يعتبر بروسبير ميريميه الكاتب المسرحي والروائي والقاص الفرنسي وباحث الآثار، من أهم أسماء الحركة الرومانسية في فرنسا وأول من ترجم الأدب الروسي إلى الفرنسية. كما اكتسب شهرته الواسعة حتى يومنا هذا من خلال روايته «كارمن» التي استلهم منها الفنان الموسيقي جورج بيزيه أوبرا «كارمن» الشهيرة، التي كانت موضوعا لما يقارب من 50 فيلما سينمائيا.
اختار بروسبير الذي ولد في باريس في 28 سبتمبر عام 1803، الحب المتأجج الصاخب المدمر موضوعا لقصصه القصيرة، كما أحب الغموض والتاريخ وما هو غير مألوف، وتأثر بكل من شارلز نودييه كاتب الرواية التاريخية الخيالية وولتر سكوت وبالدراما النفسية لدى ألكسندر بوشكين. ومن أهم قصصه «لؤلؤة طليطلة» وفيها يتبارز ذو الأصول الشرقية مع الغربي للفوز بقلب الجميلة أورورا دي فيغا، وحينما يطعن الغربي يرجو من الفتاة مساعدته في إخراج الرمح وما إن تنحني نحوه حتى يطعنها بسيفه لتفقد حياتها هي الأخرى.
درس في البداية القانون إلا أنه فضل دراسة اللغات الإغريقية والاسبانية والانجليزية ومن ثم اللغات الروسية وآدابها إلى جانب اهتمامه بالأدب السلافي. وبدلا من السفر شرقا كما رغب، فضل كتابة رحلته على الورق، ليتمكن بعد تأمين تكاليف الرحلة من مقارنة الواقع مع ما كتبه.
حققت أعماله المسرحية مثل «غوزلي» ونشرت عام 1827 و«ثورة فلاح» عام 1928 نجاحا كبيرا، علما بأن أول مسرحية كتبها عندما كان في التاسعة عشرة من عمره وبعنوان «كرومويل»، كما اعتبر رائد فن القصة القصيرة. وباتت اسبانيا منذ زيارته الأولى لها عام 1830، إحدى مصادر إلهامه، لتليها روسيا. وليس بالغريب أن تدور معظم أحداث قصصه التي يشملها الغموض في الخارج وذلك نتيجة سفره الدائم حيث لم يستقر في بلده ما يتجاوز بضعة أشهر في العام الواحد.
وسبب سفره الدائم يعود لعمله في العديد من الوزارات مثل الخارجية والبحرية والتجارة والداخلية، ونظرا لحبه الشديد للتصميم المعماري والآثار، فقد عين بمنصب مشرف عام على الآثار التاريخية في فرنسا عام 1834، كما أثمرت صداقته مع الكونتيسه مونتيجو التي أصبحت ابنتها لاحقا الإمبراطورة الفرنسية أوجين، عن تعيينه في البلاط الملكي سيناتورا عام 1853. ومن أهم أصدقائه في تلك المرحلة ستاندال وتورغنيف.
كتب ميريمي في شتى المجالات فمن أدب الرحلات إلى الآثار فالتاريخ إلى جانب المقالات، ومن أهم أعماله «كولومبا» ونشرت عام 1840 و«الغرفة الزرقاء» عام 1842 ومن ثم روايته الشهيرة التي باتت من روائع الأدب «كارمن» عام 1845 التي اعتبرت في البداية عملا غير أخلاقي وهوجمت بشدة من قبل النقاد، وبعد ثلاثة أعوام من وفاته في 23 سبتمبر 1870 أنجز جورج بيزيه أوبرا «كارمن».
وتكتسب رواية «كارمن» التي تدور أحداثها عام 1830 ديمومة نجاحها من خلال إبراز التصادم في مفهوم الحياة، بين المدنية وثقافة الغجر، والتناقض في القيم وأسلوب التفكير، إلى جانب ديناميكية السرد في انتقاله من الحوار إلى المونولوج، ومن العام إلى الخاص، ومن الخارج إلى الداخل، ومن الخان والشوارع إلى المكتبة والتاريخ، إلى تباين جغرافية الشخصيات. ففي حين الراوي من فرنسا فإن البطل جوزيه نافارو من الباسك، أما كارمن الغجرية فهي من اللا مكان وكل مكان.
ويسرد الراوي المراقب والمشارك والأكاديمي وقائع الحكاية، كغريب زائر لإسبانيا بمهمة أكاديمية تعكس تفرده واستقلاله الفكري، وخلال تجواله في أراضي الأندلس يلتقي بجوزيف نافارو قاطع الطريق واللص المطلوب من السلطة والمرهوب من العامة. وعلى الرغم من تحذير الدليل له من خطورته إلا أن الراوي يأنس له ويستشف نبله الداخلي ويتابع جولته معه، كما يساعده على الفرار من الخان حينما يشي الدليل بمكانه إلى السلطات.
كان جوزيه في السابق جنديا تنحصر أحلامه البسيطة في الارتقاء برتبته العسكرية والعيش الهانئ، إلا أن حلمه المتواضع يتقاطع بلقائه بالغجرية الجميلة ذات الروح الوثابة كارمن، خلال عمله كحارس لأحد مصانع التبغ، لتبدأ حياته بالانحدار حيث تدفعه مساعدته لها على الهرب من السلطة إلى تلقي عقوبة السجن لمدة شهر وتخفيض رتبته.
وسرعان ما يقع في غرامها ويتغاضى عن عمليات التهريب التي تقوم بها جماعتها، ويستمر في الانحدار ليتحول إلى قاتل بسبب غيرته عليها بعدما قتل الضابط الذي كان برفقتها في بيت صديقتها، وبذا يصبح من قطاع الطرق واللصوص.
وحينما يلتقي لاحقا بزوجها المجرم بعد خروجه من السجن، لا يتردد في دعوته للمبارزة ومن ثم قتله، لتصبح كارمن زوجته حسب الأعراف الغجرية. لكن جوزيه يعجز عن لجم روحها المتمردة التي تأبى الخضوع أو الترويض، ولا تتردد في الدخول في علاقات عاطفية سواء بهدف عملية نصب أو وجيب القلب سيما لمبارز الثيران لوكاس.
تحاول كارمن المرة تلو الأخرى أن تفهمه بأن روح الغجر تأبى الاستقرار والخنوع، وحينما يشدد الحصار من حولها تزداد تذمرا وتصارحه بأن حبها له قد خبا. وأمام هذه الحقيقة الصادمة له التي كلفته حياته ومستقبله، يطلب منها أن ترحل معه إلى أميركا لبدء حياة جديدة وآمنة. وبعد أن شدد الضغط عليها تجامله وترافقه في طريق السفر، وحينما يصلا الغابة تواجهه بحقيقة مشاعرها وبرفضها للسفر معه، وحينما يهددها بالقتل تتألق عيناها بإثارة الموت المرتقب لكأنه مغامرة.
وما هي سوى لحظات حتى يستل سكينه ويقتلها، وبعد أن بكاها قام بدفنها، وعاد أدراجه ليسلم نفسه إلى السلطات. وفي انتظار حكم الإعدام شنقا كان يسرد على الراوي قصته مع كارمن التي بموتها فقد رغبته بالحياة.
وجدير بالذكر أن الفصل الرابع من الرواية الذي أضيف في الطبعات اللاحقة، خاص بتقديم الراوي لموجز عن تاريخ وحياة وفلسفة ولغات الغجر ومظهرهم وأزيائهم ومعتقداتهم عبر التاريخ بأسلوب أكاديمي واقعي صرف، كما يؤكد بأن الانجذاب إلى الغجر يرتبط بدرب الحياة المشرع الذي يهشم قيم البرجوازية الغربية.

