صاحب ديوان: «جهد المقل» هو الشاعر: أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد، المعروف بالشريف السبتي الذي ولد في مدينة «سبتة» ـ وهي مدينة في المغرب الأقصى ـ سنة سبع وتسعين وستمئة، وكانت مدينة «سبتة» تصطخب بالعلماء والأدباء، وتعج بالمفكرين والفقهاء بفضل ما انثال عليها من الأندلسيين المهاجرين من بلادهم بسبب الحروب.

وهكذا نشأ شاعرنا في هذه المدينة، وتلقى فيها من علومه وثقافته، وظهر نبوغه في الأدب واللغة، وساعده على ذلك كون أبيه من علماء سبتة البارزين في الفقه والأدب. ويذكر هنا أن كثيراً من الكتب التي ترجمت للشريف نسبته إلى غرناطة، وجعلت اسمه مقترناً بها فكانت تقول: (الشريف الغرناطي)، وهي نسبة غير دقيقة، جاءته من انتقاله إلى «غرناطة» وقيامه بمنصب القضاء فيها.

ثم ارتحل «الشريف» عن سبتة إلى الأندلس، وهو في عنفوان شبابه، فتصدر للإقراء والتدريس في «مالقه» وعندما شاع فضله وذاع صيته أصبح قاضياً في «مالقه» ثم في «غرناطة» وبقي فيها إلى لأن توفي سنة ستين وسبعمئة للهجرة. وكانت ثقافته موضع احترام القوم في عصره، ومحط تقديرهم وإعجابهم، فقد كان عالماً وفقيهاً جليلاً، وعلماً بارزاً من أعلام اللغة العربية في ذلك العصر، ويقول تلميذه العلامة «ابن خلدون»: «إنه شيخ الدنيا جلالة ووقاراً ورياسة، وإمام اللسان حوكاً ونظماً في نظمه ونثره».

وقد ترك الشريف لنا كثيراً من الكتب منها: التقييد الجليل على كتاب التسهيل، الدرة النحوية، رفع الحجب المستورة، شرح التنبيه لأبي اسحق الشيرازي، اللؤلؤ والمرجان،... إلخ. وكان الشريف إلى جانب ما ذكر شاعراً مطبوعاً، وله في الشعر - كما يقول تلميذه «ابن الخطيب» ـ : القدح المعلّى والحظ الأوفر والدرجة العليا. ونظمه كما يقول النباهي: كله رائق المعنى صريح الدلالة صحيح المعنى... أما ديوانه الشعري «جهد المقل» فإنه قد تضمن مقدمة، قدم بها الشريف ديوان شعره، والتي تضمنت كثيراً من ضروب الزينة اللفظية، وهي تمثل أيضاً قيمة النثر الفني وروعة التأليف، قال فيها:

«الحمد لله نردده أخرى الليال، فهو المسؤول أن يعصمنا من زلل القول، وزلل الأعمال، والصلاة على سيدنا محمد «صلى الله عليه وسلم» خاتم الإرسال». هذه أوراق ضمنتها جملة من بنات فكري، وقطعاً مما يجيش به في بعض الأحيان صدري، ولو حزمت لأضربت عن كتبها كل الإضراب ولزمت في دفنها وإخفائها دين الإعراب، لكنني آثرت على المحو الإثبات، وتمثلت بقولهم: إن خير ما أوتيته العرب الأبيات...

وقد قدم لنا هذا الديوان «جهد المقل» معظم الأغراض الشعرية التي طرقتها الشعراء العرب، لكن مدحه جاء مدحاً صادقاً لم يرج الجزاء، ورثى باكياً الأهل والأصدقاء، وتغزّل عاشقاً بمن اختص من النساء، وتشبب متيماً قلّ عنده الرجاء، وبكى شبابه وزهد، ووصف وأجاد، لكن ابرز هاتيك الأغراض وأشيعها في شعره الغزل والوصف. أما الغزل، فقد جاء عنده في سبع قصائد، منها مقطوعات، لكن أشهرها قصيدته النونية التي تجاوزت الثلاثين بيتاً، هي أطول قصائده على الإطلاق، وجاء مطلعها:

دعيني من مقال العاذلين وخلّي بين تهيامي وبيني

علقت فمقلتي للنوم حرب بأعزل وهو شاكي المقلتين

وغزل «الشريف السبتي» على نوعين: حسّي ذكر منه اللثم والتقبيل، وإحمرار الوجنات، كما في المقطوعة الثامنة، وهفهفة القد، وطول الجيد كما في المقطوعة الثانية والعشرين، كقوله:

مهفهفة القد بديع الحلا يعطي بجيد للرشأ الخاذل

رمى بنبل اللحظ في مهجة غادرها بشغل شاغل

والمهفهفة: الضامر البطن الدقيق الخصر، الرشأ: ولد الظبية إذا قوي وقد خفف من الهمز في البيت لضرورة الوزن، الخاذل: المتخلف عن قطيعه.

وغزل عذري، ذكر فيه صدود المحبوب، وبخله بالوصال، وشبه نفسه فيه بالشاعة «توبة» فقد أصابه في الحب كما في قوله:

وقد هاج الحمام الوجد قبلي لتوبة عند بطن الواديين

وأعرف في لحاظك ما رأت في ظبا الثقفي قاتلة الحسين

علام الغب عني لا أغبت بك الخيرات هامية اليدين

والظبا: جمع ظبة وهي حد السيف، الغب: الزيارة القليلة، ولا أغبت: أي لا قطعت ولا قلت. وأما الوصف فقد جاء في ثماني مقطوعات لم تتجاوز الواحدة منها عشرة الأبيات، وصف دولاب الماء وناعورة السقي والزورق والمنزل والرمح ودواة الحبر وشقائق النعمان. وما يلفت النظر في مجموعه الشعري قصيدته التي قالها حينما أجبر على مغادرة سبتة، موطن رأسه، والارتحال إلى الأندلس، فقد جاءت معبرة عن نفسية الرجل الذي لم يقدر الناس علمه وأدبه وأخلاقه وعمله وفضله.