حنا عبود مؤلف الكتاب باحث وناقد ومترجم سوري، تخرج من جامعة دمشق ـ كلية الآداب ـ قسم اللغة العربية ثم عمل مدرساً، وهو عضو جمعية النقد الأدبي في اتحاد الكتاب العرب. له مقالات ودراسات كثيرة في الصحف والدوريات العربية.
من مؤلفاته: «المدرسة الواقعية في النقد العربي ، مسرح الدوائر المغلقة، واقعية ما بعد الحرب، تفاحة آدم: دراسة في أدب لورنس، الحداثة عبر التاريخ»، ومن ترجماته: «موجز تاريخ الفلسفة، الخيال الأدبي، تاريخ المسرح، ميثولوجيا الأبطال والآلهة والوحوش، العائلة المقدسة» بالإضافة إلى الكثير من الدراسات والترجمات التي لا مجال لذكرها جميعاً. في كتابه الجديد (ليليت والحركة النسوية الحديثة) يرصد الباحث حركة النساء وكيف يجهدن في كتابة تاريخ نضالهن، ويعرض هذا التاريخ صفحة فصفحة معززاً بالشواهد والأرقام، وكيف يطفن في تاريخهن على كل البلدان لاعتقادهن بأنه لا وجود لبقعة في الأرض لا تشكو فيها المرأة من الظلم.
يتألف الكتاب من مجموعة من العناوين. عن «ميلاد ليليت وحقيقة اسمها» يذكر الباحث ان ليليت قد ولدت في الألف الثالث قبل الميلاد. ولدت في البانثيون السومري، إنها وليدة الأم العظمى (التي هي في النهاية الأرض) فهي ليست منسوبة لأب ذكر ولا لأمّ أنثى، بل للأم الكبرى. وقد ظلت متمسكة بهذا النسب العظيم. كانت البانثيونات القديمة كلها من النساء، لم يكن للآلهة الذكور قد دخلوا البانثيون بعد، والبانثيون هو الذي يوزع المهمات على الربّات، وكان من نصيب ليليت ان تكون ربّة المهد وتشرف على تربية الأطفال.
التربية قديماً لا تكون في النهار بل تكون في الليل عن طريق الحكايات والأحلام، ولكي ينشأ الولد كما تريد ربّات البانثيون، توجّب على ليليت ذات الشعر الفاحم الطويل ان تهدهد الطفل وتجلب له الأحلام السعيدة، ليستقبل نهاره رضي النفس، يقبل على الخير ويتقبّل الحقّ ويتمتع بالجمال.
يتابع الباحث في سرد معاني اسمها: فاسمها يعني الهواء أو الريح أو النفس أو الروح... ولكن بما انها تعمل في المساء، صار اسمها يعني الليل أيضاً أو ربما صار يعني الليل بعدما جعلوا منها جنية ليلية. ليست معالم ليليت (ليلات أو ليليتو بالسومرية) سوى معالم ليلية: شعرها أسود منسدل تلعب به يد الطفل، وعيناها واسعتان سوداوان وبشرتها سمراء، عنقها طويل وقامتها هيفاء وخصرها نحيل، نظرتها ساجية وأهدابها طويلة وأنفها صغير إلخ... شحرورة بلاد الرافدين.
كان اسم ليليت يُطلق على الليل أو الوظيفة التي في الليل. كانت ليليت مسؤولة ليس فقط عن أغنية المهد أيضاً بل عن الأحلام التي تربي الأطفال وتجعلهم أنقياء لا يفكرون بالحرب والعدوان. هذه حقيقة اسمها ويرى الباحث كيف ان مدلول اسمها تغيّر بتغيّر المجتمع.
تحت عنوان «إينانا سيدة مطلقة» يختار الباحث من بين (البانثيون) ربّة أخرى هي إينانا التي توحدت فيما بعد ـ أي بعد انحلال المجتمع الأمومي ـ بعشتار التي عاشرت الرجال وخضعت لسلطتهم وقامت بالمهمات التي أوكلوها إليها.
وصلت إينانا إلى درجة عالية من السلطة، صارت حاكمة السماء والأرض، والمتسلطة على مصائر البشر، فهي تدير المجموعات البشرية الكبيرة وهي التي تعاقب وتكافئ وتميت وتدمرّ. لم يكن هناك أي خلاف بين إينانا وليليت، بل قيل ان ليليت كانت تعمل بإمرة إينانا، وكانت إينانا في قمة شجرة الحياة، بينما كانت ليليت في وسطها.
كانت إينانا حامية لعابديها (والحقيقة لعابداتها) تبعد عنهم الأذى والضرر، وترسل الصواعق والعاصفة والنار والطوفان... وإذا غضبت على الناس (والحقيقة على الرجال) الذين لا يحترمون قوانين الآلهة. يؤكد الباحث بأن السيطرة على المجتمع حتى الألف الثالث قبل الميلاد كانت للمرأة.
في نشيد ترفعه ابنة الملك سرغون الأول، وهي الكاهنة الكبرى، واسمها (انهيدوانا) نلمس القدرات الكبرى التي تتمتع بها إينانا : مثل التنين / تسممين البلاد / عندما تصرخين بالأرض / برعدك وبروقك / فلا شيء اخضر يمكن ان يحيا / تدفعين الطوفان ينداح الجبل / انت إينانا / السيدة المتقدمة في السماء والأرض / تمتطين ظهر وحش / وانت التي تمطرين النار على رؤوس الرجال.
عن «الخلاف بين إينانا وليليت» يتحدث الباحث عن أسباب هذا الخلاف، فالغيرة بين امرأتين قاتلة، وكانت إينانا تغار من ليليت إلى آخر حدود الغيرة، وكانت تطاردها أينما سمعت بوجودها، وتسلّط عليها كل الرجال أصحاب السلطة وتلاحقها، وسبب الغيرة ان ليليت، رغم كل هذه التحولات ظلت معبودة الأمهات اللواتي رحن يرسمنها على شكل يد في راحتها عين برموش طويلة، ويعلقنها على المهد وفي الأعناق وفوق الأعتاب لتحميهن وتحمي أولادهن.
عن علاقة «ليليت بالفن القديم» يدرس الباحث في بداية تحوّل المجتمع من سلطة المرأة إلى سلطة الرجل، فقد ظهرت ليليت وهي تجمع بين الصفات القديمة الخيرة والصفات التي فرضها الذكر وهي صفات شريرة مدمرة وفي مقدمتها قتل الذكور. فكانت تظهر بأجنحة ملائكية وكان وجهها جميلاً مشرقاً رائعاً يبدو عليه التفاؤل، وتبسط ذراعيها كأنها توشك ان تضم طفل المهد الذي حُرمت منه إلى صدرها.
ولكن إلى جانب ذلك بدأت البومة تظهر إلى جانبها في محاولة للإيحاء بأن ليليت لا تختلف عن صديقتها البومة، فكلتاهما رمز الدمار والخراب. كانت اليمامة رمزاً للجرأة، وبحلول السلطة الذكورية حلّت البومة محلها، وبعد ذلك بدأت الوحوش تظهر إلى جانب ليليت، وهي طريقة لجأ إليها الفنان لوقف الشعبية التي تتمتع بها هذه الربّة، وبالأخص عند النساء. في تلك الأيام كانت فكرة «العدوى بالجوار» أو المعاشرة أو الملامسة هي الشائعة نظراً لاعتقادهم بالسحر.
إن الفنان لم يمسّ جمال ليليت ولم يشوهها لا في الوجه ولا في الجسد ولكنه اكتفى بجعلها بين البوم والوحوش، وفي اعتقاده ان ذلك يجعل الناس تنفر منها، مقتنعين ان ليليت ليست سوى ساحرة شريرة. رغم ذلك ظلت ليليت تحمل معالم الربّة: وجه جميل وقدّ ممشوق وحوض منبسط (رمز الأنوثة المثمرة) ونظرة حنان كأنها أمام طفل تحنو عليه.
إن ليليت السومرية التي أقالوها من وظيفتها قرب المهد وطردوها من ضفاف الفرات وحشروها في المقابر والوديان والغابات ومفترق الطرق والأطلال والديار الدارسة والكهوف... استطاعت بمهابة الربّة المقدسة ان تنهض من خرائب سومر سليمة معافاة بوجهها المألوف وشعرها المعروف وزنديها الناعمين وإشراقها النوراني من أعماقها، ولم يؤثر فيها أي شيء لسبب بسيط هو انها كانت مؤمنة بنفسها، لم تساوم ولم تتنازل ولم تتقلب ولم تخن ولم تمالئ.
عن «ملحمة الهرب من الجنة» بعد دراسة مفصلة عن آدم وحواء وليليت من خلال التحولات التي أصابت ليليت في سومر وأكاد وعند الأقوام الأخرى والأديان كاليهودية والمسيحية والمانوية، عند اليهود والعرب والإغريق، يستخلص الباحث بأن ليليت وحدها قلبت المفهوم تماماً، فرأت حريتها خارج الجنة وليست داخلها على عكس كل الشخصيات الأدبية التي لم نجد بينها من رفض السماء أو رفض الجنة بل طُرد منها.
وحتى تستعيد ليليت حريتها تخلت عن طبيعتها «الآدمية» وعادت إلى طبيعتها النورانية اللطيفة، فتخلصت من خطيئة آدم النابعة من طبيعته المتدنية. كانت ليليت تطالب بنظام يوفّر الحرية ويحقّق الذاتية، وكان آدم يصرّ على نظام الخضوع والمراتب الجنسية. في كل آداب العالم لا توجد شخصية تشبه ليليت في نزوعها وتمسكها بالنظام الذي يوفر الكرامة لها ولبنات جنسها، لم تهن ولم تفتر ولم تساوم.
ظلت تطالب بنظام المساواة والحق والحرية، وما طرحته ليليت من شعارات، راحت البشرية طيلة تاريخها حتى هذه الساعة تحاول تحقيقه. عن «ليليت والحركة النسوية الحديثة» يرى الباحث ان هناك أساليب وأسلحة جديدة في صراع ليليت، فالكثير من المفكرين يعتمدون على مقولة الخلاف الحقيقي بين الرجل والمرأة، وهم يرون ان هذا الخلاف هو القابع وراء تقسيم العمل بينهما، ويرى بعضهم ان الفرق البيولوجي هو المسؤول عن تقسيم العمل.
بينما لا يرى آخرون ذلك، بل يعتقدون ان المسألة تكمن في الاستيلاء على السلطة المدنية بكاملها وإخضاع الآخر إخضاعاً تاماً بحيث يكون مأموراً لا آمراً؛ وعلى ذلك يكون الصراع أبدياً، لا يمكن ان يهدأ لحظة من اللحظات. إن الخلاف بين ليليت وآدم هو ذاته الخلاف بين الزوجة وزوجها في مسرحية إبسن «بيت الدمية» فالخلاف في هذه المسرحية لم يكن على شيء معين، بل على موقف بكامله من الحياة والمجتمع وإدارة الشؤون اليومية.
هكذا يكون إبسن قد أعاد النمط الأولي الكبير ولكن بعد تعديله وفق الحياة الحديثة، ومثله سترندبرغ في مسرحية «الأب»التي تعيد علينا الصراع الأبدي: ان البطلة التي تعاف كل شيء لتتحرر من سلطة الرجل ـ الزوج حتى انها تتخلى عن أبنائها، تذكرنا بما فعلته ميديا بجاسون، إذ قتلت ابنيها منه وانتقمت من المرأة الجديدة التي كانت ستزف إليه مع علمها انه متزوج منها.
ان مسألة تعدد الزوجات التي تطرحها الحركة الحديثة ترجع إلى أزمنة سحيقة، ويترتب على هذه النظرة ان السلطة كانت بيد المرأة في العصور القديمة ثم استولى الرجل عليها وجعل من المرأة تابعة بدلاً من ان تكون متبوعة.
د. وانيس باندك
*الكتاب:ليليت والحركة النسوية الحديثة
*الناشر:وزارة الثقافة ـ دمشق 2007
*الصفحات:216 صفحة من القطع الكبير

