مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي جان بريبوزييت أحد كبار الاختصاصيين بفلسفة سبينوزا. وكان قد نشر سابقا عدة كتب عن الموضوع، نذكر من بينها: سبينوزا وحرية البشر (منشورات غاليمار، 1967).

وفي هذا الكتاب الجديد يقدم لنا المؤلف سيرة حياة سبينوزا وأعماله بطريقة سلسة، واضحة، شيقة. ومنذ البداية يقول بما معناه: الشيء المدهش لدى سبينوزا هو تلك الإرادة القوية التي كان يتحلى بها. فقد استطاع أن يتحدى المتعصبين في طائفته اليهودية. وعلى الرغم من أنهم كفّروه بل وحاولوا اغتياله إلا أنه لم يتراجع عن أفكاره العقلانية الفلسفية. والواقع أنه كان بإمكانه أن يعيش حياة رغيدة سعيدة لو أراد. فهو قد ولد في عائلة غنية ومرموقة داخل الطائفة اليهودية في مدينة امستردام الهولندية. وكان ذلك في الثلث الأول من القرن السابع عشر وبالتحديد عام 1632، كان المستقبل مفتوحا أمامه لكي ينجح في الحياة ويحتل المكانة الاجتماعية التي يريدها.

ولكنه فضل أن يخرج من حدود الطائفة الضيقة ويوسع آفاقه المعرفية. والدليل على ذلك هو أنه راح يتعلم اللغة اللاتينية التي كانت لغة المثقفين المسيحيين في كل أنحاء أوروبا آنذاك. وراح يتعلم الفلسفة الديكارتية ويغوص فيها. وكان ذلك بمثابة إعلان حرب على الأصوليين اليهود النافذين في طائفته والذين يكرهون المسيحيين ولغتهم باعتبارهم الأعداء التاريخيين لليهود.

ولذلك أطلقوا فتوى بتكفيره عام 1756 أي عندما كان في الرابعة والعشرين من عمره. وقد صدرت الفتوى اللاهوتية عن مجلس الحاخامات في هولندا. واتهموه فيها بالزندقة والخروج على الدين اليهودي. ثم حاول أحد المتعصبين قتله بضربة خنجر ولكن لحسن الحظ فإن المعطف الذي يلبسه كان سميكا جدا ولم تستطع الضربة أن تؤذيه وإنما خدشته بشكل بسيط وسطحي فقط. وتقول الأسطورة بأنه احتفظ بعدئذ بذلك المعطف حتى النهاية لأنه حماه من الموت.

وعندئذ انسحب سبينوزا من الحياة العامة وعاش بشكل زاهد ومتقشف. وكان يكسب رزقه من صقل النظارات وهي المهنة التي تعلمها. والواقع أنه حرم من الإرث العائلي الكبير بعد تكفيره ونبذه من الطائفة. ولولا ذلك لاستطاع أن يعيش حياة الأثرياء المرفهين. ولكن هل كان يبحث عن ذلك فعلا؟ هل كان يهمه أن يعيش غنيا؟ الأرجح، لا.

وقد غادر مدينته الأصلية لكي ينجو من الأذى ومحاولات اغتيال جديدة وذهب للعيش في ضواحي لاهاي. والتحق عندئذ بالأوساط الليبرالية المسيحية التي حمته واحتضنته بعد أن توسمت فيه علائم العبقرية. ثم يردف المؤلف قائلا: لقد كان سبينوزا أول من قدم تفسيرا عقلانيا للتوراة والإنجيل: أي للكتاب المقدس بالنسبة لليهود والمسيحيين. وكان ذلك يعتبر بمثابة العمل الجديد كليا بالنسبة لتلك الفترة. وهذا التفسير العقلاني الجديد هو الذي دفع به لاحقا إلى التمييز بين الاعتقاد الديني والمعرفة الفلسفية.

لكي يستعرض المؤلف مشروع سبينوزا الفلسفي بكل أبعاده فإنه يلجأ إلى تقسيم كتابه إلى عدة أقسام أو فصول متلاحقة ومتكاملة، هذا بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة. في المقدمة يتحدث المؤلف عن أوضاع هولندا في القرن السابع عشر من كافة النواحي: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والدينية.

كما ويقدم لمحة تاريخية عن الطائفة اليهودية التي كانت قد التجأت إلى امستردام هربا من الاضطهاد الاسباني والبرتغالي. وبالتالي فأسلاف سبينوزا هم من يهود اسبانيا والبرتغال وكانت لهم علاقات مع العرب والمسلمين. بل وعاشوا في ظلهم معززين مكرمين دون أن يتعرضوا للاضطهاد على عكس ما حصل لهم مع المسيحيين. ثم يتناول المؤلف في الفصل الأول الوسط العائلي الذي ولد فيه سبينوزا. وكما قلنا فإن عائلته كانت تشتغل بالتجارة وتملك مخزنا كبيرا وثروة محترمة لا يستهان؟

وقد درس سبينوزا في البداية مبادئ الدين اليهودي ككل أبناء جيله وطائفته. كما ودرس اللغة العبرية التي تعتبر مقدسة بالنسبة لليهود لأنها لغة التوراة. أما اللاتينية فكانت تعتبر بمثابة لغة الأعداء المسيحيين. ولذلك فما كان زعماء الطائفة اليهودية يرضون عن أطفالهم إذا ما تعلموها بل كانوا ينهونهم عن ذلك نهيا قاطعا خشية من أن يغيروا دينهم ويصبحوا مسيحيين.

أما الفصل الثاني من الكتاب فمخصص للقطيعة، وهنا يستعرض المؤلف بالتفصيل ما حصل لسبينوزا في تلك الفترة الحرجة والحاسمة من حياته وكيف اضطر إلى الخروج من الدين اليهودي والاصطدام بأعيان الطائفة. وكيف أنهم حاولوا في البداية إقناعه بالتراجع عن أفكاره الفلسفية لكيلا يتخذوا أية إجراءات صارمة بحتة.

بل وعرضوا عليه المناصب والمنافع والمراتب لكي لا يتراجع عن خطأه ولكنه رفض في نهاية المطاف. فكان أن اجتمعوا فيما بينهم واتخذوا قرارا بفصله من الطائفة وتكفيره. وقد صبوا عليه جحيم لعناتهم اللاهوتية وحذروا اليهود الآخرين من الاقتراب منه أو مساعدته أو حتى الأكل معه. فقد أصبح في نظرهم وكأنه رجس من عمل الشيطان.

وأما الفصل الثالث من الكتاب فمكرس لوصف حالة سبينوزا بعد أن طردوه من امستردام. وقد عاش بعدئذ في عدة مدن صغيرة قبل أن يستقر أخيرا في لاهاي . وكان يستأجر في العادة غرفة مفروشة ويضع فيها كتبه وملابسه ثم يقعد لكي يشتغل ويكتب. وعندئذ كرس نفسه كليا للفلسفة فلم يتزوج ولم ينجب الأطفال. ولم يكن يهتم بشراء الثياب الفاخرة على عكس بقية المثقفين.

كان يقول لمن يسأله: ولماذا أصرف أموالا طائلة على الألبسة الفاخرة؟ ما فائدة ذلك؟ ما معنى أن أضع شيئا ثمينا على شيء غير ثمين، أي على جسده؟ فالجسد هالك وفان يا صديقي ولسنا بحاجة إلى ألبسة غالية الثمن، وإنما تكفينا ألبسة نظيفة وبسيطة، والباقي لا أهمية له. كل هذه المظاهر نحن في غنى عنها.

وفي الفصل الرابع من الكتاب يتحدث المؤلف عن أصدقاء سبينوزا الذين كانوا يحيطون به ويشكلون حلقة ضيقة من الأتباع المخلصين. وأما في الفصل الخامس فيتحدث عن الشخصيات الكبرى التي تعرف عليها في عصره كرئيس وزراء هولندا جان دوفيت اندي كان صديقه وحاميه. بل إنه كرس له راتبا شهريا لكي يتفرغ لأعماله الفلسفية.

ولكن المشكلة هي أن الرعاع والأصوليين المسيحيين تعرضوا به في الشارع واغتالوه مع أخيه الذي كان سائرا معه. وقد أثرت هذه الحادثة كثيرا على سبينوزا وقرر الانتقام بشكل فكري من كل الأصوليين المتعصبين سواء أكانوا مسيحيين أم يهودا. فلا فرق بينهما في نهاية المطاف. فالتعصب هو التعصب أيا يكن الدين الذي ينتسب إليه.

ثم يتحدث المؤلف أيضا عن لقاء سبينوزا بأكبر فيلسوف ألماني في ذلك العصر: لاينبتز. وهو لقاء تاريخي لأنه يمثل نوعا من القمة الفلسفية بين اثنين من أكبر فلاسفة أوروبا آنذاك بل أكبرهما على الإطلاق. وقد تم اللقاء بناء على طلب من لاينبتز لأن سبينوزا كان يعيش حياة العزلة والوحدة ولا يسافر إلى أي بلد. وفي الختام يتحدث المؤلف عن أعمال سبينوزا الأساسية وبخاصة كتابه الشهير: مقالة في اللاهوت السياسي، ثم كتابه الأشهر الذي لم ينشر إلا بعد موته: الأخلاق.

*الكتاب: سبينوزا

*الناشر:تالاندييه ـ باريس 2007

*الصفحات:238 صفحة من القطع الكبير

Spinoza

Jean Preposiet

Tallandier- Paris 2007

P.238