مع صدور رواية «سابوتاج كافيه» للأديب الأميركي جوشوا فورست، بادر موقع بورزوي ريدر الالكتروني المتخصص لإجراء هذه المقابلة معه، حيث ألقى الضوء على عالمه الإبداعي ذي الجوانب المتعددة، والذي يشمل القصة القصيرة والرواية والمسرحية والسيناريو، وتناول بشكل خاص العلاقة التي تربط الأم وابنتها والتي تشكل جوهر روايته الجديدة التي تستمد عنوانها من اسم مكان يرتاده الشباب الضائع في قلب مدينة مينابوليس.

وأعرب عن اعتقاده بأن الغرب الأميركي الأوسط أكثر تنوعاً ويأساً مما يعتقده الكثيرون، مقارنة بالمدن الساحلية الأميركية التي تناول الكثير من الكتاب عالمها وأجواءها بالتحليل والمناقشة بينما ظلت المدن الداخلية قابعة في ظلال التجهيل إلى حد كبير. وتناول تأثر أعماله بعدد من الكتاب البارزين وفي مقدمتهم ديستوفسكي وكيرواك فضلاً عن العديد من الفرق الموسيقية التي يتصدرها فريق البيتلز الشهير. وفيما يلي نص الحوار:

* العلاقة المحورية في رواية «سابوتاج كافيه» هي تلك التي تربط بين أم وابنتها. ما الذي تجده آسرا في ديناميات العلاقة بين الأم والابنة؟

ـ إنني أميل إلى التزام الحذر فيما يتعلق بإطلاق أي تعميمات بشأن العلاقات بين الأمهات والبنات، ولكنني أستطيع الحديث عن العلاقة المحددة بين الأم والابنة الموجودة في الرواية. وأحد المبادئ الإرشادية في «سابوتاج كافيه» تتمثل في مفهوم التقمص العاطفي وضوابطه واستخداماته، فالأم جوليا بعد أن قامت بتربية ابنتها المراهقة شيريل وجدت نفسها شاهدة وعاملاً نشطاً في تشكيل وعي ابنتها الآخذ في التطور.

وبعد ستة عشر عاماً فإن أمنياتها بالنسبة لابنتها لا سبيل إلى انفصالها عن أمنياتها بالنسبة لنفسها، وهي لا تعود تعرف أين تنتهي تجربتها الخاصة وأين تبدأ تجربة ابنتها. وهي تعتمد على إيمان ابنتها بفضيلتها - بقدرتها على تقديم خيارات متسامحة أكثر من تلك التي قدمها أبواها - من أجل تحقيق توازنها العاطفي والنفسي.

وشيريل ترى الأمور، بالطبع، من منظور مختلف، وهي تدرك الصلة بينها وبين أمها، ولكنها بدلاً من الاعتزاز بهذه الصلة وتنميتها تحس بأن المسؤولية التي تلقيها على كاهلها تسجنها. وهي لكي تصبح فرداً مستقلاً لابد لها من أن تفصم هذه الصلة بغض النظر عن الألم الذي قد يسببه هجرانها لأمها.

* كيف اخترت التركيز على هذه العلاقة بين الأم والابنة؟

ـ لماذا احتاج هذا الصراع المحدد بين الإرادات إلى أن يبرز فيما بين أم وابنة وليس في أي تصور آخر للعلاقة بين الآباء والأبناء هو أمر يصعب علي تفسيره. ومن بين العلاقات التي كان بمقدوري أن أركز عليها، فإن هذه العلاقة بالتحديد هي الأكثر تعقيداً.

* المشهد الذي سيعلق بذهن قارئ الرواية طويلاً هو المشهد الذي يتعرض فيه كلب للضرب والقتل. ما هو شعورك وأنت تكتب هذا المشهد؟

ـ كان شعوراً صعباً. وعلى امتداد وقت طويل حاولت أن أتجنب هذا المشهد من حيث كتابته. وهو بمثابة نقطة تحول محورية في الكتاب، وكنت أعرف أنه يتعين عليّ صياغته بالشكل الصحيح إذا كنت سأحقق التأثير المطلوب إحداثه من خلاله. ولم يكن ما يزعجني هو الطابع الوحشي للحدث، فالكثير من أعمالي يتسم بالطابع المظلم، ولدى كتابة هذا المشهد لم يكن من السهل عليّ التراجع.

وكان مناط اهتمامي الأساسي في كتابة هذا المشهد متمثلاً في كيفية نقل هشاشة حالة جوليا الذهنية. وهي في هذا المنعطف أقل قلقاً على سلامة الكلب منها على سلامة ابنتها، ولكن التأمل في إمكانية أن يحدث شيء فظيع لشيريل هو أمر يتجاوز قدرتها. وما تستطيعه هو الإفصاح عن مخاوفها عن طريق نقلها إلى وسيط.

تضاف إلى ذلك الحقيقة القائلة إنه على امتداد الرواية فإن جوليا تعزو إلى حد كبير ماضيها إلى ابنتها، فهي تروي قصة شبابها الوحشي كما لو كانت تجربة شيريل، وهذا المشهد هو أحد الأمثلة البارزة على الانزلاق فيما تسرده. وقد برهن تحقيق كل هذه الأهداف من دون إيرادها صراحة على أنه أمر بالغ الصعوبة.

* تكتب عن مشهد محطات مترو الأنفاق في مينابوليس بقدر كبير من المعرفة والتمكن. فهل لك تجربة مباشرة مع هذا المشهد؟ وكيف تمضي في إجراء أبحاث عن الثقافة المضادة؟

ـ لم أسكن قط في مينابوليس، ولكنني أمضيت العديد من سنوات نشأتي على الجانب الآخر من النهر في وسكونسن. وقد زرت المدينة مرات عديدة. ولسبب ما فإن نسبة كبيرة من أصدقائي قد نشأوا هناك. وتزامنت سنوات مراهقتي مع أبرز سنوات انتشار موسيقى ال«دي. آي. واي» في الثمانينات، وعلى الرغم من أنني لم أكن منخرطاً في هذه الحركة فإنني كنت من المعجبين الناشطين بها.

وقد استوعبت كلمات الأغاني، ومن بلدتي المنعزلة في وسط قلب أميركا تصورت نفسي جزءا من المجتمع الذي لم يكن بمقدوري الوصول إليه. وكنت أنطلق بالسيارة مع أصدقائي إلى ماديسون عندما نستطيع ذلك آملين أن نجد طريقاً يفضي بنا إلى هذا العالم. وفي وقت لاحق، في أوائل التسعينات، وبينما كنت أقيم في الفابيت سيتي، وجدت نفسي أقرب كثيراً من هامش الثقافة المضادة.

وبينما لم أكن أنا نفسي منتمياً إلى القاع، فإن الشوارع التي كنت أسير فيها كانت مليئة بمن ينتمون إليه، وقد لفتوا نظري بشدة وأخافوني وسحروني أيضاً. ومنذ ذلك الحين لاحظت أن كل مدينة كبرى في أميركا تقريباً تضم حشداً من هؤلاء المراهقين. والمشاهد على الساحل، في نيويورك وبيركلي وبورتلاند وسياتل، موثقة بصورة جيدة ولكن المدن الحبيسة، حيث اليأس أعظم، لأن الخيارات تبدو بعيدة عن مطال الناس، لا يجري الحديث عنها.

والغرب الأوسط الأميركي أكثر تنوعاً مما يعتقد الكثيرون في الغالب. وإلى جانب الناس المهذبين، الودودين، الذين يضرب المثل بهم، يقيم أناس مستقلون ومتطرفون. وقد أحسست بأن من المهم إلقاء الضوء على هذه العناصر الأقل وضوحاً في وسط أميركا. وبدلاً من القيام بأبحاث عن المشهد الفعلي في مينابوليس، حاولت في «سابوتاج كافيه» أن أوجد ثقافة مضادة محتملة يمكن أن تعيش فيها شخصياتي.

* من هم الكتاب الكلاسيكيون والمعاصرون الذين أثروا في كتاباتك؟

ـ عندما أكون عاكفاً على إنجاز مشروع ما، فإنني أجد نفسي أقوم بالبحث عن عمل آخر يحتوي على موضوعات وأفكار مماثلة. وأنا أحب أن أتصور أنني إلى درجة ما فإنني لست منغمساً في رواية قصة فحسب، وإنما أنني أشارك أيضاً في حوار مع زملاء من الكتاب المعاصرين ومن سبقوني.

ورواية «سابوتاج كافيه» بموضوعاتها التي تدور حول الانتهاك الاجتماعي والسياسي هي، إلى حد ما، استجابة لرواية «الممسوسون» لدستويفسكي ولروايات كيرواك وأغنيات فريق البيتلز. وعملي يستمد إلهامه من أسئلة معينة: كيف أنجز رواية روك أند رول لا تدور حول فرقة موسيقية تحاول الوصول إلى سماء الشهرة؟

كيف أقوم بتأليف كتاب عن الانتهاك لا يتدنى إلى الأجواء التقليدية للسقوط في هوة المخدرات والخروج منها. ومن بين الكتاب المعاصرين الذين يبرزون إلى حد كبير في تأليف هذا الكتاب هناك ماري جاتسكيل، ودنيس جونسون، ونك فلاين. وبعد قولي هذا، فإنني أعتقد أنه أيا كان ما سأكتبه بعد ذلك فإنه سيجتذب مجموعة مختلفة تماماً من المؤثرات.

* ما الذي يمكننا أن نتوقع صدوره من كتاباتك في المستقبل؟

ـ كنت أتناول عدداً من الأفكار، وأحاول تصور أي مشروع من بينها هو الأكثر ضرورة بالنسبة لي من حيث التركيز عليه الآن. وعملية الكتابة لدي تجعلني أقفز كثيراً بين الموضوعات إلى أن أجد نفسي وقد انغمست عميقاً بالفعل في قلب فكرة تفرض نفسها عليّ بإلحاح. وما يمكنني قوله بمزيد من اليقين هو أن شخصياتي تكبر في السن، واعتقد أنني قد اكتفيت، إلى حين، من الكتابة عن الفتية والمراهقين الذين لا يزالون في مقتبل العمر.

محطات في مسيرة فورست

*درس الأديب الأميركي جوشوا فورست في كلية تيتش للأدب بجامعة نيويورك، وحصل على البكالوريوس في الكتابة الدرامية في 1993 وحصل على درجة الماجستير بامتياز من ورشة الكتاب التابعة لجامعة أيوا في عام 2001 وهو يعمل حاليا في تدريس كتابة الرواية والكتابة المسرحية في معهد برات بنيويورك.

*أصدر مجموعته القصصية الأولى في عام 2003 بعنوان «القصار» والتي قوبلت بإشادة كبيرة من النقاد والقراء. ونشرت قصصه في العديد من الصحف والمجلات البارزة ومنها «شيكاغو تربيون» و«كونجنكشنز» و«فايف شابترز» و«كراب» و«أورشارد ريفيو». وكتب مجموعة من المسرحيات، منها مسرحية «التذمر» و«ماين» و«الحذف» و«أشكال أخرى». وأصدر مؤخراً روايته «سابوتاج كافيه».

* حظى بالعديد من الجوائز وألوان التكريم، ومنها زمالة ميتشنر، وجائزة نيلسون الجرين، وزمالة ماكدويل كولوني، وزمالة دار ليديج.

منى مدكور