام 1958 طلب الصلاحيات الكاملة لعام واحد من أجل التفرغ لحل القضية الجزائرية وتزويد البلاد بمؤسسات جديدة. وبما أن ديغول كان شخصية تاريخية فإنه أعطى لنفسه صلاحيات واسعة من خلال هذا الدستور. ولكن هذا لا يعني أن صلاحيات رئيس الوزراء قليلة أو أن صلاحيات البرلمان معدومة، ولكن تبقى الكلمة الأخيرة لرئيس الجمهورية في الواقع. والدليل على ذلك ما يحصل مع ساركوزي حاليا.

فهو حاضر على كافة الجبهات ويتخذ كافة القرارات تقريبا. وقد حصل ذلك إلى درجة أن رئيس الوزراء انزعج وشعر بالتهميش، كما يقول البعض. لا ريب في أن فرنسا تطبق نظرية فيلسوفها مونتسكيو عن الفصل بين السلطات. وهي النظرية التي طرحها في كتابه الشهير: روح الشرائع. بمعنى أن البلد ينبغي أن يحكم من قبل ثلاث سلطات: السلطة التشريعية (البرلمان)، والسلطة التنفيذية (الحكومة)، والسلطة القضائية (القضاة).

هذا من حيث النظرية الفلسفية السياسية. ولكن من حيث التطبيق العملي نلاحظ أن السلطة التنفيذية، أي المتمثلة برئيس الجمهورية والحكومة، هي التي تمتلك معظم السلطات. لا ريب في أن البرلمان هو الذي يسنّ القوانين. ولكن كثيرا ما يشتكي النواب من ضعف سلطاتهم وصلاحياتهم. فالرئيس قد يتخذ قرارات سياسية حاسمة دون أن يعود إلى مجلس النواب أو دون أن يخبره إلا بعد فوات الأوان. وينطبق هذا الأمر بشكل خاص على السياسة الخارجية لفرنسا.

ثم تتحدث المؤلفة عن الأحزاب السياسية الفرنسية وتقول: ظهر مصطلحا اليمين واليسار بعد اندلاع الثورة الفرنسية مباشرة، وذلك لأن النواب المدافعين عن النظام الملكي القديم جلسوا في المقاعد الموجودة على اليمين داخل الجمعية التأسيسية الفرنسية: أي البرلمان، والنواب المدافعين عن النظام الجمهوري الوليد جلسوا في المقاعد الكائنة جهة اليسار.

ثم اتخذ هذا المصطلح لاحقا كل تلويناته السياسية وأبعاده الحزبية، وأصبح نواب اليسار أقرب إلى طبقات الشعب الفقيرة أو المتوسطة، وأما نواب اليمين فهم عادة أقرب ما يكونون إلى الطبقات الغنية المهيمنة في المجتمع. وفي أيام الجنرال ديغول شاعت المقولة التالية: بيننا وبين الشيوعيين لا يوجد أحد.

بمعنى أن الحزب الديغولي والحزب الشيوعي هما اللذان يحكمان فرنسا أو يسيطران عليها سياسيا. والواقع أن الأحزاب الأخرى كانت ضعيفة بما فيها الحزب الاشتراكي. فنظرا إلى أن الديغوليين والشيوعيين هم الذين أبلوا بلاء حسنا أثناء المقاومة ضد الاحتلال النازي فإنهم أصبحوا هم المسيطرين سياسيا على الشارع الفرنسي.

وقد دامت هذه الحالة زمنا طويلا حتى بداية السبعينات عندما تأسس الحزب الاشتراكي الجديد على يد فرانسوا ميتران واستطاع أن يسحب الورقة من أيدي الحزب الشيوعي ويسيطر على جهة اليسار الفرنسي. ثم تتحدث المؤلفة بعدئذ عن الوجه الجديد لفرنسا وتقول ما معناه: إن فرنسا المقبلة ستكون متعددة الأوجه وذلك لأن الجاليات المغتربة أصبحت كثيرة فيها. فهناك ما لا يقل عن ستة ملايين مغترب من أصول عربية أو إفريقية سوداء.

وهذا سينعكس بالتالي على تركيبة فرنسا السكانية والثقافية والدينية. بل إن الإسلام أصبح منذ الآن الدين الثاني لفرنسا بعد المسيحية في مذهبها الكاثوليكي. ولكن ميزة فرنسا هي أنها بلد علماني في نص الدستور: بمعنى أنها لا تقبل بأي تمييز بين المواطنين على أساس عرقي أو ديني. فجميعهم سواسية أمام القانون والمؤسسات طبقا لشعار الثورة الفرنسية: حرية، مساواة، إخاء.

وحق التديّن وممارسة الطقوس والشعائر محفوظ لكافة الأديان والمذاهب دون استثناء. ولكن من لا يريد ممارسة الطقوس فهو حر أيضاً ولا يستطيع أحد أن يلاحقه أو يعاقبه، ولا يوجد مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية وإنما الجميع مواطنون بنفس الدرجة.

*الكتاب: عندكم في فرنسا

*الناشر:الوثائق الفرنسية - باريس 2007

*الصفحات:348 صفحة من القطع الكبير

Chez vous en France

Geneviève Brame

La Documentation Française PARIS 2007

P.348