يكشف هذا الكتاب (تاريخ وعمارة الدور والقصور والاستراحات والحمامات الأثرية في الهند) عن جزء مهم من العمارة الإسلامية في هذا البلد الغني بآثاره وعجائبه، حيث يتجول مؤلفه د.أحمد رجب محمد علي أستاذ الآثار والعمارة المساعد بكلية الآثار جامعة القاهرة بنا في هذه الأماكن التاريخية ليصف في دقة فخامة وضخامة هذه القصور المنيفة التي تبهر القارئ.
حيث يقف على مدى رقي وازدهار الدول الإسلامية التي حكمت الهند خصوصاً الدولة المغولية ومدى ما كان عليه أباطرة هذه الدولة وحكامها من قوة ومدى ما عاشوا فيه من نعيم. والكتاب يجيء ضمن سلسلة الآثار في شرق العالم الإسلامي ويضم ستة فصول تبدأ من عصر الإمبراطور أكبر حتى نهاية عصر المغول حيث يضم كل فصل أبرز الدور والقصور في عهد كل إمبراطور حتى نهاية الدولة المغولية 1857. فضلا عن فصل عن طرز تخطيط وعمارة الدور والقصور وأهم العناصر المعمارية، بالإضافة إلى أنه مزود بعدد من المساقط الأفقية والقطاعات والرسومات الزخرفية والصور الفوتوغرافية التي قام المؤلف بإعدادها على الطبيعة مباشرة.
في البداية يؤكد المؤلف أن الهند أمدتنا بالعديد من القصور والمنازل والاستراحات والحمامات والتي تتميز بكثرتها إذا ما قورنت ببعض الأقطار الإسلامية، ويرد ذلك إلى اتساع الهند ووجود أماكن بديلة يستطيع الناس أن يبنوا منازلهم فيها (عدم الحاجة الماسة إلى البقعة المبني عليها القصر) وفخامة وقوة مبانيها، ثم أخيرا اهتمام الحكومات المتعاقبة في الهند بهذه العمائر باعتبارها تراثا قوميا مع العمل على صيانتها المستمرة.
ويرى المؤلف أن العمارة المدنية بصفة عامة تعد من أقل العمائر الإسلامية التي وصلتنا عددا إذا ما قورنت بالعمائر الدينية والحربية، إذ أن الإنسان لا يجد حرجا من هدم منزل أو قصر وإعادة بنائه بطريقة أحدث أو أكثر راحة، وما أسرع وتيرة تطور طرز وأنماط العمارة المدنية عكس المساجد التي يسارع الناس إلى ترميمها إذا ما أصابها تلف أو الأضرحة التي يجد الناس حرجا في هدمها أو تخريبها خصوصا أنها عادة تكون في أطراف المدن، أي في بقاع غير مطلوبة للسكن .
ويضيف : أما القصور والمنازل فعادة تبني على ضفاف الأنهار أو وسط المدن أو في الأماكن الجميلة المطلوبة، ولذا يكون هدمها أسرع لأن الطمع في البقعة المقامة عليها، فضلا عن عدم وجود حرمة لمبانيها، حتى القلاع والحصون سر بقاء عدد كبير منها أنها دائما تكون ذات جدران سميكة تستطيع مواجهة تقلبات الطبيعة والصمود أمامها، فضلا عن وجود عدد كبير منها في الجبال أو في الصحراء أو على طرق التجارة.
ويكشف المؤلف أن النافورات (الفوارات) من العناصر التي تجلى فيها إبداع الفنان الهندي فتميزت بتعدد أشكالها وطرزها، وقد تجلى إبداع الفنان الهندي في فوارات القصور أكثر من فوارات المساجد، حيث تفنن في أشكالها وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية إلي جانب وظيفتها في ترطيب الجو وتلطيف درجة الحرارة.
ومن أهم هذه الفوارات فوارة قصر الإمبراطور شاه جهان بأجرا والتي اتخذت شكل وريدة داخل دائرة مدرجة داخل مربع، وأرضية الفوارة مطعمة بالرخام الملون الملبس على الرخام الأبيض بأشكال نباتية وهندسية بديعة، ومن الفوارات المهمة بالقصور المغولية في الهند فوارة قصر رانج محل بالقلعة الحمراء بدلهي والذي أنشأه الإمبراطور المغولي شاه جهان ليكون مقرا لجلساته الخاصة مع أمرائه وتتوسط الفوارة القاعة الكبرى بالقصر.
أما القباب والأقبية والجواسق فيرى المؤلف أن معظم القصور الهندية تميزت خصوصا في العصر المغولي بوجود جواسق فوق الأبراج أو فوق زوايا البناء عادة أربعة في كل ركن جوسق، مثال ذلك قصر الديوان الخاص بفتح بورسيكوري (عبادة خانة)، قصر الإمبراطور جهانجير، قصر بهادون بدلهي، وقصر خاص محل بأجرا، وقد تكون القباب هرمية الشكل تشبه الأقبية المتقاطعة ولكن مع شدة العمق مثل : قصر الإمبراطور جودة بي بفتح بورسيكري.
وتكون القباب الكبيرة فوق الاستراحات المعروفة باستراحة الأبراج المثمنة، مثال ذلك استراحة الملكة نورجهان بأجرا، حيث تعلو قبة مضلعة واستراحة البرج المثمن بقلعة دلهي، حيث تعلوها هي الأخرى قبة كبيرة مضلعة وإن كانت الأضلاع أكثر وضوحا في استراحة دلهي منها في استراحة أجرا، كما استخدم النوع المعروف باسم القباب البنغالية وهي القباب المتعددة المركز، أي لها أكثر من قمة أو أربع قمم، ومثال ذلك تغطية قصري البنات الملحقين بقصر خاص محل بأجرا وقصر شاه برج بدلهي .
ويشير المؤلف إلى أن الأبراج من العناصر المعمارية تعد من العناصر المعمارية المهمة في العمارة الهندية سواء المثمنة أو المستديرة أو النصف دائرية أو الثلاثة أرباع الدائرة، وعادة تشتمل القصور الهندية خصوصا الكبيرة على أربعة أبراج في الزوايا مثل قصر الإمبراطور جهانجير بأجرا.
ويضيف : وتتميز الأبراج الهندية في العصر المغولي بانقسام كل برج إلى ثلاثة أقسام (طوابق) القسم السفلي مسمط، أما القسمان الأوسط والعلوي فكل قسم يتكون من غرفة تشرف علي الخارج بمزاغل، أما الأبراج الموجودة على جانبي البوبات فتكون أكثر ارتفاعا وتكون غالبا مسمطة بالكامل، باستثناء الجزء العلوي حيث توجد غرفة تطل على الخارج بمزاغل أو فتحات للمدافع، وعادة تتوج هذه الغرفة بقبة.
ومن الجدير بالذكر أن بعض الأبراج الموجودة على جانبي البوابات كانت تزخرف بأشكال دخلات صماء معقودة وأشكال زخارف هندسية وزخارف ملبسة بالرخام الأبيض على الحجر الرملي الأحمر، وتتميز أبراج الزوايا بأنها عادة مستديرة أو مثمنة ويعلوها قبة.
محمد الحمامصي
*الكتاب: تاريخ وعمارة الدور والقصور والاستراحات والحمامات الأثرية في الهند
*الناشر: الدار المصرية اللبنانية - القاهرة 2007
*الصفحات: 296 صفحة من القطع المتوسط

