محمود قاسم روائي مصري، وناقد سينمائي، وصانع موسوعات، مترجم، وكاتب أطفال. حاصل على خمس جوائز أدبية وسينمائية، صدر له (12) موسوعة متخصصة، و(4) روايات آخرها «الحياة مفرد مؤنث» ويشغل الآن رئيس قسم الأطفال بدار الهلال.

في كتابه هذا يبحث عن الأطفال الذين مثلوا أدواراً في السينما وليس عن سينما الأطفال، لأنه يرى أنَّ السينما المصرية حتى الآن لم يكن في خطتها أن تصنع أفلاماً للصغار، وقد لعبت المصادفة وحدها أنَّ أفلاماً بعينها جذبت المشاهد الصغير، والغريب في هذه السينما هو أنَّ أفلاماً كثيرة لم يكن في خطتها أن تكون للأطفال، فصارت أعمالاً إبداعية محببة للصغار أكثر من غيرها. فالأطفال الذين عملوا في السينما المصرية منهم من أدى دوراً لمرةٍ واحدة، وكان هناك توقع بلمعانهم مثل «طارق إسماعيل»، الذي كان الركيزة الأساسية في فيلم «آخر فرصة» لنيازي مصطفى 1962.

وبالمقابل امتلأت الأفلام المصرية بأطفال نجوم صغار، تكرر ظهورهم وأثبتوا موهبتهم المتجددة مثل «سهير فخري» التي كانت المحور الرئيسي في أفلام عديدة في بداية الخمسينيات مثل(حكم القوي) لحسن الإمام 1951، أما الطفلة الأبرز فهي «إكرام عزو» بطلة أفلام (عائلة زيزي) و التي شاركت في (السبع بنات) و(لاتذكريني) لمحمود ذو الفقار 1961، ثم هناك أيضاً يس إسماعيل يس.

أما الأطفال الذين لمعوا بدرجة خارقة وهم صغار وحاولوا أن يجربوا حظهم بعد أن صاروا بالغين؛ الطفلة (فيروز) في أفلام مثل «أيامي السعيدة» لأحمد ضياء الدين 1958، و «بفكر في اللي ناسيني» لحسام الدين مصطفى. حتى انَّ أختها «نيللي» صارت صورة منها وهي في العمر نفسه. ومن هذه الأسماء أيضاً وجدي العربي، وسليمان الجندي، ونادية ذو الفقار، وإيمان ذو الفقار، ومحمد يحيى، وإيناس عبد الله، وهويدا، وسمير لاما.

غير أنَّ هناك أطفالاً تحوَّلوا إلى نجوم في كافة مراحلهم العمرية وعلى رأسهم فاتن حمامة، ومنهم لبلبلة، ونيللي، وبوسي، ونزهة يونس، وزيزي البدراوي، ودينا عبد الله، ومحسن محيي الدين، وخالد أبو النجا، وهاني شاكر، ونورا، وشيريهان، وصابرين، وهالة فؤاد، وميمي جمال، وعلا رامي. وقد قيل في أفيشات الأفلام وإعلاناتها دوماً: الطفل أو الطفلة المعجزة.

وهنا لا ننسى أنَّ هناك مخرجين تحمَّسوا للعمل مع الأطفال، واكتشافهم، وتقديمهم بأحسن صورة. وإسناد البطولة لهم، وتكرر التعامل معهم، وإذا كان محمد كريم هو أوَّل من اكتشف الطفلة فاتن حمامة في يوم سعيد عام 1940، فإنَّه عاد وقدَّمها وهي صبية في أفلام أخرى مثل «رصاصة في القلب» 1944.

أما المخرج الأكثر اكتشافاً لموهبة الأطفال فهو(أنور وجدي) و لا شك أنَّ تكرار تجربته مع فيروز كمنتج أيضاً يُحسب لها. فقدمها في «ياسمين» 1950، و«فيروز هانم» 1951 ومن إخراج عباس كامل، ثم «دهب» 1953، وهو أيضاً تحمَّس للبلبة وقدَّمها في أحد أفلامه الأخيرة «4 بنات وضابط».

أما صلاح أبو سيف فقد تحمَّس دوماً لسليمان الجندي، كما تحمَّس له أيضاً نيازي مصطفى بقوة. وهناك أيضاً محمد عبد العزيز صاحب فيلم «عيال عيال عيال» و أيضاً فطين عبد الوهاب. أما عاطف سالم فهو صاحب الرصيد الأهم في هذه الأفلام ابتداء من «الحرمان» 1953، و«جعلوني مجرماً» 1955، و «السبع بنات» 1962، و«أمالعروسة» 1963، و«الحفيد» 1974.

وفي النوع الأول من الأفلام، فإنَّه ورغم وجود الطفل في تجمعات إلا أنَّ التركيز يتوقف عند نماذج منهم، بينما تبدو بقية الجماعة في الخلفية كديكور. ومن هذه الأفلام «الأبرياء» لأحمد بدر خان ، الذي يتحدث عن أطفال الشوارع، وهو الاسم الذي أخرج به يوسف وهبي فيلماً عام 1951.

وهذه الظاهرة تكررت في أفلام أخرى منها « جعلوني مجرماً» لعاطف سالم 1955، و«العفاريت» لعاطف سالم 1991، و «بص شوف سُكَّر بتعمل إيه» لأشرف فهمي 1977، و «حب أحلى من الحب» لحلمي رفلة 1975، و«أفواه وأرانب» لبركات.

في فيلم «جعلوني مجرماً» على سبيل المثال، فإنَّ الشخصية الأساسية من بين الأطفال المشردين هو ذلك الصغير الذي هرب من أخته المغنية، ووجد نفسه في معاناة أخرى، فأصيب، ودخل المستشفى، وجاءت زعيمة العصابة لاستلامه منها بحجَّة أنَّها جدَّته التركية الأصل. أما بقية الأطفال فقد ظهروا في الخلفية مما يوحي بأنَّ وراء كل طفلٍ منهم حكاية مماثلة، أو أشد فتكاً.

ثُمَّ يتساءل الناقد محمود قاسم: لماذا لم يلمع طفل كممثل في بدايات السينما المصرية، باللمعان نفسه الذي حدث للأجيال التالية، وذلك باستثناء فاتن حمامة . مع أنَّ أوَّل طفلٍ ظهر في أوَّل فيلم«ليلى» عام 1927، وحسب بيانات الفيلم، فإنَّ هناك طفلين شاركا في الفيلم كممثلين هما سعد وبثينة؟؟. ثمَّة سبب ربَّما لا يكون كافياً؛ وهو أنَّ حضورهم في الأفلام كان وجوباً وواضحاً، وأنهم أداة عائلية، يستخدمهم الأب في الانتقام من الأم، أو يبدون كمرآة لتفكك الأسرة أو نمائها.

طبعاً هذا لم يكن ليمنع من إسناد بطولة مطلقة لممثلٍ طفلٍ في السينما، بل إنَّ أوَّل فيلم يحمل اسم الطفل كما هو موجود في الفيلم هو(مصطفى) أو «الساحر الصغير» إخراج محمود خليل رشاد، وقد جاء في عناوين الفيلم أنَّ الممثل الصغير مصطفى كامل رشاد وهو ابن المخرج أو ابن شقيقه، وأنه يقوم بدور (جاكي كوجان) المصري، وهو اسم الممثل الطفل الأميركي الذي لمع في تلك الفترة أمام شارلي شابلن وفي أفلام عديدة.

لا شكَّ أيضاً أنَّ بدايات السينما المصرية لم تنجب أطفالاً، فبعد اكتشاف فاتن حمامة في عام 1940 لم تشهد السينما طفلاً أو طفلةً موهوبة، وغرقت الأفلام في قصص الكبار، وتحدثت عن الأسر التي لم تنجب أطفالاً. ولعلَّ أبرز فيلم في بداية الأربعينات اهتمَّ بالأطفال هو«بنت ذوات» إخراج يوسف وهبي 1942، حيث يُؤْمِن إبراهيم الذي نال دبلوم الهندسة بأهمية تعليم الصغار، ومحو الأمية، فيساعد الأطفال الفقراء في المدارس كي يتعلموا.

ثُمَّ يتساءل الناقد محمود قاسم في محاولة للبحث عن الأطفال في السينما العربية بعد أن غطى مساحة حتى بدايات القرن الواحد والعشرين في السينما المصرية: فيما إذا كانت السينما العربية قد خلت من الطفل الممثل؟ ويجيب: الأطفال موجودون بشكل مكثَّف في السينما الجزائرية؛ خاصة في الأفلام التي تتحدَّث عن مشاكل الهجرة إلى فرنسا، وأبطال الكثير من هذه الأفلام، إما أطفال صغار، أو على أبواب البلوغ والشباب مثلما حدث في فيلم «باي باي» لكريم دريدي عام 1955.

وفيلم « أطفال الريح» 1990 لإبراهيم تساكي، وفيلم «حكاية النار» 1983. كما قدَّمت السينما الجزائرية في عام 1968 خمس قصص قصيرة تحت اسم «الجحيم في سن العاشرة» أخرجه خمسة من المخرجين، وفيلم « يا ولد» لرشيد بن علال 1993، و «الصورة الأخيرة» لمحمد لأخضر حامينه 1986 ففيه قصة حب من طرف واحد بين الصبي مولود تجاه مُدرِّسَته الفرنسية.

وفي تونس تبدو التجربة غير بعيدة، باستثناءات قليلة فمن الأفلام الأولى في تاريخ هذه السينما نرى الاغتصاب والعنف مقروناً بعالم الأسرة، والأطفال في فيلم «تحت مطر الخريف» لأحمد الخشين 1969، كما أنَّ نضال في فيلم «السيدة» لمحمد زين 1996 هو من أطفال الشوارع.

أما أشهر طفل في السينما التونسية على الإطلاق فهو(نورا) في فيلم«عصفور السطح» لفريد بو غدير 1990. أما في سوريا فالأمر يختلف، فالصور تتعدد من طفل لآخر، والتجربة لا شك أكثر ثراءً، فالطفل المناضل موجود في «الأبطال يولدون مرتين» إخراج صلاح دهني 1977، وكذلك في فيلم «أحلام المدينة» لمحمد ملص1948. وهناك أطفال آخرون مهتمون بالمشكلة الفلسطينية في فيلم «رؤى حالمة» لواحة الراهب 2003.

أما دريد لحام فسوف يُحْسَب له ما يُحسب كمخرجٍ وممثِّلٍ في عالم الأطفال؛ إذ إنَّه قدَّمَ أفلاماً حقيقيةً فيما يدخل تحت مسمَّيات من هذا النوع، وهي الأفلام الوحيدة في السينما العربية، ففيلماه «الكفرون» 1990 و «الآباء الصغار» 2006 هما من أفلام الأطفال كما هي التسمية العالمية لهذا النوع، فهناك قصة مكتوبة خصيصاً للأطفال، والأبطال الرئيسيون هم من الأطفال بالإضافة إلى وجود نجم أكبر سناً يؤديه دريد لحام.

أما في السينما اللبنانية فقد ظهر الأطفال بصورة تجْمع بين رؤية الفيلم التقليدي المصري، والسينما التي تعبر عن الحياة الجبلية والساحلية، وقد كان جورج نصر من أوائل من قدَّم الأطفال في فيلمه «إلى أين» 1957 ، ثُمَّ كان هناك المخرج جوزيف فارس الذي اعتمد على الأطفال في فيلمه «زوزو» 2005.

أنور محمد

*الكتاب: الأطفال في السينما

*الناشر: مهرجان القاهرة الدولي لسينما الأطفال 2007

*الصفحات:120 صفحة من القطع الكبير