بعد قيام جوشوا فورست في مجموعته القصصية «القصار» بالترحال في عالم الأطفال في أميركا بكل تناقضاته وتعقيداته، ينطلق في روايته «سابوتاج كافيه» لاستكشاف آفاق المخاطر والآلام في عالم مراهقي أميركا.
في اللمحة الأولى من الرواية، نحن مع الصبية شيريل التي لا يتجاوز عمرها خمسة عشر عاماً، حيث نراها وهي ترحل عن دارها الخانقة في إحدى الضواحي الأميركية، لينتهي بها المطاف وقد جلست وسط مجموعة من المراهقين الفوضويين في منطقة مشبوهة من وسط مينابوليس، ويأتي عقب ذلك دفق مرعب من الموسيقى والمخدرات والجنس. ما يحاول فورست تحقيقه هنا هو شق طريقه وسط الغضب والفوضى والحيرة التي يواجهها من هم في عمر شيريل وهم يعيشون سنوات النشأة في بيئة المراحل الأخيرة من الرأسمالية، كما يشدد الكتاب صراحة وعن عمد.
والرواية تحلق في بعض مقاطعها إلى سماء الغنائية الفريدة، ولكنها تتردى في بعض الأحيان إلى وهدة الميلودراما. لكن القارئ في كل الأحوال لا يملك إلا أن يندفع مع السطور والصفحات نحو النهاية. والرواية تروي لنا على لسان جوليا، أم شيريل، التي تقول لنا في مستهل الكتاب: «ما يمكنني أن أعد به أنني سأكون مخلصة».
على الرغم من كل المشكلات التي تحيط بمصداقية جوليا، فإن وعدها هذا يعيد إلى الأذهان القصة القديمة عن المريض الذي يعاني من انفصام الشخصية والذي يخفق في اجتياز اختبار الكذب عندما ينفي أنه نابليون بونابرت. وجوليا تتمتع باقتدار مدهش، وهي على نحو ما تجتذبنا بشدة لمتابعة ما تحكيه لنا.
في الرواية تبدو لنا جوليا في إحدى هيئتين، فهي إما أن تكون الملاك الحارس لابنتها، وتلك بالطبع هي رؤيتها، وإما أن تكون الكابوس الذي يطاردها، وتلك هي رؤية شيريل نفسها للموقف.
هذا الموقف يبدو كما لو كان أسوأ الكوابيس التي يمكن أن تواجهها أي أم، أو على الأقل الرؤية المفعمة بجنون الاضطهاد التي يتشبع بها أي مراهق في أكثر ساعات يأسه ظلاماً، لكن مع انطلاق الرواية في مسيرتها فإننا نجد أنفسنا أمام سؤال مهم: رواية من هذه.. رواية الأم أم الابنة؟
إن ما يشير إليه فورست، في نهاية المطاف، هو أن كل جيل محكوم عليه بأن يعيش قصص آبائه التي لم تحسم ولم تحل مراراً وتكراراً. ونحن لا نملك إلا أن نلاحظ أن جوليا تروي قصة شيريل على نحو يتداخل مع قصة شبابها الوحشي هي نفسها، فنوشك ألا نعرف عند مقطع بعينه عبر أي القصتين ننطلق.
في مرحلة من الرواية نمضي مع شيريل وقد التقت بجارود، الفتى المكفهر وكلبه الذي يدعوه دوج في أحد شوارع وسط مينابوليس، حيث يمضيان ساعات طويلة عاكفين على احتساء الجعة ومشاهدة برامج التلفزيون في شقة جارود التي يشارك فيها أمه التي تنتمي إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، والتي لا تشق أشعة الشمس طريقها إليها.
لكن شيريل تبحث عن نسيان أكثر إثارة، وسرعان ما تجده عندما تقتحم الشقة مجموعة من الفتية الضائعين يقودهم فتى متهور، نقش قصيدة رامبو «الزورق السكير» على ذراعه، فتحدث نفسها إن هذا هو الفتى الذي يمكن أن يساعدها على حرق مدرستها!
إن الجالسين في سابوتاج كافيه يتغذون من النفاية الأميركية، ويبنون بيتهم من نفاية الآخرين أيضاً، ويعيشون لكي يدمروا ولكي يعيدوا تدوير المواد، ومن خلال عيني شيريل، «لقد عانقتهم نفاية العالم، والآن ليس لديهم شيء، وهم بسبيلهم إلى أن يصبحوا لاشيء، وهم يحلمون بطرق تحويل كل شيء إلى لا شيء معهم».
لقد قال فورست إنه أراد أن يكتب عن الفتية المراهقين الذين يحاولون البحث عن هويتهم وتحديد أنفسهم بوضوح وسط كل التناقضات التي تحيط بهم «في معارضة لأشكال التقدم الاجتماعي التي تعد بها الرأسمالية».
ومن المحقق أن هذا موضوع شديد الثراء، ولكن على الرغم من كل جهود الروائي، وعلى الرغم من الحديث الذي لا ينتهي بين شخصيات الرواية، فإن شخصيات فورست من الذكور تظل شخصيات تفتقر إلى الدماء، تظل أبعد ما تكون عن شخصيات دستويفسكي وكيرواك التي تتحدى النسيان، وليس بمقدورنا أن نحس بنبضات قلوبهم وراء أصواتهم.
مع حلول الوقت الذي تنقلب فيه شيريل على مفهوم فتاها الذي شغفها حباً، ترينت، عن الثورة فإن القارئ لا يعود يلاحظ أو يهتم بما يجري، فتصوير فورست لهذا العالم المتردي لا يدع فوضاه تدوي حقاً في الأسماع نغماً أو موسيقى أو صراخاً. والقارئ لا يحتاج إلى الكثير من البراعة أو الحصافة لكي يدرك الحقيقة البسيطة القائلة إن رواية عظيمة عن فقدان البراءة تقتضي أكثر بكثير من الغواية مما هو موجود بين دفتي هذا الكتاب.
على الرغم من ذلك، فإن هذه الرواية تحمل وعداً بروائي مميز، وفورست يبدو لنا من بين سطورها وصفحاتها كاتباً شديد اللماحية، متعاطفاً مع شخصياته، وقادراً على رصد تقلبات العواطف البشرية وانعطافاتها الملغزة، لكنه ينسى ـ أحياناً ـ أنه في عالم حافل بالإيقاعات كالذي يقدمه لنا عبر روايته فإن القارئ يريد أكثر بكثير من القليل من الروك آند روك!
أيا كان الأمر، فإننا نلاحظ أن عدداً كبيراً من أبرز الكتاب والنقاد قد أبدوا اهتماماً خاصاً بهذه الرواية. يقول الناقد ديفيد ببرونا في معرض التعليق على هذه الرواية: «هذه الصورة المكتوبة ببراعة واقتدار تقدم التأثير المذهل لافتقار أم للاستقرار على ابنتها».
وبدوره يقول الروائي جيم شيبارد: «إن رواية «سابوتاج كافيه» لجوشوا فورست تقدم على نحول جميل، من خلال ذكاء ملاحظاتها والتوظيف البارع لوجهة نظر مرنة، الاحتياج الاستحواذي من جانب أم يجعلها فشلها في الماضي أكثر انزعاجاً على ابنتها. وهي تقدم صورة مفزعة للطريقة التي نتشبث من خلالها بالمفهوم القائل إننا نحيا داخل أبنائنا وهم يعيشون داخلنا».
ويقول الناقد بي يوين لي: «هذه الرواية اللماحة والمتوهجة بالحياة تنسج مشهد الشباب المتردي في مينابوليس في الثمانينيات وحياة الجيل الشاب اليوم من خلال رواية غير مألوفة بالمرة، والتي يتداخل التاريخ والمصير الشخصي بالنسبة لها تحت طبقات من الأسرار المظلمة. وهذه الرواية تؤكد من جديد أن جوشوا فورست واحد من أفضل كتاب الرواية».
الرحيل
«هذه الأمور يصعب قولها. وأنا لست على يقين مما هو صحيح وما ليس كذلك. بل ان تجاربي ليس لها معنى بالنسبة لي. ولذا فليس بمقدوري تصور أنها سيكون لها معناها بالنسبة لأي شخص آخر. وما يمكنني أن أعد به أنني سأكون مخلصة».
هذا هو ما أعرفه: في 24 مايو 2004، أوصدت ابنتي شيريل على نفسها باب غرفة نومها وأطلقت العنان لصوت أكثر الاغنيات الموجودة لديها غضباً وإباحية. وغيرت البكيني الصغير الوردي والأخضر الذي كانت ترتديه، لترتدي سروالاً قصيراً وقميصاً رياضياً كانت قد أسرفت في استخدامهما إلى حد أن النسيج بدأ في التحلل.
ثم دست سروالي جينز وقميصين رياضيين آخرين وسترة ذات غطاء رأس حمراء وصدرية ومجموعة من السراويل الداخلية في حقيبتها التي تحملها على ظهرها. ودست مشغل أقراص موسيقية ـ ذلك الجهاز العتيق المحرج الذي كنا قد رفضنا تحديثه وشراء جهاز آي بود بدلاً منه ـ في الجيب الأمامي لحقيبة الظهر، واجتذبت صندوق اسطوانات مدمجة من الدولاب الخاص به، وألقت نظرة سريعة على الغرفة، وراحت تتساءل ماذا غير ذلك ستندم على تركه وراءها».
مقتطف من رواية «سابوتاج كافيه»
*الكتاب:سابوتاج كافيه
*الناشر:الفريد نوف - نيويورك 2007
*الصفحات:272 صفحة من القطع المتوسط
The Sabotage Café
Joshua Furst
Alfred Knoph - N. Y 2007
P.272
